[136]- أحكام الرعاف في الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقال الفقيه، الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن احمد بن رشد، رضي الله عنه:
الرعاف ليس بحدث، ينقض الطهارة عند مالك، رحمه الله، وجميع أصحابه، قل أو كثر، خلافا لأبي حنيفة، وأصحابه في قولهم: انه ينقض الوضوء، إذا كان كثيرا، ولمجاهد في قوله: انه ينقضه وان كان يسيرا.
الرعاف نوعان.
وهو، أعني الرعاف، ينقسم، في حكم الصلاة، على قسمين: أحدهما: أن يكون دائما، لا ينقطع.
والثاني: أن يكون غير دائم، ينقطع.
[1]- الرعاف الدائم
فأما القسم الأول، وهو أن يكون دائما لا ينقطع، فالحكم فيه: أن يصلي صاحبه الصلاة به في وقتها، على الحالة التي هو عليها، والأصل في ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، صلى حين طعن، وجرحه يثعب دما.
فان لم يقدر على الركوع والسجود، اما لأنه يضر به ويزيد به،
ويزيد في رعافه، واما لأنه يخشى أن يتلطخ بالدم ان ركع أو سجد، أومأ، في صلاته كلها، ايماء، كما قال سعيد ابن المسيب، فكلا التأويلين قد يؤولان عليه.
فان انقطع عنه الرعاف، في بقية من الوقت، وقدر على اتلصلاة راكعا وساجدا، لم تجب عليه اعادة، لأن ايماءه، ان كان لإضرار الركوع والسجود به، فهو كالمريض الذى لا يقدر على السجود، فيصلي ايماء، ثم يصح في بقية من الوقت: أنه لا اعادة عليه.
وان كان مخافة أن تمتلىء ثيابة بالدم، فهو عذر يصح له به الايمان، اجماعا، فوجب ألا تكون عليه / اعادة كالمسافر، الذي لا علم عنده بالماء يتيمم ثم يجد الماء في الوقت، أنه لا اعادة عليه، من أجل أنه من أهل التيمم، أجماعا، بخلاف المريض والخائف فقد قيل: إنهما ليسا من أهل التمم، وبخلاف المصلي في الطين ايماء، اذ قيل: إنه ليس من أهل الايماء، ويلزمه أن يركع ويسجد في الطين، وان فسدت ثيابه، فما ذلك على الله بغزيز، وقد سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الماء والطين، فانصرف من الصلاة وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين.
[2] – الرعاف منقطع: أ – قبل الدخول إلى الصلاة
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون غير دائم، ينقطع، فان أصابه قبل أن يدخل في الصلاة، أخر الصلاة حتى ينقطع عنه، ما لم يفته وقت
الصلاة المفروضة: القامة للظهر والقامتان للعصر، وقيل: بل يؤخرها، ما لم يخف فوات الوقت جملة، بأن يتمكن اصفرار الشمس للظهر والعصر، فيخشى ألا يدرك تمامها قبل غروب الشمس، فان خشي ذلك صلاهما قبل خروج الوقت كيفما أمكنه، ولو إيماء.
ب- بعد الدخول في الصلاة.
وأن أصابه ذلك بعد أن دخل في الصلاة، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون يسيرا، يذهبه الفتل.
والثاني: أن يكون كثيرا، قاطرا، أو سائلا، لا يذهبه الفتل:
الرعاف المتقطع اليسير
فأما ان كان يسيرا يذهبه الفتل، فانه يفتله، ويتمادى على صلاته، فذا، كان أو إماما، أو مأموما، ولا اختلاف في ذلك، على ما روى عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله أنهم كانوا يرعفون في الصلاة حتى تخصبت أصابعهم، أي الأنامل الأول منها من الدم الذي يخرج من أنوفهم فيقتلونه، ويمضون على صلاتهم.
وأما ان تجاوز الدم الأنامل الأول وحصل منه في الأنامل الوسطى قدر الدرهم، على مذهب ابن حبيب، أو أكثر من الدرهم، على رواية على بن زياد عن مالك، فيقطع ويبتدىء، لأنه قد صار بذلك حامل نجاسة، فلا يصح له التمادى على صلاته، ولا البناء عليها بعد أن غسل الدم.
الرعاف المتقطع الكثير.
وأما إن كان كثيرا، قاطرا أو سائلا، يذهبه الفتل، فالذى يوجبه القياس والنظر: أن يقطع، وينصرف، فيغسل الدم، ثم يبتدئ صلاته، لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها، ولا يتخللها شغل كثير، ولا انصراف عن القبلة، الا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين، اجازة البناء في الصلاة بعد غسل الدم، ومعناه: ما لم يتفاحش بعد الموضع الذى يغسله فيه، وقال بذلك مالك رحمه الله وجميع أصحابه، في الإمام، والمأموم.
واختلفوا في الفذ، فذهب ابن حبيب إلى أنه لا يبنى الفذ، قال: لأن البناء انما هو ليحوز فضل الجماعة، وقال محمد بن مسلمة: انه يبنى؛ ومثله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، في بعض روايات العتيبة، وهو قول أصبغ أيضا، وظاهر ما في المدونة، ما قاله ابن لبابة.
من رعف بعد الاحرام، وقبل الركوع.
واختلفوا، أيضا، فيمن رعف قب أن يركع، بعد أن أحرم، هل له البناء على احرامه أم لا، على أربعة أقوال:
أحدهما: أنه يبنى على احرامه، جمله من غير تفصيل، وهو قول سحنون.
والثانى: انه لا يبنى، ويستأنف الإقامة، والاحرام جملة، أيضا، من غير تفصيل، وهو ابن عبد الحكم، ومثله في رسم «سلعة سماها» من سماع ابن القاسم.
والثالث: انها ان كانت جمعة ابتدأ الاحرام، وان كان غير جمعة، بنى على احرامه، وهو قول مالك في روايته ابن وهب عنه، وظاهر ما في المدونة، عندى، واستحب أشهب في الجمعة أن يقطع.
والرابع: أنه ان كان وحده، أو اماما، ابتدأ الاحرام، وان كان مأموما، بنى على احرامه.
ومن رعف اثناء الركعة، قبل تمامها.
واختلفوا أيضا، فيمن رعف في اثناء الركعة، فبل أن تتمم بركوعها وسجودها، على أربعة أقوال:
احدها: انه يصح له ما مضى له منها، ويبنى عليه، كانت الأولى أوالثانية، بعد أن عقد الأولى.
فان رعف، وهو راكع، فرفع رأسه للرعاف، ورفع من الركعة، واذا رجع، رجع إلى القيام فخر منه إلى السجود.
وان وقف وهو ساجد، فرفع رأسه للرعاف، رفع من السجدة؛ فاذا رجع سجد السجدة الثانية، وجلس فتشهد ان كان [134] رعافه في السجدة الثانية، وان كان / رعف وهو جالس، في التشهد الأول فقيامه للرعاف قيام من الجلسة، فاذا رجع ابتدأ قراءة الركعة
الثالثة، الا ان يكون ذلك في مبتدأ الجلوس فليرجع إلى الجلوس، حتى يتم تشهده وهو قول ابن حبيب، حكاه عن ابن الماجشون.
والثانى: أنه يلغى ما مضى من تلك الركعة، ولا يبنى على شىء منها ويبتدئها بالقراءة من أولها إذا رجع، كانت الركعة الأولى أو الثانية، بعد أن عقد الأولى، وهو ظاهر ما في المدونة عندى، وقد روى ذلك عن ابن القاسم.
والثالث: أنه ان كان في الركعة الأولى لم يبن، واستأنف الاحرام، وان كان في الثانية قبل عقد الأولى ألغى ما مضى منها، واستأنف الركعة من أولها بالقراءة، إذا رجع، وقد تأول ما في المدونة على هذا، وهو قول ابن القاسم، وروايته، أيضا، عن مالك في رسم «سلعة سماها»، فمرة ساوى ابن القاسم بين الركعة الأولى والثانية، ومرة فرق بينهما، على ما قد ذكرته عنه.
والرابع: أنه ان كان في الركعة الأولى لم يبن، واستأنف الاحرام، وان كان في الثانية، بعد أن عقد الأولى، صح له ما مضى منها، ووبنى عليه، إذا رجع، روى هذا القول عن ابن الماجشون.
قيتحصل.
إذا رعف، في أثناء الركعة الأولى، خمسة أقوال، واذا رعف في أثناء الركعة الثانية، بعد أن عقد الأولى، قولان.
الشروط المتفق عليها اصحة البناء.
فصل.
ولصحة البناء في الرعاف أربع شروط متفق عليها:
احدها: الا يجد الماء، فيتجاوزه إلى غيره، لأنه ان وجد الماء في موضع، فتجاوزه إلى غيره، بطلت صلاته باتفاق.
والثانى: ألا يطأ على نجاسة رطبة، لأنه ان وطئ على نجاسة - رطبة، انتقضت صلاته باتفاق.
والثالث: ألا يسقط من الدم على ثوبه، أو جسده، ما يغتفر لكثرته وقد تقدم الاختلاف في حده، لنه ان سقط من الدم على ثوبه أو جسده كثير، بطلت صلاته باتفاق.
والرابع: ألا يتكلم جاهلا، أو متعمدا، لأنه تكلم جاهلا او متعمدا، بطلت صلاته باتفاق.
الشرطان المختلف فيهما لصحة البناء.
وشرطان مختلف فيهما:
أحدهما: ألا يتكلم ناسيا، لأنه قد اختلف، تكلم ناسيا، فقال ابن حبيب: لا يبنى، لأن الاسنة انما جاءت في بناء الراعف، ما لم يتكلم، ولم يخص في ذلك ناسيا من متعمد.
وحكى ابن سحنون عن أبيه: انه يبنى على صلاته، ويسجد لسهوه، الا أن يكون الإمام لم لم يفرغ بعد من صلاته، فانه يحمله عنه.
والثانى: الا يطأ على قشب يابس، لأنه اختلف أن وطئ على قشب يابس، فقال ابن سحنون: تنتقض صلاته، وقال ابن عبدوس: لا تنقض صلاته.
وأما مشية في الطريق لغسل الدم، وفيها أرواث الدواب، وأبوالها، فلا تنقض بذلك صلاته، لأنه يضطر إلى المشى في الطريق؛ لغسل الدم، كما يضطر إلى الصلاة فيها، وليس بمضطر إلى المشى على القشب اليابس.
قاله ابن حارث.
حكم البناء ابن القاسم، ومالك، وابن حبيب.
فصل، وليس البناء في الرعاف بواجب، وانما من قبيل الجائز، وقد اختلف في المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع القاسم القطع، بسلام أو كلام على القياس، قال: فان ابتدأ ولم يتكلم، أعاد الصلاة، واختار مالك رحمه الله البناء على الاتباع للسلف، وان خالف ذلك القياس والنظر.
وهذا على أصله: أن العمل أقوى من القياس، لأن العمل المتصل لا يكون أصله الا عن توقيف.
وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء، وهو قوله.
ان الإمام إذا رعف، فاستحلف بالكلام، جاهلا أم متعمدا، بطلت ثلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته بالكلام بعد الرعاف، يبطل صلاتهم، كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا، بغير رعاف.
والصواب ما في المدونة بأن صلاتهم لا تبطل، لأنه إذا رعف فالقطع له جائز، في قول، ومستحب في قول، فكيف صلاة القوم بفعله ما يجوز، أو ما يستحب له.
الراعف يبقى في حرمة الصلاة.
فصل: ولا يخرج الراعف عن الصلاة، وحرمتها، على مذهب من يجيز له البناء الا أن يقطع بسلام أو كلام، أو فعل ما لا يصح فعله في الصلاة وهذا وجه قول ابن حبيب: أنه من رعف، وهو جالس، [135] في وسط صلاته، أو راكع أو ساجد، فان قيامه / من الجلوس، أو رفعه من الركوع، أو السجود لرعافه، يعتد به من صلاته.
الراعف مأموم.
فصل.
واختلف ان كان مأموما، فانصرف لغسل الدم، وهو يريد البناء، هل يخرج من حكم ام لا على أربعة أقوال:
احدها: أنه يخرج من حكمه حتى يرجع اليه جملة، من غير تفصيل.
والثاني: أنه ان رعف قبل أن يعقد معه ركعة، خرج عن حكمه.
حتى يرجع اليه وان رعف بعد أن عقد معه ركعة لم يخرج عن حكمه.
والرابع: أنه إن أدرك ركعة من صلاة الإمام، بعد رجوعه كان في حكمه، حال خروجه عنه، وان لم يدرك من صلاته ركعة بعد رجوعه، لم يكن في حكمه حال خروجه، فتكون على هذا القول أحكامه، حال خروجه، في ارتباط صلاته بصلاة الإمام، معتبرة بما يكشفه الغيب من إدراك الركعة فأكثر من صلاته.
فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع، يقول: ان أفسد الإمام صلاته متعمدا، قبل أن يخرج لم يفسد عليه هو، وان تكلم سهوا، سجد بعد السلام، ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب، الذي يرى أن ذلك يبطل عليه البناء.
وان ظن أن الإمام قد أتم صلاته، فأتم صلاته في موضعه، ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام في صلاته أجرأته صلاته، وان سها الإمام لم يلزمه من سهوه شيء.
ومن رأى أنه لا يخرج عن حكمه، يقول: ان أفسد الإمام صلاته، متعمدا، فسدت عليه هو صلاته، وان أتم صلاته في موضعه، ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة، لم تجزه صلاته، وان سها الإمام لزمه سهوه، وان تكلم ساهيا، حمل عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور.
وان قرأ الإمام بعده سجدة، فسجدها، فرجع هو بعد سلام الإمام، كان عليه أن يقرأها، ويسجدها.
قاله ابن المواز على القياس هذا القول.
الراعف امام.
فصل.
وحكم الإمام في الرعاف حكم المأموم في جميع الأشياء، لأنه يستحلف، عند خروجه، ثم يتم بالقوم صلاتهم، فيصير، المستحلف له إماما، بصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدم، ويقضي ما فاته، ويكون في حكمه حتى يرجع اليه، على الاختلاف المذكور فوق هذا.
فان ظن الإمام أنه قد رعف، فانصرف، ثم تبين له أنه لم يرعف، بطلت صلاته.
واختلف في صلاة القوم، فقال ابن عبدوس: لا تبطل.
وحكى ذلك عن سحنون، في المجموعة، وقال ابن سحنون: تبطل.
الراعف يعلم أنه لا يدرك الإمام.
فصل.
فاذا رعف الرجل خلف الإمام، فخرج وغسل الدم عنه فان علم أنه يدرك الإمام في صلاته، رجع اليه، فأتم معه، وان علم انه لا يدركه أتم صلاته في موضعه.
فان كان قد فاته بعض صلاته، وصلى معه بعضها، ثم رعف في بقيتها، بدا بالبناء، قبل القضاء عند ابن المواز، وابن حبيب.
وهو مذهب ابن القاسم، وقال سحنون يبدأ بالقضاء قبل البناء.
مثال ذلك: أن يفوت الرجل ركعة من صلاة الإمام، فيدخل في الثانية، فيصليها معه، ثم يرعف في الثالثة، فلا ينصرف حتى يتم الإمام صلاته.
فانه، على القول بتقديم البناء على القضاء، ويأتي بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد لله وحدها، كما قرأ فيها الإمام، لأنها ثالثة صلاته ويجلس فيها، لأنها ثانية بنائه، اذ ليس بيده الا الركعة الثانية، التي صلى مع الإمام، ثم يأتي بالركعة الرابعة، فيقرأ فيها بالحمد وحدها، ويقوم، عند ابن حبيب، لأنها ثالثة بنائه، ويجلس عند ابن المواز، لأنها رابعة صلاته، وآخر صلاة الإمام، فلا يقوم إلى القضاء الا من جلوسه، ثم ياتى بالركعة الأولى، التي فاتته بالحمد والسورة، كما فاتته، فتصير
صلاته جلوسا كلها على مذهبه.
وعلى القول بتقديم القضاء على البناء يأتي، أولا، بالركعة الأولى، فيقرأ فيها بالحمد، وسورة، كما قرأ الإمام، ويجلس فيها؛ لأنها ثانية للركعة التي صلى مع الإمام، ثم يأتي بالركعة الثالثة، فيقرأ فيها بالحمد وحدها، ويقوم ولا يجلس فيها: لأنها ثالثة لما قد صلى، ثم يأتي [136] بالركعة الرابعة والحمد لله وحدها، أيضا، ويجلس، ويتشهد، ويسلم.
ولو فاتته مع الإمام الأولى، وصلى معه الثانية، ورعف في الثالثة، وأدرك معه الرابعة، لكان عليه قضاء الأولى والثالثة يبدأ بقضاء الاولى، فيأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ويقوم ولا يجلس، لأنها ثالثة له، ثم يأتي بالثالثة، فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويجلس، ويتشهد، ويسلم قاله ابن حبيب.
ولم يقل: انه يبدأ ببناء الثالثة، التي رعف فيها، على الثانية التي صلى مع الإمام على أصله في تبدئته البناء على القضاء؛ اذ قد حالت بينه وبين بنائه عليها الركعة الرابعة التي أدرك مع الإمام.
وأما على مذهب من يرى أن القضاء يبدأ على البناء، فلا اشكال في صحة هذا الجواب في هذه المسألة، لأن البناء لما بعد فيها
ووجب قضاء الركعتين، وجب أن يبدأ بقضاء الأولى قبل الثالثة.
وقد وقع لسحنون في المجموعة أنه يقضي الثالثة بالحمد وحدها، قبل الأولى، وذلك مخالف لأصله، بعيد من قوله.
الراعف في صلاة الجمعة.
فصل.
وحكم الراعف خلف الإمام في الجمعة وغيرها سواء الا في موضعين: أحدهما: أنه إذا رعف في الجمعة بعد أن صلى مع الإمام ركعة فلم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته، أنه لا يصلي الركعة الثانية الا في المسجد الذي ابتدأ الصلاة فيه، لأن الجمعة لا تكون الا في المسجد؛ فان حال بينه وبين الرجوع إلى المسجد واد، أو أمر غالب، أضاف اليها ركعة، وصلى ظهرا أربعا، قاله المغيرة.
والثاني أنه إذا رعف، قبل أن يتم مع الإمام ركعة بسجدتيها، ثم لم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته، لا يبني على صلاة الإمام تمام ركعتين، ويصلى أربع ركعات، في موضعه، على قول من رأى أنه يبني على اإحرام في الجمعة، وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك.
وبالله ولي التوفيق برحمته.
الراعف في صلاة الجنائز، أو العيد.
فصل فاذا رعف الإمام في صلاة الجنائز، أو صلاة العيد، استحلف من يتم بالقوم بقية الصلاة كصلاة الفريضة سواء.
وأما إذا رعف المأموم فيها فإنه ينصرف، ويغسل الدم، ثم يرجع، فيتم مع الإمام ما بقي من تكبير الجنازة، وصلاة العيد، فان علم أنه لا يدرك شيئاً من ذلك مع الإمام أتم في موضعه، حيث يغسل الدم عنه الا أن يعلم أنه يدرك الجنازة قبل أن ترفع، فإنه يرجع حتى يتم ما بقي من تكبير عليها.
قال أشهب: فان كان رعف قبل أن يعقد من صلاة العيد ركعة، أو قبل أن يكبر من تكبير الجنازة شيئاً، وخشى، ان انصرف لغسل الدم، أن تفوته الصلاة، لم ينصرف، وصلى على الجنازة، وتمادى على صلاته، في العيد.
وكذلك لو رأى في ثوبه، ونجاسة، وخاف، ان انصرف لغسلها، أن تفوته صلاة الجنازة أو صلاة العيد، يتمادى على صلاته، ولا ينصرف، لأن صلاة الجنازة أو العيد مع الرعاف، وبالثوب النجس، أولى من فواتهما، وتركهما، بخلاف صلاتهما بالتيمم، لمن لم يجد الماء؛ اذ ليس الصحيح الحاضر، من أهل التيمم.
هذا كله، أعنى ما ذكرته في هذا الفصل، هو معنى ما في كتاب ابن المواز الذي ينبغي أن يحمل عليه، وان كان ظاهر بعضه مخالفا لبعضه.
وبالله تعالى التوفيق.
[23م]