[137]- آيات العلم، في القرآن، بين المعتزلة وغيرهم.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الفقيه الجليل، الاستاذ النبيل، أبو عبد محمد بن أبي العافية، الاشبيلي، رحمه الله، وغفر له:
قرأت - أدام الله اعتلاك، ووصل بالمزيد بشراك - المدرجة، الداخلة طي كتابك الكريم، ووقفت على مقتضاها، وفهمت غرضها ومغزاها.
واشارة الفارسي، عفا الله عنه، في المسألة المطلوب جوابها، مشكلة معماة، وقد كنت نظرتها وتدبرتها، حين مطالعتي كتابه [162ع] المذكور، فعسر أمرها على وصعب فك غرضه فيها، ثم ان الله تعالى يسر منه ما شاء بتيسيره.
وأنا أذكره لك مبينا بقدر الامكان والله المستعان.
معنى علم الله عند المعتزلة وأبي على الفارسي.
أعلم - أبقاك الله وأيدك بتقواه - أن أبا على الفارسي، رحمه الله، رأس في الاعتزال، مؤيد له على كل حال، وهم، بزعمهم، وسوء مذهبهم، ينفون العلم عن ربهم تعالى عن ذلك، ولا يصفونه به، فاذا
قالوا: علم الله أمر كذا، أو يعلم كذا، فمعناه عندهم: أنه لا يجهل، ويرون أن الفعل دخله المجاز، والمراد به هذا، كما دخل المجاز في قولهم: مات فلان مع أنه لم يحدث موتا: لكنه دليل على أنه ليس بحي.
فاذا وجدوا لفظة العلم مضافة إلى الله ومسندة اليه، من جهة اللفظ، والمعنى، تحيلوا في صرفها إلى معنى الفعل، ليصح فيه ما ادعوه من المجاز، أو صرفها عن ظواهرها بوجه غيره.
حسبما أذكره تأويل الآية: وعنده علم الساعة
فلما وجد الفارسي في التنزيل لفظ العلم مسندا من جهة المعنى إلى الله تعالى:
﴿وعنده علم الساعة﴾
[سورة الزخرف الآية: 58]
جعل اضافة المصدر إلى الساعة من باب اضافته إلى المفعول به، وتسبب إلى ذلك بالكلام على الظرف، الذي هو الساعة ليخرج العلم الذي يصح لخصمه التعلق به في اثبات العلم الله، وقدره معملا في موضع الساعة، ولا يكون معملا حتى يقدر بمعنى الفعل، الذي يدخله المجاز، على معتقده، فقال: انما معنى يعلم الساعة: يعرفها، وهي حق، وليس الأمر على ما الكافر عليه، انكارها وردها، أفلا تراه قد صرف قوله، وعنده علم الساعة الي يعلم الساعة، دون مقدمة تثبت صرف العلم، الي معنى يعلم فأوهم بذلك: أنه أمر قد استقر، وعلم ووقع الاتفاق، عليه، ولم يقدر المصدر بأن المسوغة إخراج المصدر إلى معنى الفعل معميا للأمر وملبسا فيه.
ثم أكد مذهبه هذا بأن حمل: وقيله يارب على موضع الساعة، ليصح له في ذلك كله اخراج العلم عن ظاهره إلى تأويله فعل، يصح له فيه المجاز، الذي ادعاه، وينفي بزعمه، العلم عن الله تعالى ذكره.
الاضافة في الآية.
ولا مانع يمنع من أن تكون اضافة: علم الساعة اضافة صحيحة مجردة عن معنى فعل في التقدير، اضافة اختصاص، جارية مجرى اضافة الملك، من غير تقدير فعل عامل في موضع المضاف اليه، كما يقال، هذا بناء فلان وعمله، من غير أن يريد: هذا أن بناه فلان، وان عمله.
واذا كان هذا سائغا حسنا، لم يحتج إلى اخراج العلم عن ظاهره بغير ضرورة تدعو إلى ذلك.
تأويل الآيتين: " إنما علمها عند ربي "، "انما علمها عند الله "
فلما تخيل أبو علي مني هذه الآية ما ذكرته عنه وحلل العلم فيها إلى لفظ الفعل وفكه، خشي أن يعترض عليه بالآيتين، اللتين تلاهما، فيقال له: وهبك تحيلت في اضافة العلم إلى الساعة وأخرجت العلم إلى معنى، الفعل، وأعملته في موضع الساعة، فما تصنع في الظرف المكاني، الذي هو عند في قوله تعالى: انما علمها عند ربي، وانما علمها عند الله والعلم مبتدأ والظرف في موضع
خبره واذا كان كذلك، صح معنى اسناده معنى العلم إلى الله عز وجل؟
مخالفة القاعدة: الظرف يتعلق بمحذوف.
فركب هواه، وطرد أصله فيما ادعاه، وزعم أن الظرف لا يتعلق بمحذوف، وجعله من صلة المصدر، ومعمولا له، وأضمر خبره عن المبتدأ، الذي هو العلم، كأنه أن يعلم ان الساعة حق، أو صحيح ونحو ذلك، والمعنى عنده: أن الله عز وجل لا يجهل وقت الساعة وحدوثها؛ وترك قوانين مقايسه، التي يهتف بها، ويعلم بأحكامها من أن ظرفي الزمان والمكان، إذا صلح أن يكون كل واحد منهما خبرا عن مبتدأ، فانه في الاصل، متعلق بمحذوف، وذلك أن المحذوف هو العامل في الظرف، الا أنه حذف واطرح ولم ينو، ولا أريد، وصار شريعة منسوخة.
تأييد الاعتزال.
ففعل ذلك كله وتعسف، وركب مجهول التأويل، وعدل عن معلومة ومشهورة، جريا إلى تأييد مذهب الاعتزال.
على ما خيل من جائز أو محال وكذلك كل من ضاق عليه المجال، في شيء من مذهبه، خزل الفاظه، وعمى أغراضه، حتى كأنه انما يتكلم عن أصل قد ثبتت قواعده، وصحت معاقده.
الظرف إذا كان صلة الموصول
ولم يحتج أبو على إلى مثل هذا الاعتذار في الآية الأولى، وهي قوله عز وجل " وعنده علم الساعة "، لأنه لا يصح أن يكون الظرف متقدما معمولا للمصدر المتأخر عنه، لما في ذلك من تقديم الصلة [163ع] على الموصول، واكتفى في ذلك بفهم المخاطب ووكله اليه، لأن عنده في الآية محمولة على صلة الذي، المذكورة قبل، في قوله تعالى: وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، عنده علم الساعة؛ لأن الظرف إذا كان صلة لموصول، قوى معنى الفعل، فيه وثبتت قدمه في التقدم، فرفع الظاهر، وقد قدم: أن العلم عامل في موضع الساعة، واذا عمل فيه، فقد تحلل إلى معنى الفعل، واذا تحلل إلى معناه، تم له مراده الذي ادعاه وسلم بزعمه، من الاعتراض في عند وفي العلم.
تأويل آية " أنزله بعلمه "
وقد ركب، أيضا نحوا من هذا في آية آخرى، وهي قوله عز وجل: " أنزله بعلمه "فقال: ان العلم يراد به المعلوم، وأن الجار والمجرور في موضع الحال، كقولهم: خرج بثيابه، وركب بجنوده دعاه إلى هذا التأويل ما يذهب اليه، هو وأصحابه، من نفي العلم عن الله تعالى، فأخرج العلم إلى معنى المعلوم، اذ لا يصح له فكه إلى الفعل، لأنه ليس المعنى: أنزله بأن يعلم فلما استحال ذلك، صرفه إلى معنى المفعول، كما ذكرته عنه.
تعلق الظرف بمحذوف عندما يكون حالا أو خبرا
فأما قوله: " ان الظرف لا يتعلق بمحذوف الا أن تجعله حالا " فهو في هذا أيضا، على أصله، ومذهبه، لأنه إذا جعل الظرف حالا: انما علمها كائنة عند ربي وعند الله حق، فكائنة معمولة العلم وانفك به العلم، بهذا، إلى معنى الفعل، لعمله في الحال، في الاصل ودخله المجاز الذي يزعمه، فانظره وتأمل وجه الفرق عنده بين تعلقه بمحذوف، إذا قدره حالا، وبينه، ولو علقه بمحذوف، وهو خبر المبتدأ، يلح لك وجه مقصده، في منعه تعلقه بمحذوف، إذا كان خبرا، واجازته تعلقه به، إذا كان حالا، فقد بينه وكشفته.
وبالله التوفيق.
لاثبات العلم لله يجب أن يتعلق الظرف بمحذوف
قال أبو عبد الله، رحمه الله: الصحيح - أعزك الله - عندنا في المعنى والاعراب: اجازة ما منعه من تعلق الظرف بمحذوف، وكونه في موضع خبر المبتدأ، الذي هو العلم واثبات العلم لله عز وجل، كما أثبته هو تعالى لنفسه، من غير احالة لفظ عن ظاهره واخراجه عن موضوعه، وركوب ما ركبه من تعسف، لتأييد مذهبه هذا، مع وفور علمه باللسان، وادراكه منه ما لم يصل كثير من منتحليه، عصمنا الله من الضلال، ووفقنا لما يريضيه من صحيح المعتقد، وصالح الأعمال بمنه وطوله
ابن رشد ينتصر لأبي على الفارسي
فلما وصل هذا الجواب الذي جاوب به أبو عبد الله ابن أبي العافية إلى الفقيه الإمام الحافظ، أبي الوليد ابن رشد.
وقف عليه، فرأى أن الذي ذهب اليه أبو الفارسي هو الصحيح، وما تأوله عليه ابن أبي العافية بعيد، فأملى وفقه الله هذا الجواب الواضح، ونصه من أوله إلى آخر حرف فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وقفت - وفقنا الله واياك - على جواب جواب الفقيه الأستاذ أبي عبد الله ابن أبي العافية رحمه الله، وما حمل عليه قول أبي على الفارسي، رحمه الله، في الآيتين المذكورتين فيه.
والذي أقول في ذلك، والله الموفق للصواب برحمته: أن قول أبي على، رحمه الله، صحيح، وأن الذي تأول عليه الفقيه الأستاذ، أبو عبد الله بعيد.
حمل العلم في الآية، على معنى الفعل، لا يعني الدفاع عن الاعتزال
ووجه قول أبي علي رحمه الله في قول الله تعالى: وعنده علم الساعة: إن الساعة مفعول بها على الحقيقة هو: أن الساعة، لما
كانت لا تتصف بالعلم حقيقة، ولا يصح أن تختص باضافة العلم اليها اختصاص الموصوف بالصفة، كانت الإضافة في ذلك غير محضة، وكان تقدير الكلام وعنده العلم بالساعة، على تجوز في الكلام، لأن عند ظرف مكان، وعلم الله تعالى قائم بذاته، ليس بحال عنده في مكان، فالمعني في ذلك والله أعلم بالساعة؛ فاذا كان تقدير الكلام: وعنده العلم بالساعة، فالساعة محفوظة، بالباء الزائدة، وهي، في المعنى، مفعول بها، بوقوع العلم عليها؛ لأن معنى قول القائل: عندى العلم بكذا، قد علمت كذا، ولم يرد أبو علي، رحمه الله، بقوله هذا، ما تأول عليه الأستاذ أبو عبد الله، من أنه أعمل العلم في موضع الساعة مقدرا لمعنى الفعل، ليصح له به حمله على المجاز، الذي ذكر أنه يدين به أهل الاعتزال.
والدليل على أنه لم يرد ذلك وجهان:
أحدهما: أن أهل الاعتزال لا يقولون، بالمجاز في ذلك لأنهم وان كانوا ينفون / أن يكون الله تعالى موصوفا بالعلم، وأن يكون له علم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فهم، مع هذا يقولون، ان الله عالم على الحقيقة، وأنه يعلم المعلومات كلها حقيقة لا مجازا.
وقد أغرق ابن جني، منهم، في كتابه الخصائص، له، في
المجاز فقال: قام زيد مجاز، وكذلك: علم الله قيام زيد مجاز، لأنه ليست الحال، التي علم قيام زيد، هي الحال التي علم عليها قعود عمرو، فلا يظن ظان أن ذلك خلاف لما ذكرناه من مذهبهم، بل هو مطابق له؛ إذا لم يقل، في علم الله قيام زيد انه مجاز، لاستحالة أن يكون الله عندهم، قد علم قيام زيد، وانما قال: انه مجاز لاستحالة أن يكون الله، عندهم، قد علم قيام زيد وانما قال: انه مجاز، لاقتضاء اللفظ عندهم أن الله قد علم قيام زيد دون قعود عمرو، وسائر المعلومات، على بينة في اعتلاله، كما لم يقل، ايضا: إن قيام زيد مجاز، لاستحالة وقوع القيام من زيد، وانما قاله، لاقتضاء اللفظ عنده وقوع جميع جنس القيام منه، وهو محال، وهذا بين.
والثاني: أنه قد نص على أن ذلك حقيقة لا مجاز، بقوله، لأن القديم، سبحانه، يعلم في كل وقت، فانما معنى يعلم الساعة يعرفها، وهي حق، فكيف يصح أن يتأول عليه أنه أراد المجاز بما قد نص عليه أنه حقيقة.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وقد رأيت لغيره جوابا عن هذه المسألة، قال فيه: ان الذي اضطر أبا على الفارسي إلى ما قاله في هذه الآية وما كان في معناها، أنه وشيعته من المعتزلة يقولون: ان علم الله تعالى من جنس علم مخلوقاته.
وأنه مجاز، اذ لا يعلم الشىء الا إذا كان.
وهذا كلام جاهل بمذهب القوم، لأنهم لا يوجبون لله علما، أصلا، ولا يصفونه به، بل ينفونه عنه، لاستحالته عندهم عليه.
حجة المعتزلة في نفى العلم عن الله
ومن شبههم، التي يعتمدون عليها، في استحالة العلم على الله، تعالى أنهم يقولون: لو كان له علم لوجب أن يكون من جنس علم مخلوقاته، فكيف بقولهم بنفس المعنى، الذى من أجله استحال عندهم أن يكون لله علم.
ولو أوجبوا لله علما، على هذا الوجه، لكان عندهم حقيقة لا مجازا، لأن من علم الشىء، إذا كان، فعلمه به حقيقة لا مجاز، فما نسب اليهم من أن علم الله عندهم مجاز، اذ لا يعلم الشىء الا إذا كان، محال أيضا.
نقض حجج المعتزلة.
قال أبو الوليد رضي الله عنه: ولما ذكرناه شبهة أهل الاعتزال، في نفي العلم عن الله تعالى بما أردنا أن نبين بذكرها من حقيقة مذهبهم، وجب أن تدل على بطلانها، لئلا يشبه على الضعفاء من غيرهم.
ومن أقرب ما يبطل به عليهم: أن يقال لهم: ان هذا منكم استدلال بمجرد الشاهد والوجود، وذلك مما لا يجوز، ولو وجب ألا يكون لله علم من أجل أنه لا يعرف في الشاهد والوجود علم الا من جنس علومنا، لوجب ألا يكون الله عالما، اذ لا يعرف، أيضا، في الشاهد والوجود عالم الا من جنس علمائنا، وهذا ما لا خروج لهم عنه، ولا انفصال لهم منه.
مناقشة تعابير لأبي عبد الله ابن أبي العافية.
وقول الأستاذ أبي عبد الله أبي العافية، رحمه الله: ولا مانع يمنع من أن يكون اضافة، علم الساعة اضافة صحيحة، مجردة من معنى
فعل في التقدير، اضافة اختصاص، جارية مجرى اضافة الملك، كما تقول: كما تقول: هذا بناء فلان وعمله؛ بعيد عندي لأن البناء يضاف إلى فلان على وجهين:
أحدهما: الملك، فنقول: هذا بناء فلان بمعنى هذا البناء لفلان.
والثاني: الاختصاص بالبناء والعمل، فنقول: هذا بناء فلان، بمعنى هذا البناء بناه فلان.
وهذان الوجهان، وما سواهما من الأوجه مستحيلة في اضافة العلم إلى الساعة، لأن العلم ليس بملك للساعة، ولا بمعدم لها، ولا بصفة من صفاتها.
فاذا بطل بما ذكرناه من أن تكون اضافة العلم إلى الساعة اضافة صحيحة محضة، اضافة اختصاص، او على الوجه الذى نذكره ان شاء الله بأن نقول: ان الصحيح في السألة ما قاله أبو علي رحمه الله.
وكذلك قوله: واذا كان كذلك فالظرف في قوله: قل انما علمها عند ربي، وقل انما علمها عند الله، لا يكون متعلقا بمحذوف، صحيح أيضا، ومعناه مفهوم وغرضه فيه معلوم.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: فقوله فيه: واذا كان كذلك يريد: واذا كان العلم مضافا إلى الساعة، في قوله تعالى ﴿وعنده علم الساعة﴾، اضافة غير محضة، وكانت الساعة مفعولا بها على الحقيقة، فلا يكون الظرف في قوله: قل انما علمها عند ربي وقل انما علمها عند الله متعلقا بمحذوف.
وهو كلام صحيح إذا تدبرته، لأن اضافة العلم في هاتين الايتين، أيضا إلى الضمير العائد على الساعة في قوله تعالى: علمها، ينوى به الانفصال، على ما بيناه من أن الاضافة في هذا المعنى غير محضة، فيكون تقدير الكلام، قل: انما العلم بالساعة عند ربي، وقل: انما العلم بالساعة عند الله.
واذا قدرت الكلام بهذا، كان الظرف الذى هو عند متعلقا بالظاهر من الكلام، لا بمحذوف مقدر، لاستغناء الكلام عنه، واستقلاله بنفسه، وتبين معناه بتعليق الظرف بالظاهر منه دون محذوف مقدر، لأن كون علم الساعة عند الله صحيح، على المعنى الذى قلناه، ألا ترى أن القائل، إذا قال: انما زيد عند عمرو، وكانت عند متعلقة بالاستقرار المنوى في الكلام المحذوف منه.
واذا قال: قل: انما استقرار زيد عند عمرو، كانت عند متعلقة بالاستقرار المذكور في الكلام، لا بقدر محذوف منه.
وقول: الا أن تجعله في موضع حال، يريد فيكون الظرف حينئذ متعلقا بمحذوف.
(1) - يحتم أن يريد بذلك: الا أن تجعل المبتدأ المقصود إلى الاخبار عنه وهو علمها، بمعنى حالها، فيحمله على ذلك، ويتأوله عليه، فيكون المعنى في الآية: ان الله تعالى عالم بحال الساعة، يريد: وقت قيامها، الذي هو المقصود بالسؤال عنه في الآية، حيث يقول: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾؟ أي متى وقت قيامها، وسائر الأحوال التي تجرى فيها، وعلم الله محيط بها، ويكون تقدير الكلام بإظهار المحذوف، الذي يتعلق به الظرف: يسألونك عن الساعة أيان
مرساها قل: انما حالها من العلم بوقت قيامها، وسائر أحوالها، معلومة عند الله، أي: في علم الله، لما قدمته من أن عند ظرف مكان، وعلم الله قائم بذاته، ليس في مكان.
ووجه القول في أن المراد بعلمها في قوله تعالى: ﴿قل: انما علمها عند ربي﴾ حالها، هو ما قدمناه من أن الساعة لا تتصف بالعلم حقيقة، ألا ترى أنك إذا قلت: علم يوم كذا عند فلان، فلم ترد أن لذلك اليوم علما على الحقيقة، يعلمه فلان، لأن ذلك مستحيل، وانما أردت: أن أمر يوم كذا، أي: أحواله، التي جرت فيه، يعلمها فلان.
فيتحصل، بما ذكرناه، في قول الله تعالى: ﴿قل: انما علمها عند ربي﴾، وقل: انما علمها عند الله تأويلان:
أحدهما: أن يحمل العلم في ذلك على حقيقته، وينوى بالاضافة الانفصال، فيكون الظرف، على هذا، متعلقا بالظاهر، لا بمحذوف مقدر.
والثاني: أن يحمل الاضافة فيه على أنها اضافة محضة، خالصة، لا ينوى بها الانفصال، فلابد أن يجعل العلم، على هذا التأويل، بمعنى الحال، ويكون الظرف متعلقا بمحذوف مقدر، تقديره: قل: انما حالها معلوم عند الله، وعند ربي، هذا تأويل جيد، يصح أن يحمل عليه كلام أبي علي، رحمه الله، لاحتماله اياه، ويتبين به معناه، ويخرج على مذاهب أهل السنة.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: فان قال قائل: صرف الضمير من قوله الا تجعله في موضع حال، إلى الظرف، والى أن يكون في موضع حال من الاعراب، أظهر؟
قيل له: إذا احتمل الكلام محتملات، بعضها أظهر من جهة اللفظ وبعضها أصح من جهة المعنى، وجب أن يحمل على ما يصح به معناه منها، وان لم يكن من جهة اللفظ أظهرها.
وهذا ما لا اشكال فيه؛ ألا ترى أنا إذا حملناه على ما ذكر، فقلنا: تقدير الكلام؛ قل: انما علمهما، كائنة عند ربي، وعند الله، حق، على ما قدره عليه من حمله على اظهر محتملاته من جهة اللفظ، فسد معناه.
ولم يمنع أبو علي، رحمه الله، من تعلق الظرف بمحذوف، يكون في موضع خبر المبتدأ، جملة، كما تأول عليه الفقيه الأستاذ، أبو عبد الله، رحمه الله، بل قدر المحذوف خبرا المبتدأ، حيث احتاج اليه، واقتضاه معنى الكلام، ولم يقدره حيث استغنى عن تقديره، وحسن عنده: أن يتعلق الظرف بالظاهر، دون مضمر محذوف، حسبما بينا.
(2) ويحتمل كلامه وجها آخر، هو أشبه بمراده، إذا صح أنه من أهل الاعتزال، وهو أن يكون قوله هذا اشارة منه إلى / القول بالأحوال، وذلك أنهم يقولون: ان الله تعالى عالم، وليس له علم، لكنه على كل حال يفارق بها من ليس بعالم، فهم يصرفون معنى: علم الله، إلى هذه الحال، التي يثبتونها لله؛ فيكون معنى قوله ان الظرف لا يكون نتعلقا بمحذوف إلا أن تجعله في موضع حال، ان الظرف لا يتعلق، على الوجه الذي يصح أن يعلق به في الآية، إلا بهذه الحال؛ اذ ليس لله علم عندهم يتعلق الظرف به، على معنى ما، فلما كانت هذه الحال محذوفة من اللفظ في الآية مقدرة في نفوسهم، معتقدة في قلوبهم، قال: إن الظرف يتعلق بها، وهذا وجه محتمل على مذهب المعتزلة.
وهذه الحال التي يثبتها أهل الاعتزال باطل، على قولهم: انها ليست بمعلومة، ولا مجهولة، ولا موجودة، ولا معدومة، اذ يستحيل أن يكون
ثابتا ما ليس بمعلوم ولا مجهول، ولا معدوم.
وهذا بين.
وبالله تعالى التوفيق.