[2]- هل تتكرر اليمين مع الشاهد، في نفس المال؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأما الثانية، فهي رجل توفي، وترك ورثة كبارا، وابنة صغيرة، فقام عليه قوم بديون، من جملتهم الزوجة بصداقها، وثبت ذلك كله على ما يجب.
(ووجب الأعداء على ما يملكه الميت، فأثبتوا له ملكا بشاهد واحد، ثبتت شهادته على ما يجب)، وأحلف أصحاب الدين معه، وفي جملتهم المرأة وقبضوا ديونهم، وحكم للزوجة بحقها من الميراث في الملك المذكور، وأخر قسم الميراث، رجاء ثبات شهادة أهرى، بسبب الصغيرة.
فماتت الصبية قبل ثباتها، فقامت الأم تطلب مورثها، وتقول: قد حلفت مع الشاهد على إثبات الملك، وحققت شهادته، ووجب لي بذلك ديني، وميراثي من زوجي، وأنا الآن آخذ بذلك ميراثي، من نصيب ابنتي، إذ هو ملك واحد، قد حلفت معه، وحققت شهادته، وجميع مطلبي فيه.
فهل تجزئها اليمين الأولى، أو تحلف الآن، يمينا ثانية، على ملك الزوج، أيضا، مع ذلك الشاهد، وحينئذ تستحق ميراثها من الابنة؟.
ما تراه في ذلك وكأنه يظهر لي أن في هذا الأصل في المذهب قولين من مسألة الغرماء، إذا قام لهم شاهد بدين لغريمهم المفلس أو الميت، فحلفوا ونكل بعضهم هل، لمن حلف، حصته فقط، أم يرجع في حصة من لم يحلف، على ما في كتاب ابن حبيب وغيره.
ويَقْوى عندي: أنه لا بد من اليمين، إذ اليمين مع الشاهد ليست لثبات حق، وإنما هي إيجاب حكم بالمال المحلوف عليه.
ومن هذا الباب، والله أعلم، وراثة المولى بشهادة السماع في الولاء عند من رأى ذلك، وأشباه هذا.
فرغبتي جوابه عن هذا كله، وهل فيه نص أم لا؟.
وقد رأيت لبعض المتأخرين إيجاب اليمين فيها.
جوابه عليها: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ويمين المرأة أن ما شهد به الشاهد حَقٌّ لتستحق بذلك حظها مما أحقته لزوجها يمينها مع الشاهد تجزئها فيما تصير إليها في ذلك الميراث عن ابنتها؛ لأنها قد حلفت على ذلك، إذ قد حلفت على
الجميع، حين لم يصح لها أن تبعض شهادة الشاهد، فتحلف على أنه شهد بحق، في مقدار حصتها، فتكون قد أكذبته في شهادته.
وهذا مما لا يسع عندي فيه اختلاف بوجه من الوجوه؛ لأنها، وإن كانت لم تستحق بيمينها، أولا، إلا قدر حظها، فقد حلفت على الجميع، فإذا رجع الحق إليها مِمَّا لم تستحقه بيمينها مما حلفت عليه، اكتفت باليمين الأولى.
هذا الذي يأتي على منهاج قول مالك، رحمه الله، وجميع أصحابه، من ذلك قوله، في المرتهن، يدعي في رهن قيمته عشرة دنانير: أنه ارتهنه بخمسة عشر دينارا ويقول الراهن: ما رهنت إياه بخمسة دنانير، أن يحلف: لقد أرتهنته منه بخمسة عشر دينارا، فيستحق، بيمينه، عشرة دنانير من الخمسة عشر دينارا التي حلف عليها، ولا يستحق بها جميعها؛ لأنه من الخمسة منها مدع على الراهن؛ القول فيها قوله، فإن نكل الراهن عن اليمين أخذها بيمينه الأولى، ولم يجب عليه أن يحلف ثانية، ليستحق الخمسة الباقية، إذ قد خلف عليها أولا، فكما يأخذ المرتهن الخمسة بيمينه الأولى، إذا رجع إليه الحق فيها بنكول الراهن، فكذلك تأخذ المرأة ما وجب لها بالميراث عن ابنتها من الدين بيمينها الأولى، إذ قد حلفت على الجميع.
وكذلك المتبايعان يختلفان في ثمن السلعة، فيقول البائع: بعتها بمائة، ويقول المشتري: اشتريتها بثمانين، يحلف البائع: لقد باعها بمائة، ولا يستحق بيمينه المائة، لأنه في العشرين منها مدع على المبتاع، يحلف المبتاع، ويسقطها عن نفسه بيمينه، فإن نكل عن اليمين استحق البائع
المائة كلها يبمينه الأولى، ولم يجب عليه أن يحلف ثانية، وإن رجع الحق إليه بنكول المبتاع، ومثل هذا كثير.
ولا يوجد في شيء من المسائل أن أحدا يحلف مرتين على شيء واحد.
ولا يقوم من الاختلاف الذي ذكرت في حصة من نكل من الغرماء عن اليمين مع الشاهد هل يرجع إلى من حلف منهم أو لا يرجع إليهم، اختلاف في تكرير اليمين على الزوجة فيما ورثته من ذلك عن ابنتها؛ إذ لا يقول مَنْ يوجب لمن حلف من الغرماء حظ من نكل منهم عن اليمين، أنهم يحلفون ثانية، وحينئذ يستحقون ذلك، ولا العلة عند من قال: إنه لا يجب لهم حظ من نكل عن اليمين منهم أن أيمانهم إنما وقعت على ما يجب لهم من ذلك؛ إذ لو كانت العلة عندهم في ذلك هذا، لقالوا: إنهم يحلفون ثانية، ويستحقون أنْصِبَاءَهُمْ وذلك ما لا يصح أن يقال، وإنما قال من قال: إن الحالفين يستحقون حصص الناكلين عن اليمين؛ لأنه رأى أنهم بنكولهم عن اليمين قد رضوا بترك محاصتهم في ذلك الدين.
وقال من قال: إن حصص الناكلين لا ترجع إلى الحالفين من أجل أن الورثة لما نكلوا عن اليمين مع الشاهد صار الحق في ذلك للغرماء؛ فمن حلف منهم استحق حقه، ومن نكل عن اليمين، رجعت اليمين في حظه على الغريم الذي عليه الدين، فحلف على تكذيب الشاهد، وبطل ذلك عنه، وقد قيل: إن لمن نكل منهم حظه في الدين، بيمين من حلف أن ما شهد به الشاهد حق، وذلك نحو ما روي عن مالك رحمه الله، في الحبس المعقب يشهد به شاهد واحد: أنه يحلف الجل من أهل الحبس، أو الواحد منهم، على اختلاف الرواية في ذلك،
فيستحق الحبس لنفسه، ولجميع أهله، ولمن يأتي منهم باليمين مع الشاهد.
ويأتي على طرد قياس هذا القول في مسألتنا: أن البنت تستحق حقها، وإن نكلت عن اليمين، إذا بلغت؛ بحَلِفِ أمها مع الشاهد، إذ قد أحقت بيمينها المال للمتوفى، وهذا يدل على سقوط الاختلاف في يمين الأم مرة أخرى، لأنه يبعد أن يقال: إن الأم لا تجزئها يمينها الأولى فيما صار إليها من حظ ابنتها، مع أن من أهل العلم من يرى أنها تجزئ ابنتها.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.