[229]- مياه آبار الصحراء عندما تتغير بما يلازمها
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الفقيه القاضي أبو الوليد ابن رشد رضي الله عنه:
سئلت، منذ مدة، عن آبار الصحارى، التي تدعو الضرورة إلى طيها بالخشب والعشب، لعدم ما تطوى به سوى ذلك؛ فيتغير لون الماء، ورائحته وطعمه من ذلك، هل يجوز الغسل، والوضوء به أم لا؟
فأجبت: بأن ذلك جائز.
فسئلت سنة خمس عشرة وخمس مائة الدليل على صحة ما أوجبت به من ذلك، لمخالفة من خالف فيه.
ما يصح أن يسمى ماء مطلقا
فقلت: الدليل على صحة ما قلته في ذلك: أن الاصل في المياه الطهارة والتطهير؛ لقول الله عز وجل: ﴿وأنزلناه من السماء ماء طهورا﴾
﴿سورة الفرقان رقم: 48﴾
، وقال عز وجل: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء، ليطهركم به﴾
﴿سورة المائدة: رقم 6﴾
، وقوله عز وجل: ﴿وأنزلنامن السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾.
﴿سورة المؤمنون رقم: 18﴾
فمياه الأرض كلها: العيون والآبار، والأنهار، من السماء، أنزلها الله إلى الأرض، وأسكنها فيها، تطهيرا لعباده، ورحمة لهم، فوجب ألا
ينتقل في الحدث الأكبر ولا الأصغر، عن الطهارة بالماء إلى التيمم الا / عند عدم المياه المذكورة، لقول الله عز وجل: ﴿فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا﴾، لأن الماء، إذا أطلق، باطلاقه على كل ماء من هذه المياه، صافيا كان أو متغيرا، مثل أن يتغير أحد أوصافه وهي اللون والطعم، أو الرائحة، لركوده أو لحماة تكون عليه، أو لطحلب يتولد فيه وما أشبه ذلك؛ لأن تغييره من هذه الأشياء لا يمنعه من وقوع اسم الماء عليه باطلاقه، تسمية مقتضية له، على ما هو عليه من تغييره، فوجب ألا يكون لذلك تأثير في منعه من التطهير.
وكذلك إذا تغير ماء بئر من آبار الصحارى من الخشب والعشب الذي طويت بهما للضرورة إلى ذلك؛ اذ لا فرق بين ذلك في المعنى، لاستوائهما في العلة، وهي عدم الانفكاك من السبب المغير للماء الراكد لا يخلو في الغالب من حماة أو طحلب يغيره، كما أن هذه الآبار التي في الصحاري، لا تخلو من العشب، اذ لا يستغنى في احتفارها عنه.
بخلاف ما تغيرت أوصافه من المياه، بما انضاف اليه من الاطعمة والمائعات من الأشربة كالخبز والفول، أو الحمص أو ما أشبه ذلك ينقع فيه، حتى يتغير من ذلك أو كالعسل، أو الرب، أو ماء الورد، أو ماء الريحان، وما أشبه ذلك، يضاف اليه، فيتغير من ذلك جميع أوصافه، أو بعضها، لأن الماء إذا تغير أحد أوصافه، بشىء من هذا، فقد خرج عن حد الماء المطلق، الذي دل كتاب الله، عز وجل، على
جواز الغسل والوضوء به، اذ لا يكفى في تسميته باطلاق اسم الماء عليه، دون أن يوصف بأنه ماء الخبز أو ماء الفول، أو ماء الحمص، أو ماء مضاف بعسل، أو برب، أو بماء ورد، أو ببول بعير، أو شاة وما أشبه ذلك.
فلما لم يصح أن يكفي في الإخبار عن شىء من هذه المياه، على ما هي عليه، باطلاق اسم الماء عليه، دون بيان ما تغير به من هذه الأشياء وجب ألا يجوز الغسل ولا الوضوء به، كما لا يجوز بماء الورد، وماء الريحان، وما أشبه ذلك، اذ ليس بماء مطلق.
تنظير بالبر والحنث
ومما يدل دليلا ظاهرا على انه لا فرق بين الماء المتغير من الخشب والعشب، اللذين تطوى بهما آبار الصحارى وبين الماء المتغير من ركوده، أو الحمأة، أو الطحلب المتولدين فيه:
أن الحالف لو حلف أن يشترى ماء صرفا، فشرب ماء آبار الصحارى، المتغير من الخشب الذى طويت به، لبر في يمينه، كما لو شرب ماء متغير من الحمأة، أو الطحلب، وما أشبه ذلك، أو صافيا، لا تغيير فيه بحال.
ولو حلف ألا يشرب ماء صرفا، فشرب ماء متغييرا بشىء من هذا كله، كما لو شرب ماء صرفا، لا تغيير فيه بحال.
فوجب الا فرق بين الموضعين، لاستوائهما جميعا في البر والحنث.
بخلاف ما لو حلف ألا يشرب ماء صرفا، أو ليشربنه، فشرب ماء الورد، أو ماء مشوبا بعسل، أو برب، أو بشراب من الأشربة، لأن
الحكم في ذلك: أن يحنث إذا حلف ألا يشربه، فشربه وأن يبر إذا حلف ألا يشربه، فشربه.
أنواع المياه الطاهرة
فالمياه الطاهرة على هذا، تنقسم على ثلاثة أقسام: ماء مصلق، وماء مقيد باضافته إلى غير عنصره، وماء مقيد باضافته إلى ما انضاف اليه من الأشياء الطاهرة.
[1]
فالماء المطلق هو ما كان من المياه يكتفى من تسميته، على ما هو به، باطلاق اسم الماء عليه، وهو الماء المطهر، الذي يرفع الاحداث، ويزيل من الثوب والبدن حكم النجاسة بزوال عينها، وذلك ماء البحر، وماء الأنهار، وماء الآبار، وماء العيون، صافيا كان أو متغيرا، إذا لم يكن تغييره بما انضاف اليه مما ينفك عنه.
[2]
وأما الماء المقيد باضافته إلى غير عنصره فليس بمطهر، ولا يرفع الحدث عن الجميع، ولا يزيل حكم النجاسة من ثوب ولا بدن، عند مالك وجميع أصحابه، وان ازال العين، خلافا لأبي حنفية، في قوله: ان كل ما ازال عين النجاسة أزال حكمها وهو ماء الورد، وماء الريحان، وما أشبه ذلك من مياه سائر الأشجار.
[3]
ثلاثة أقسام من الماء الذي انضافت اليه أشياء طاهرة:
وأما الماء الذى يقيد باضافته إلى ما انضاف اليه من الأشياء الطاهرة، مثل الماء ينقع فيه الخبز، أو الفول، أو ما أشبه ذلك،
أو يضاف اليه العسل، أو السكر أو الرب، أو ماء الورد، أو ما أشبه ذلك من الأشربة، أو يقع فيه شىء من أبوال ما يؤكل لحمه، وأوراثه، فانه يقسم على ثلاثة أقسام:
أ- أحدها: أن يكون ما انضاف اليه من ذلك كله يسيرا، لم يغير وصفا من أوصافه.
ب- والثاني: أن يكون ما انضاف اليه من ذلك كله هو الغالب عليه
ج- والثالث: أن يكون ما انضاف اليه من ذلك كله ليس هو الغلب عليه، الا أنه غير أوصافه، او بعضها.
[أ]
فأما إذا اكن ما انضاف اليه من ذلك كله يسيرا، لم يغير له وصفا من أوصافه، فلا تأثير له / عند الجميع، الا ما حكى عن أبي الحسن القابسي فانه اتقاه في اليسير من الماء، فالذي يأتي، على مذهبه فيه: أن يتوضأ به، ويتمم، وهو شذوذ في المذهب.
[ب]
وأما إذا كان ما انضاف اليه من ذلك كله هو الغالب عليه، فليس بمطهر، ولا يجوز الغسل، ولا الوضوء له عند الجميع، ولا يرفع حكم النجاسة عن ثوب ولا بدن، عند مالك وأصحابه، وان أزال عينها
وأما ان كان ما انضاف اليه من ذلك كله ليس هو الغالب عليه، ألا انه، قد غير أوصافه، أو بعضها، والطعم واللون، باتفاق، والريح على اختلاف، فالمشهور في المذهب، المعلوم من قول مالك وأصحابه: أنه ماء غير مطهر، فلا يجوز الغسل، ولا الوضوء به، ولا يرفع حكم النجاسة من ثوب ولا بدن، وان أزال عينها، وقد روي عن مالك أنه قال: وما يعجبنى أن يتوضأ به، فاتقاه عن غير تحريم.
واعلم، وفقنا الله واياك، ان تأثير تغيير أوصاف الماء، أو بعضها بما انضاف اليه من الأشياء الطاهرة، إذا لم تكن هي الغالبة، في جواز التطهر به، ليس بمتفق عليه عند أهل العلم.
وقد راعى مالك، رحمه الله، ذلك الاختلاف في أحد أقواله، على أصله في مراعاة الخلاف، وذلك قوله في المجموعة، في العدير ترده الماشية، فتبول فيه، وتروت، حتى يتغير لونه، وطعمه: ما يعجبنى أن يتوضأ به، من غير أن أحرمه.
فعلى هذا من توضا به، وصلى، أجزأته صلاته، وأعادها، ما لم يذهب الوقت استحسانا.
وان لم يجد سواه لم يقتصر على التيمم وحده، دون الوضوء به.
فكيف يصح لقائل أن يقول، في الماء المتغير في آبار الصحارى من الخشب والعشب اللذين طويت بهما، مع الضرورة إلى ذلك، وكونه غير خارج من حد الماء المطلق على ما بيناه: ان الوضوء والغسل لا يحل به.
هذا بعيد، وما ذلك الا كنحو ما روى عن بعض المتأخرين من أن
الماء المتغير في الآودية والغدر، مما سقط من أوراق الشجر النابتة عليهما، أو التي جلبتها الرياح اليها، لا يجوز الوضوء، ولا الغسل به وهو من الشذوذ الخارج عن أصل مذهب مالك في المياه، فلا ينبغى أن يلتفت اليه، ولا يعرج عليه.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.