[170]- مصالحة أحد الورثة عن القسامة في التدمية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب اليه وفقه الله أحد الفقهاء المشاورين بغرناطة -
حرسها الله وحفظهم - بمسألة تدمية نزلت عندعم، فأفتى فيها بعضهم بشئ لم يجد هذا السائل نصا، يسأله عن التدمية، وعن قتل من أفتى به منهم، وعما ظهر له هو فيها.
ونص ذلك كله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقعت عندنا - أكرمك الله، ووفقك - نازلة أفتى فيها بعض الفقهاء بشئ لم أجده نصا ولا اتجه لي فيه معنى:
وذلك أن رجلا أدمى على آخر عمدا، ومات، رحمه الله، وثبتت التدمية بما يجب، وسجن المدمى عليه، كما يلزم وكان للمقتول أب واخوة أصاغر، فوجبت على الأب القسامة وارجاء القسامة الغير، كما يجب.
فلما أراد الأب أن يقسم، صالحه المدمى عليه على ترك القسامة بمال أخذه منه وتم الصلح، وقبض المال، وانطلق المسجون.
فقامت والدة المقتول تطلب سدسها من ذلك، على وجه الميراث.
فأوجب لها ذلك أولئك الفقهاء، ورأيت أنا في الجز الثالث من أحكام الدماء، من نوادر ابن أبي زيد، رحمه الله: قال ابن القاسم في أخوين أحدهما غائب، قتل لهما أخ، فوجبت القسامة، فصالح الحاضر القاتل على ترك القسامة بشيء أخذه منه، فلما قدم الغائب طلب نصيبه من ذلك فقال ابن القاسم: لا شيء له، قال ابن المواز: لأن الدم لم يجب، ولم يذكر ابن أبي زيد فيها خلافا.
ومن كتاب الديات من المدونة دليل على مثل هذه الرواية، قال:
وذلك موروث إذا استحفوا الدم؛ فدل على أنه إذا لم يستحق الدم لا يورث.
فبين لي - وفقك الله - ان كانت هذه الرواية مع الدليل مثل تلك النازلة أم لا، فان لم تكن فما الفرق؟ وان كانت فكيف تصح الفتوى بخلافها، الا أن يكون ثم قول آخر، أو دليل مثله فعسى؟ وهل يصح أن يرجع من نص إلى دليل يخالفه أم لا؟
اشرح لي، وذلك بخط يدك ليكون أبلغ في الاعتماد عليه والاحتجاج به موفقا ان شاء الله.
فوقف رضي الله عنه على سؤاله وأجابه عليه بما هذا نصه: وقفت - أعزك الله بطاعته، وتولاك برعايته - على المسألة، التي ذكرتها في كتابك.
للوالدة حظها مما صولح به عن القسامة
والذي أقول به فيها: أن لوالدة المقتول ميراثها مما صالح به الأب عن الدم قبل القسامة، كما كان يجب ذلك لها، لو كان الصلح بعد ثبوت الدم بالقسامة؛ لأن ما صولح به عن الدم انما هو كمال للميت المقتول.
ولا فرق بين أن يكون الصلح قبل وجوب الدم بالقسامة أو بعد وجوبه بها، أو بالبينة على معاينة القتل، أو باقرار القاتل به، فيما يجب للأم من الدخول فيه، لأن المصالح مقر أنه انما صالح عن حق يدعيه، فوجب للمرأة الدخول فيه باقراره لها بحقها فيه.
كما لو ادعى أحد الورثة دينا للميت على رجل على حظه منه بشيء أخذه منه لسائر الورثة الدخول عليه فيه، كانت مصالحته اياه على الانكار، قبل ثبوت الدين، أو بعد ثبوته، أو على [190]
الاقرار الحكم في ذلك سواء: لأن المصالح مقر أنه انما صالح عن حق يدعيه، وذلك بين منصوص عليه، في كتاب الصلح من المدونة وغيرها.
فرق بين المسألة ومسألة النوادر.
والمسألة التي ذكرتها من النوادر مسألة أخرى؛ لأنه انما تكلم فيها على دخول أحد الوليين على صاحبه، فيما صالح به عن نصيبه من الدم لا على دخول الورثة من النساء عليه في فهي مسألة أخرى والاختلاف فيها منصوص عليه، على علمك، في كتاب الصلح من المدونة وغيره.
فما في كتاب ابن المواز لابن القاسم هو مثل أحد القولين في المدونة.
ويقوم من تعليل ابن المواز قول ثالث في المسألة، وهو التفرقة بين أن يكون الصلح قبل وجوب الدم أو بعده، وهي تفرقة استحسان؛ اذ لا تخرج عن أحد القولين.
ولا يدخل شيء من هذا الاختلاف في وجوب دخول الأم على أحد الوليين فيما صالح به عن حظه من الدم ألا ترى أنه لو صالح أحد الوليين على حظه من الدم، بعد وجوبه لكان للأم ميراثها من ذلك على كلا القولين، في وجوب دخول الولي الآخر، الذي لم يصالح عليه، فيما صالح به عن حظه.
وبالله تعالى التوفيق، لا اله الا هو.
اعتراض السائل على الجواب
فلما وصل هذا الجواب اليه، ووقفت عليه، اعترض فيه باعتراضات وتأويل فصوله على ما ظهر اليه من التأويلات، وأملي في ذلك املاء طويلا نذكره، في كتاب وقفت به إلى الفقيه قاضي الجماعة أبى الوليد محمد بن رشد رضي الله عنه، المنعم عليه في مسألته بالجواب.
ونصه من اوله إلى آخره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فلما وصل هذا الكتاب الي الفقيه قاضي الجماعة أبو الوليد ابن رشد، رضي الله عنه، ووقف عليه، زاد المسألة بيانا وكتب اليه بما أملاه فيها كتابا، نصه من أوله إلى آخر حرف فيه:
الرد على الاعتراض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما.
يا سيدي، وأعظم عددي، وأقول عمدي، ومذخوري لأبدي الثابت في خلدي، والصفي له ودي ومعتقدي ومن أبقاه الله عليا قدره، ساميا ذكره، مبلغا أمله موصولا جذله، محفوظا له ما وهبه.
وصل إلى - وصل الله نعمتك، وضاعف بمزيد حرمتك - من قبلك منذ مدة، كتاب مطول ضمنته جميع ما اعترضك فيما كان نفذ به جوابي اليك في مسألة ميراث ما صولح به من دم العمد قبل القسامة النازلة عندك بما شبه عليك فيها والتبس عندك من معانيها لاتباعك فيها ظواهر المسائل، التي ذكرتها على انها بينة واضحة.
وقد وقع في جوابي عليها من البيان ما يرفع عنها كل اشكال ولو تدبرته حق التدبر لما خفيت عليك صحته ولا وسعك الاعتراض عليه بشيء مما ذكرته من الكلام، الذي لا يصح عند التحصيل، ولا فيه وجه دليل.
وانا أبقاك الله أزيد المسألة بيانا وأدل على صحة جوابي، ثم أعود إلى ما اعترضت به عليه، فأبين وجه الانفصال عنه ان شاء الله تعالى.
يدخل النساء فيما صالح به أولياء الدم.
فوجه القول في هذه المسألة أن تذكر الأصل بني الكلام فيها على صحته، وهي أن دية العمد، إذا قبلت، لا يختص بها الأولياء الذين لهم قيام بالدم ويملكون العفو عنه بل يكون موروثا بين جميع الورثة كسائر مال المقتول.
فاذا صح هذا الأصل وجب أن يدخل جميع الورثة من النساء فيما صالح به الأولياء عن الدم كان صلحهم بعد وجوب القصاص لهم بالبينة على معاينة القتل، أو باقرار القاتل بالقتل، أو بالقسامة مع اللوث، أو ما يقوم مقامه عن التدمية، على مذهب مالك رحمه الله، ومن قال بها من أهل العلم أو قبل الوجوب لهم بالقصاص، كان معهم سبب يوجب القسامة لهم، أو لم يكن لهم سبب سوى مجرد الدعوى، مع التهمة التي توجب القسامة على القاتل، لأنهم مقرون انهم انما صالحوا من حق يدعيه فسواء أكان ذلك الحق ثابتا أو غير ثابت، فيما يجب للنساء من الدخول عليهم فيما صالحوا فيه.
هذا الذي يصح ويلزم على قياس مذهب مالك، وجميع أصحابه.
ولا أعرف لهم في ذلك نص خلاف لأحد منهم في شيء من [191] مسأئلهم.
وانما اختلفوا إذا صالح احد الموليين على حقه من الدم، هل للولي الآخر الذي لم يصالح، الدخول عليه فيما صالح به، ام لا على قولين، منصوص عليهما في المدونة وغيرها.
ولم يختلفوا في ان للنساء الدخول عليه فيما صالح به، وسواء في هذا كان الصلح قبل القسامة او بعدها، لا يختلف ان لسائر الورثة من النساء الدخول فيما صالح به.
ويختلف هل للولي، الذي لم يصالح، الدخول عليه فيما صالح به أم لا، على قولين: أحدهما ان له الدخول عليه فيما صالح به ويرجعان جميعا على القاتل بحظه من الدية، فيكون بينهما بالسواء، ان كان صالحه بمثل حظه من الدية فأكثر، وان كان صالحه بأقل من حظه منها لم يكن له من ذلك الا ما رجع به عليه.
وهذا ان كان الصلح بعد وجوب الدم بالبينة أو بالقسامة، واما ان كان الصلح قبل القسامة فقيل: انه يرجع عليه فيما صالح به وقيل: انه لا يرجع عليه فيه ويقسم، فيأخذ حظه من الدية، ولا اختلاف في أن حظ سائر الورثة من النساء في ذلك كله واجب حسبما بيناه للمعنى الذي ذكرناه من أن المصالح مقر أن ما أخذه ثمن للدم الذي يجب للنساء الدخول فيه، على ما أحكمته السنة من أن الدية موروثة على الفرائض.
مسألة النوادر.
وما حكيت أنه وقع في الجزاء الثالث من أحكام الدماء من نوادر ابن أبي زيد من قول ابن القاسم وتعليل ابن المواز له ليس بخلاف لشيء مما ذكرناه؛ لأن ابن القاسم لم يتكلم عن رجوع النساء على الأخ فيما صالح به وانما تكلم في رجوع أخيه الغائب عليه: أنه لا شيء له وذلك مثل أحد قوليه في المدونة.
وتعليل ابن المواز لذلك بأن الدم لم يجب يحتمل بأن يكون تأول عليه: أنه انما وجب له الرجوع على أخيه من أجل أن الصلح وقع قبل القسامة؛ ولو وقع بعدها، لكان له الرجوع عليه؛ فيكون قولا ثالثا في المسألة على ما ذكرناه في جوابنا المتقدم على المسألة.
ويحتمل أن يكون انما علل قول ابن القاسم بأن الدم لم يجب من أجل أنه أطلق القول بأنه لا شيء له، فحمله على ظاهره من انه لا شيء له على أخيه ولا على القاتل؛ لأن الصلح إذا كان بعد وجوب الدم، يجب له الرجوع على القاتل، ان لم يرجع على أخيه، وان رجع على أخيه رجعا عليه جميعا، وهذا كله بين والله أعلم والحمد لله
مسألة كتاب الديات من المدونة:
وأما المسألة كتاب الديات، التي احتججت بها فيما ذهبت اليه من انه لا شيء للام على الأب فيما صالح به قبل القسامة بأن قلت: قوله فيها: ذلك موروث إذا استحقوا الدم يدل على أنه إذا لم يستحقوا الدم لا يورث، فلا حجة ذلك فيها بل هي حجة لنا ودالة على
قولنا إذا تؤملت على وجهها، واعتبرت بنصها، وذلك انه قال فيها: فان عفا أحد الرجال، على أن يأخذوا الدية، فهي موروثة على فرائض الله تعالى، يدخل في ذلك ورثة المقتول رجالهم ونسائهم، فكذلك القسامة والقتل عمدا، ببينة تقوم سواء، إذا استحقوا الدم؛ لن الظاهر منها أنه تكلم أولا فيها على العفو على الدية قبل وجوب الدم، فقال: انها موروثة على فرائض الله تعالى، يدخل في ذلك ورثة المقتول رجالهم ونسائهم، ولذلك قال: بعد ذلك: وكذلك القسامة والقتل عمدا ببينة تقوم سواء إذا استحقوا الدم، كما تورث إذا وقع العفو عليها بعد استحقاقه بالقسامة، أو بالبينة.
وهذا بين اذ لو تكلم، أولا، فيها على العفو، بعد ثبوت الدم بالقسامة أو بالبينة لما صح ان يقول، فكذلك القسامة والقتل عمدا ببينة تقوم سواء إذا استحقوا الدم، اذ لا يشبه الشيء بنفسه، فلا يصح أن يتأول هذا التأويل على مثله، في فهمه وعمله.
تسمية الدية
وقولك فيما استدللت به علينا: ان الدية لا تسمى دية الا بعد وجوب الدم لا يصح اذ لا يمتنع أن يسمى الشيء قبل وجوبه بما يسمى به بعد وجوبه، بل نقول: ان ذلك جائز في اللسان وموجود [192] في جميع الكلام ولو لم يصح ذلك صح لسائل سؤال ولا أمكن
لمسؤول افهام؛ إذ لابد للسائل، إذا سأل عن الشىء لا يعرف ان كان يجب أو لا يجب، أن يسميه، فيقول، هل يجب كذا، وكذا، أو لا يجب، فانكار هذا مستحيل لا يصح، ولو صح لما كان فيه حجة، ولا دليل؛ لأن الأحكام انما هي للمعانى، لا لمجرد الأسماء.
ولو جعلت مكان لا يسمى، لا يجب، لصح الكلام، وان لم تكن فيه حجة ولا بيان.
اختلاف الروايات عن مالك في دخول النساء
وأما قولك: وقد اختلفت الرواية عن مالك، رحمه الله، في النساء هل لهن مدخل في الدم بعد الوجوب من قود، أو عفو على قولين، ولم يختلف قوله، إذا لم يجب أنه لا مدخل لهن في ذلك بحال، فلا يصح؛ اذ ليس الاختلاف الذي ذكرته في جميع المواضيع، اذ منها ما لا اختلاف في أنه لا مدخل لهن فيه، ومنها ما لا اختلاف في أن لهن فيه مدخلا، ولا حجة فيه، أيضا، في أنه لا دخول للورثة من النساء فيما صالح فيه الأولياء، قبل وجوب الدم: اذ لو كانت العلة في أنه لا دخول لهن فيما صالح عليه الأولياء قبل وجوب الدم أنه لا مدخل لهن في القيام بالدم والعفو عنه، قبل وجوبه؛ لوجب أن يدخل الاختلاف في دخولهن فيما صالح عليه الأولياء بعد وجوب الدم، ولا اختلاف في ذلك.
هل ما وقع عليه الصلح يسمي مالا؟.
وأما قولك، بعد ذلك: وأما الصلح قبل وجوب الدم فلا يصح أن يقال فيه: انه مال، ولا في حكمه، ولا تصح الشركة فيه، فانه كلام لا شك في أنه وقع منك على غير تحصيل، اذ لا يشك أحد في أن ما صولح به من المال عن الدم، قبل وجوبه، مال من الأموال، فالقول انه ليس بمال مكابرة للعيان، وجحد للضرورة، ولا اشكال في أن الشركة تصح فيه، فقولك، انها لا تصح غلط ظاهر، وانما الكلام هل تجب فيه أم لا: فتجب فيه للذي لم يصالح من الأولياء، على أحد قولي ابن القاسم، كما تجب له إذا كان الصلح بعد وجوب الدم، حسبما ذكرناه.
الاعتراض على التنظهير
واعتراضك لتنظيرنا المسألة بمسألة دعوى بعض الورثة لدين بما ذكرته من الوجهين.
غير صحيح، لأن الفرع انما يحمل على الأصل إذا وافقه في المعنى الموجب للحكم، وان فارقه في غيره، اذ لو وافقه في جميع الوجوه لكان هو بعينه، ولأن كونه غير منصوص عليه لا تبطل الحجة به، إذا وقع الاتفاق عليه، ولم يصح الاختلاف فيه، فتتبع جميع ما ذكرته في كتابك يطول.
وفيما ذكرناه منه كفاية، ان شاء الله تعالى.
اغرب احتجاج:
ومن أغرب احتجاجك علينا فيه قولك: انه لو كان ذلك لم يخف على أبي محمد بن أبي زيد، غالبا، وهو لم يذكر فيها خلافا، فجعلت سكون ابن أبي زيد عما لم يتكلم عليه حجة وما جعل الله قوله، ولا قول غيره من البشر، سوى صاحب الشرع، صلى الله عليه وسلم حجة، فكيف سكوته!.
الاحتجاج بقاعدة الأصل براءة الذمة:
وأما ما ختمت به كلامه من أن الأصل براءة الذمة من شىء وجب للأم على المدعى عليه أو على الأب، فمن ادعى خلافه فعليه الدليل.
فان هذا ينعكس عليك، بأن يقال: ان الأصل وجوب دخولها فيما صولح به عن الدم، بماا حكمته السنة، من أن الدية موروثة على سبيل الفرائض، فمن ادعى اخراجها من ذلك فعليه الدليل.
والله، عز وجل، الموفق للصواب، والهادى اليه برحمته، لا رب سواه.