[142]- وضعية الأيتام في الغبن والشفعة.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب اليه رضي الله عنه، والفقيه المشاور، أبو القاسم ابن الإمام من مدينة اشبيلية حرسها الله، يسأله عن مسألة ذكر انها نزلت عندهم، فاحتلفوا فيها ورغب اليه في الجواب عليها، وتبيين جميع وجوهها، بيانا شافيا، يرفع الاشكال فيها، ويلوح به وجه الصواب فيرجع اليه، ويعتمد ان شاء الله عز وجل ونصها من أولها إلى آخرها:
أن رجلين كانت بينهما أملاك مشتركة، بنصفين على الاشاعة، فتوفي أحدهما وترك بنين أصاغر، أوصى عليهم وصيا، وشرط عليه مشورة رجل سماه، فباع الوصي على الأيتام حظهم من الأملاك باذن المشاور، بما وجب بيعها به عليهم، من الشريك فيها.
وتضمن عقد البيع الوجه الذي أوجب البيع على الأيتام، وجميع ما يفتقر اليه البيع في ذلك من الاجتهاد في التسويق والتقصي في طلب الزيادة، والسداد، وغير ذلك من الفصول المحكمة الربط، فكمل للشريك بذلك ملك جميع الأملاك.
ثم أنه باع نصف جميعها على الإشاعة من رجل أجنبي.
ثم ان بنت المتوفى احدى المبيع عليهم، رشدت بعد أعوام فاثبتت الغبن في بيع الأملاك عليها، وعلى إخواتها، وأنها كانت تساوي في اليوم الذي باعها الوصي عليها وعليهم أكثر من مثلي ما باعها به.
وذهبت إلى أن ترجع في حظها من الأملاك، بما ثبت في بيعها من الغبن وأن تشفع على الأجنبي، المشترى من شريك أبيها، في النصف الذي باعه من الأملأك المذكورة.
ومن حجتها في ذلك أن تقول: ان بيع الغبن لا يجوز، فأنا أرجع في حظي واذا رجعت فيه، كان البيع كأن لم يكن، وبقيت شريكة لشريك أبي في الأملاك، فكان من حقي أن أشفع في النصف الذي باعه منها.
والمشترى يقول: لا شفعة بها لك على؛ لأن البيع الذي باعه الوصي عليك وعلى اخوتك قد فوته المشترى بالبيع مني فحقك انما هو عنده فخذى حصتك مما بقى بيده من الأملاك، ان وجب لك الرجوع فيها، وأما أنا فلا سبيل لك على فيما اشتريت منها.
فهل يكون للقائمة ما ذهبت اليه، من الرجوع في حظها، والأخذ بالشفعة أم لا؟ وهل البيع الذي باعه المشتري تفويت لبيع الغبن أم لا؟ وما الحكم في ذلك كله؟
بينه لنا بيانا شافيا يعظم الله أجرك.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب ونصه: تصفحت السؤال ووقفت عليه.
واذا كان الأمر على ما وضفته فيه، فالواجب للقائمة أن تنقض
البيع في نصف حصتها من الأملاك، فتأخذها من يد المبتاع من [144] الوصي ويكون لها عليه في النصف الثاني، ما زادت قيمته، يوم البيع على الثمن، الذي وقع البيع به، لفواته بالبيع.
ولا مدخل في هذا للشفعة، بوجه من الوجوه، إذ ليس ببيع عداء فيكون لها على قولهم ان تأخذ جميع حصتها وان كان قد بيع بعضها بالاستحقاق، والبقية بالشفعة، ولا هو بيع فاسد، يجب فسخه، فيكون لها أيضا، ان تاخذ جميع حصتها والبقية بالشفعة، على قول من يرى أن البيع الفاسد لا ينعقد، وأن مصيبته من البائع ولا يفتيه بيع ولا غيره وهو قول شاذ في المذهب، قال به جماعة من أهل العلم في غيره، وانما بوجه جائز، جرى فيه على المبيع عليهم غبن، فكان من الحق لهم أن يرد البيع ما كان قائما، لم يفت، على اختلاف بين أهل العلم في ذلك، فقد قيل: ان للمبتاع أن يوفي تمام القيمة، يوم البيع، ولا يرد البيع، وان كان قائما لم يفت.
وقيل: أنه يمضي له منه بقدر الثمن على قيمته يوم البيع، ويرد الباقي.
وهذه الأقوال كلها قائمة من العتبية لابن القاسم، وسحنون في سماعه، وسماع أبي زيد ولها في المدونة نظائر.
والنصف المردود على القائمة من حصتها انما يرجع اليها بملك مستأنف، لا على الملك الأول، فلا شفعة لها به على المبتاع الثاني، لا في بقية حصتها، ولا سائر المبيع، ولا له عليها فيه شفعة بصفقته المتقدمة، اذ ليس الرد يبيع محض، لأن البيع المحض ما يتراضى عليه المتبايعان، والمشترى الأول مغلوب على اخراج هذه الحصة من يده، فهو
بيع في حقها لكونها أخذة له، باختيارها، ونقض بيع في حقه، لأنه مغلوب على ذلك.
قال أبو الوليد رضي الله عنه: والقول بأن بيع الغبن يفتيه البيه الصحيح، بين لا اشكال فيه؛ لأنه إذا كان يفتيه البيع الفاسد، الذي يغلب المتبايعان على فسخه، وقد قيل: انه ليس ببيع، على ما ذكرناه، فأحرى أن يكون في بيع الغبن فوتا، اذ لا ينتقض الا باختيار أحدهما، وهو البائع.
وقد قال في المدونة وغيرها في الذي يخطئ على نفسه، فيبيع السلعة مرابحة، بأقل مما كان اشتراها به، ثم يقوم بذلك على المبتاع: ان للبائع أن يرجع في سلعته، ان كانت قائمة، وأنه يفتيها ما يفيت البيع الفاسد.
وهذه تشبه مسألتك، لأنه غبن جرى على البائع بغلطه على نفسه في الثمن كما جرى على البائع غلط في بيع الغبن، بغلطه على نفسه بالجهل بقيمة ما باع، ولا فرق بين الغبن على الأيتام فيما باعه الوصي عليهم وبين الغبن على الرجل فيما باعه على نفسه، فيما يوجبه الحكم في ذلك على القول بوجوب الرجوع بالغبن للرجل فيما غبن فيه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
سؤال ثان في نفس الموضوع، مع وجود مشاورين.
قال الفقيه القاضي، أبو الوليد رضي الله عنه:
أعيد إلى الئؤال عن هذه المسألة، بعد مدة طويلة وقد ضمن، أن الوصي شرط عليه مشورة رجلين، فأبى أحدهما، وهو شريك الأيتام في الأملاك، من التزام المشورة وابتاع من الوصي حصة الأيتام، باذن المشاور الآخر، دون أن يفرد بالمشورة.
فأجبت في ذلك: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وما فعله الوصي من بيع الاملاك على اليتامى باذن أحد المشاورين دون أن يفرد بالمشورة، غير جائز، وان لم يكن فيه غبن فللقائمة من اليتامى الرجوع في حصتها من ذلك، وان كان المبتاع قد فوت بعضه بالبيع.
وبالله التوفيق لا شريك له.