[143]- مراجعة في مسألة سبقت حول الحبس المعقب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب اليه رضي الله عنه، بعض فقهاء جيان، يسأله عن مسألة حبس، له فيها جواب قديم، وان بعض الناس اعترض ذلك الجواب ونص ذلك كله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
يا سيدى المعظم وشيخي المقدم، عسى أن تتأمل المسألة:
رجل حبس ملكا على ولد له، فقال فيه: حبس على ولده فلان وعلى كل ولد يحدث له من بعده، ثم على أعقابهم، وأعقاب أعقابهم ما تناسلوا.
فولد له بعد ذلك أولاد، ثم توفي المحبس، فاستغل أولاده الحبس، إلى أن توفي واحد من أعيان الولد، وتخلف أولا داً [145] فأرادوا الدخول مع أعمامهم في الحبس، هل لهم ذلك أم لا؟
فأجبت، وفقك الله: أن لولد الولد الدخول مع أعمامهم، لأن الحبس انما منع ولد الولد مع أبيه لا مع غيره.
وانما قوله: ثم على أعقابهم انما هو عطف آحاد على أحاد لا عطف جملة على جملة، واحتجت بالآية: "وهو الذي أحياكم ثم يميتكم "
ولو قال: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم، لم يدخلوا مع الاعمام إلى سائر ما ذكرته، وفقك الله.
وضعيف مخالف الاحتجاج بالأية، لفروق ذكرها، واحتج، فقال ولو صح الجمع بينهما، لقيل: ان المحبس لم يفهم ذلك، وما قصده وانما حبس على الأعيان ثم على من سواهم من بعدهم، فما بقي واحد من الأعيان، لم يصح فيه لغيره حق البائع هو لهم بنص قول المحبس، فاذا انقرضوا صح لغيرهم إلى كلام يطول ذكره.
فتأمل، رضي الله عنك، وراجعني عليه متطولا.
رد ابن رشد على اعتراض المراجعة.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب، ونصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
تصفحت ياسيدى، أعزك الله بطاعته،
وتولاك بكرامته السؤال، ووقفت عليه وعلى جوابي المتقدم فيه وهو صحيح به أقول واياه أعتقد، وما استدللت به فيه من كتاب الله وعز وجل وعرف كلام الناس، كاف عند من فهم موضع الاستدلال منه وأنصف ولم يعاند وأنا أزيد ذلك، لما ذكرته من مخالفة من خالف فيه، واعتراض من اعترض عليه، إما لقصور فهم، واما لمعاندة حق، ونصرة قول فرط منه، أنف من الرجوع عنه إلى ما أهو أحسن منه وما اهتدى، ولا حصلت له من الله بشرى من ذهب إلى هذا النحو والمعنى، قال الله عز وجل، فبشر عبادى الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، واولئك هم أولو الألباب.
والأصل في هذا: أن المحبس انما حبس ماله الذي خوله الله اياه وأجاز له التصرف فيه، وند به إلى التقرب اليه به فيما شاء من وجوه القرب وان كان غيرها أفضل، فوجب أن يتبع قوله، في كتاب تحبيسه، فما كان فيه من نص جلي، لو كان حيا، فقال: انه أراد ما يخالفه، لم يلفت إلى قوله، ووجب ان يحكم به، ولا يخالف حده فيه الا أن يمنع منه مانع من جهة الشرع، وما كان فيه من كلام محتمل لوجهين، فاكثر من وجوه الاحتمال، حمل على أظهر محتملاته، الا أن يعارض أظهرها أصل؛ فيحمل على الأظهر، من سائرها، إذا كان المحبس قد مات، ففات أن يسأل عما أراد بقوله من محتملاته، فيصدق فيه، اذ هو أعرف بما أراد، وأحق ببيانه من غيره.
فاذ تمهد هذا الاصل، ولم يصح فيه الخلاف، بانت بتمهده، صحة الجواب في المسألة المذكورة، لبنائه عليه، ورده اليه، وذلك أن المحبس لما حبس على بنيه، وقال في تحبيسه: ثم على أعقابهم من بعدهم احتمل أن يريد بذلك: ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم وأن يريد به: ثم على أعقاب من انقرض منهم؛ إلى أن ينقرض جميعهم، لاحتمال اللفظ للوجهين جميعا، احتمالا واحدا، وصلاحه لهما، وكذلك كل ما كان على صيغته من الألفاظ عطف جمع على جمع بحرف ثم يجوز أن يعبر فيه عن كل واحد من الوجهين؛ ألا ترى أنك تقول: ولد لفلان عشرة أولاد، ثم ماتوا بعد أن ولدوا، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما ولد واحد منهم، مات قبل أن يولد الآخر.
وتقول: اشترى فلان عشر دور فبناها، ثم باعها بعد أن بناها، فتكون صادقا في قولك، وان كان كلما اشترى دارا منها، فبناها، باعها، قبل أن يشترى الأخرى.
وكفي من الدليل على هذا قول الله عز وجل: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا
فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون﴾ [سورة البقرة الآية: 28]
: أنه أمات كل واحد منهم، بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم، وأنه أراد بقوله: ثم يحييكم: أنه لم يحي منهم أحداأمات جميعهم والصيغة في اللفظين واحدة.
فلولا أن كل واحدة منهما محتملة للوجهين، لما صح أن يريد [146] بالواحدة غير مراده بالأخرى، وهذا أبين أن يخفى.
ومما يدل على أن قول المحبس ثم على أعقابهم من بعدهم يحتمل أن يريد: ألا يدخل ولد منهم في الحبس الا بعد موت أبيه، دليلا ظاهرا، أنه لو كان حيا فقال: هذا الذي أردت لوجب أن يصدق في ذلك بلا خلاف.
بساط قصد المحبس
قال أبو الوليد رضي الله عنه: فلما احتمل أن تكون هذه ارادته، وكان الاصل: أن يولد الرجل أحق بماله، بعد موته، من أخيه، وجب الا يعدل بحظ من بني المحبس عن ولده إلى اخوته إلا بنص ولا نص في ذلك على ما بيناه، لاسيما والذي يغلب على الظن أن المحبس إلى هذا قصد وانما أراد ان يجعل هذا الحبس لبنيه على سبيل الميراث، فلم يقل: وعلى أعقابهم، لئلا يدخل الولد مع أبيه فيه وقال: ثم على اعقابهم، لئلا يدخل معه في حياته، ولم يرد ألا يدخل معه حتى ينقرض أعمامه، لأن هذا خلاف ما يعلم من فطرة الناس وما جبلوا عليه في أشفاقهم من أن ينفرد بعض اولادهم بميراثه، دون ولد من مات منهم في حياته قال أبو الوليد ابن رشد، رضي الله عنه: وقد جاءني غير واحد يسألني عن حيلة في أن يصير إليهم، بعد موته من ماله، مثل نصيب أبيهم، فلم أجد له وجها إلا ان يوصي لهم بثلثه، أو بما شاء منه.
تنظير لاحتمال البعضيه، بما لدى ابن زرب.
وقد قال ابن زرب: إن الرجل إذا قال في حبسه: حبس على ولدى فلان وفلان، وعلى أقابهم: أنه لا يدخل في ذلك ولد الابنة لاحتمال رجوع الضمير من قوله: وعلى أعقابهم على الذكران من ولده دون الابنة.
قال: وكذلك لوقال، أيضا: على ولدى فلان، وفلان وفلانه وعلى أعقابهم لاحتمال رجوع الضمير على الابنين دون الابنة اذ قيل: ان الاثنين جماعة.
قال: ولا يدخل ولد الابنة في الحبس، الا أن يقول: حبس على ابنتي وعلى عقبها، أو يقول على ابني فلان وفلانه، وعلى أعقابهما.
فهذا ابن زرب لم يجعل قوله: وعلى أعقابهم عاماً في جميع ولده ورأى ألا يدخل ولد الابنة فيه الا بنص جلي فكذلك مسألتنا لا ينبغي أن يصرف حظ الميت من بني المحبس إلى اخوته دون بنيه الا بنص جلي ولا نص في ذلك، لاحتمال رجوع الضمير من قوله: ثم على أعقابهم من بعدهم على من مات منهم، لا عاما في جميعهم.
والمسألة أبين من أن يحتاج إلى الاستدلال على صحتها بقول ابن زرب أو غيره.
لم يفرق المخالف بين العام المحتمل للتخصيص، والعام النص في العموم.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وتفرقة المخالف بين الصيغتين
وادعاؤه في قول المحبس: ثم على أعقابهم من بعدهم انه نص على أنه لا دخول لأحد من ولد ولده حتى ينقرض جميع ولده، تخلف بين في تمييز معاني الألفاظ ومقتضى الخطاب؛ قد قال الله عز وجل: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾
[سورة النساء الآية: 11]
فلم يقل أحد: غن ذلك نص في جميع أولاد المسلمين اذ ليس بنص، وانما هو عموم محتمل للتخصيص، وقد خص منه الكفار والعبيد، فعلم أنهم غير مرادين بالآية.
وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾
[سورة التوبة الآية: 103]
، فقال جماعة من أهل العلم: إنه لا زكاة في أموال المجانين والصبيان، وذهب مالك إلى انه لا زكاة في اموال العبيد فلو كان نصا في اموال جميع الملمين، لما وسع الخلاف فيه وهذا أكثر من أن يحصى، وأبين من ان يخفى.
فكذلك قول المحبس: ثم على أعقابهم من بعدهم، ليس بنص على أعقاب جميع ولده من بعدهم.
ويحتمل أن يكون أراد به: ثم على أعقاب من مات منهم من بعده وهو الأظهر من أرادة المحبس على ما بيناه.
فالقول بأن ذلك ليس بنص ليس بقول.
اعتبار المقاصد بين المالكية والحنفية.
ولو قال: انه الأظهر من مجرد اللفظ، وسلمنا ذلك له، لما لزم اتباع مجرد ظاهر اللفظ، إذا خالفه المعنى؛ لأنا انما تعبدنا بمعاني الألفاظ دون مجردها.
ولو اتبعنا مجردها دون معانيها لعاد الايمان كفرا والدين لعبا، لأن الله عز وجل يقول:
﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [سورة الزمر الآية: 15]
لأنه لفظ ظاهره الأمر، والمراد به: الوعيد والنهي، وقال لابليس: وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وليس بمأمور في ذلك، انما هو منهى عنه وهذه من حجتنا على أهل العراق في اعتبارهم بمجرد الألفاظ في الأيمان دون معانيها.
[147]
وبالله التوفيق لا شريك له.