[338]- هل اعتقاد مذهب أهل الظاهر جرحة تسقط بها الشهادة؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، من حضرة المرية يسأل في شاهد مشهور الخير، يعتقد مذهب أهل الظاهر، هل ذلك جرحة في شهادته، أم لا؟
ونص السؤال الجواب، رضي الله عنك، في رجل من أهل الخير والفضل، مشهور بذلك، معروف به، شهد بشهادة على رجل من الناس، في حق من الحقوق، والشاهد المذكور، مع كونه على الصفة المذكورة، يأخذ مذهب أهل الظاهر، نفاة القياس، ويعتقد ذلك، ويلتزمه، ويتمذهب بمقتضاه.
فبين لنا، وفقك الله، هل تقبل شهادة من هو على هذه الصفة؟ وهل اعتقاد المذهب المذكور يسقط شهادته، ويكون مجرحا به أم لا؟ واشرح لنا ذلك شرحا بينا، إن شاء الله تعالى.
فجاوب، وفقه الله، على ذلك، بما هذا نصه، تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
أ- إنكار القيَاس في ذلك جملة جرحة في الشاهد
وإبطال القياس في أحكام شرائع الدين، جملة، عند جميع العلماء بدعة، وذلك فيمن اعتقده، ودان به، جرحة؛ لأن ذلك خلاف ما دل عليه القرآن، وتظاهرت به الآثار، واجتمع عليه الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، وانعقد عليه الإجماع:
قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [النساء: 82]، وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
والاعتبار: تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال عز وجل: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81]، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62]، فوبخهم على إنكار النشأة الثانية، مع أن لهم طريقا إلى معرفتها، وهو القياس على النشأة الأولى، التي يقرون بها، وهي في معناها، ومثل هذا في القرآن كثير.
وروت أم سلمة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " إني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي " " ومصداق هذا الخبر في كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] والسنن المتواترة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر من أن تحصى، فهي ترفع العذر، وتوجب القطع بالحكم بالرأي والاجتهاد، وإقرار أصحابه على ذلك في زمنه مع وجوده صلى الله عليه وسلم، ونزول الوحي، فكيف به اليوم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي.
من ذلك الخبر المشهور لمعاذ بن جبل حين أنفذه إلى اليمين واليا ومعلما، فقال له: " بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟ " قال: " فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله ".
ومن ذلك قوله للخثعمية: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم قال: " فدين الله أحق أن يقضى "، فقاس، صلى الله عليه وسلم، وجوب قضاء دين الخالق على وجوب قضاء دين المخلوق.
وقال، صلى الله عليه وسلم، في لحوم الأضاحي: " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي
دفت عليكم "، فأعلم بالعلة، ليعتبروها، وهذا نص منه، صلى الله عليه وسلم، على وجوب الحكم بالقياس.
وسئل، رضي الله عليه، وسلم، عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقالوا: نعم، فقال: " فلان إذن "، ففي سؤاله إياهم: هل ينقص الرطب إذا يبس بيان واضح على أنه إنما أراد بذلك تنبيههم على العلة في بيع الرطب بالتَّمر، وتوقيفهم عليها ليعتبرها حيثما وجدوها، إذ لا جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، يجهل أن الرطب إذا يبس ينقص، وإنما أراد أن يعلمهم أن معنى نهيه عن بيع التمر بالتمر متفاضلا موجود في بيع بالرطب بالتمر مثلا بمثل، وهذا بين.
وقال صلى الله عليه وسلم للذي أتاه، فقال له: أنه قد ولد لي ولد أسود، وإني أنكرته: " هل لك من إبل "؟ قال، نعم.
قال: " فما ألوانها؟ " قال: حمر.
قال: " فهل فيها من الأورق "؟ قال: إن فيها لورقا.
قال: " فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: عرق نزعة.
قال: " فلعل هذا عرق نزعه "، ولم يرخص له، صلى الله عليه وسلم، في الانتفاء منه، ومثل هذا في السنن كثير.
وأما الإجماع فحصوله وتقرره معلوم، والدليل على ذلك: أن
الصحابة رضي الله عنهم، اختلفوا في أشياء كثيرة، كتوريث الجد، والعول في الفرائض، وديات الأسنان، واحتج كل واحد على صاحبه لمذهبه بالقياس، وشاع ذلك بينهم، وذاع من غير نكير، ولو كان منكرزا لتسارعوا إلى إنكاره، على ما وصفهم الله به في كتابه، حيث يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
ولو لم يوجد في ذلك إلا حديث عمر، رضي الله عنه، في أمر الوباء، لصَحَّ به الإجماع، ووجب له الانقياد والاتباع، حيث خرج إلى الشام بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان بِسَرْغٍ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا تفرَّ من قدر الله، ومنهم من قال له، لا تقدم ببقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هذا الوباء ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخه قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر في ذلك آية من كتاب الله، ولا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أشار كل واحد منهم عليه برأيه، وما أداه إليه اجتهاده، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مُصْبِحٌ على ظهر، فأَصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!.
نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله: أرأيت لو كان لك إبل في واد عَدْوَتَانِ، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت
الجدبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله.
فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي والقياس، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب الله، ولا بسنَّة، ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة، وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر القول فيها بالرأي، فما مسألة يدعى الإجماع فيها أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.
ب- إنكار بعض وجوه القياس مِنْ غَيْرِ المجتهد جرحة
وأما إن كان هذا المسؤول عنه لا ينكر القياس جملة، وإنما ينكر بعض وجوهه؛ إذ منه جلي، وخفي، ويخالف فيما ينكر من وجوهه ما عليه جمهور الفقهاء، وعامة العلماء، فلا يكون ذلك جرحة فيه، إن كان من العلماء الراسخين في العلم، الذين قد كملت لهم آلات الاجتهاد، فكان فرضه ما أداه إليه اجتهاده.
وأما إن كان لم يلحق بهذه الدرجة، وكان فرضه التقليد، فترك ما عليه الجمهور، ومال إلى الشذوذ، بغير علم، ولا معرفة، إلا باتباع هواه في اتباع غير المستحسن من هذه الأقوال، فما هُدِيَ لرشده، ولا حصلت له البشرى من الله، عز وجل، على فعله؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17 - 18]. وذلك جرحة فيه، لأن
الله عز وجل، يقول: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.