[1]- دعوى العاصب بالتوليج فيما وهب الأب لابنته، وفيما أقر لها به.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فأما المسألة الأولى منها فهي رجل توفي، وترك زوجة،
وابنة منها، وابن عم، وكان المتوفى قد وهب لابنته، في صحته وجواز أمره، رباعا: دارين وثلاثة حوانيت، وسلط عليها حكم الاعتصار، ولم يترك من الرباع حاشا دار سكناه، وترك ما لا قدر له خارجا عن المدينة؛ وأشهد لابنته المذكورة: أن أمها تصدقت على ابنتها المذكورة بمائة مثقال واحدة، وأنه تجر فيها، فربح فيها ثلاثين مثقالا، وأنه اجتمع بيده لها من غلة الربع، الذي وهبه لها، سبعون مثقالا.
ثم توفي الرجل بعد سنين، ولم يوجد له من المال سوى دار سكناه، ومن الناض سوى نحو العشرة مثاقيل، وودج له أثاث من ثياب ظهره، وغيرها لا يبلغ به ما أقر به لابنته، وترك أيضا، ثيابا، وحليا، وماعونا نحاسا، كان وهبه لها، وسلط على ذلك كله حكم الاعتصار، ووجد جميع العقود بالهبات والإقرارات في خزانته.
فقام العاصب يدفع في تِلْكَ الهبات والإقرارات بحكم التوليج للبنت بها.
واحتج بأن بينه وبين الميت مهاجرة.
فهل ترى له من هذا حجة، تقدح في هذه الهبات، وتكون توليجا، أم لا؟
وكذلك تأمل إقراره على نفسه بما في يده لابنته من قبل الأم،
وقد قامت بينه ثلاثة: أحدهم: المشرف على الطفلة، والثاني: زعم العاصب أن بينه وبينه عداوة يثبتها، والثالث: يشهد على إقراره دون معاينة المال المذكور.
هل يجتزأ بذلك على مذهب من لم يجز إقراره بذلك، أم تشترط معاينة القبض، أو يجتزأ في هذه المقالة بالشاهد الواحد، أم لا بد من شاهدين؟.
وكذلك أشهد المتوفى على نفسه أنه اجتمع بيده من غلة هذا الربع، الذي وهبه لابنته، سبعون مثقالا.
ووجد في لوْحٍ مكتوب، يقال أنه خطه، ولم يثبت: أنه اجتمع بيده من غلة هذا الربع، أيضا، ثلاث وثلاثون مثقالا سوى السبعين.
وكيف إن لم يقم على الخط إلا شاهد واحد، أتحلف معه الابنة، على رأي من رأى ذلك أم لا، إن كانت بالغة، أم رأيك على ما في كتاب ابن الجلاب في الشاهد الواحد على الخط: أنه لا ينتفع به، ولا يحلف معه؟.
وهل تحاسب الابنة بنفقته عليها، في هذه الأعوام، أم لا؟ وهل يكون إقراره بما أقر لها به، وهذه الهبات على حسب ما وقع توليجا أم لا؟ وكيف إذا لم يجتزأ في المسألتين بالشاهد الواحد، أو كانت الابنة غير بالغة، ممن لا يحلف، ما الجواب على ذلك؟ وما معنى ما وقع في الرواية في مسألة إقرار الأب، من قوله: " إذا جاء بما لا يستنكر،
وسبب لذلك وجها يعرف "، هل هذا السبب إقامة البينة العادلة، أم اللوث أم ما يمكن؟.
وهل يكون في مسألتنا أن يعرف للأم مال، أم إقرارها وموافقتها الأب على ما قال، أم معاينة القبض؟.
بين لنا ذلك كله، متفضلا مأجورا إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت، يا سيدي - أعزك الله بطاعته، وعصمك بتوفيقه - سؤالك هذا ووقفت عليه.
وما وهبه الأب لابنته، في صحته، وجواز أمره، من الرباع: الدارين والحوانيت الثلاثة جائز، نافد، ماض؛ لأنه هو الحائِزُ لها، فلا كلام للعاصب فيه بما ادعاه من أنه توليج.
وكذلك ما وهب لها في صحته من الثياب، والحلي، وما عون النحاس، يجوز وينفذ، إذا ثبتت الهبة فيه بالشهادة على عينه.
وما أشهد به على نفسه من أنه استقر لابنته بيده عنده مما اغتل لها من الربع الذي وهبه لها نافذ لها، يحكم لها به، فيما تخلفه، إذا أشبه أن يغتل لها ذلك العدد من الربع، الذي وهبه لها، من يوم وهبه لها إلى يوم إشهاده لها بذلك.
وأما ما شهد به لابنته من أن أمها تصدقت عليها بمائة مثقال، وأنه تَجِرَ لها بها، فربح فيها ثلاثين مثقالا، فلا يجوز ذلك لها، ولا ينفذ؛ لأن الصدقة بالعين على الصغير لا تصح إلا بأن يخرجها المتصدق من ماله، ويَضَعَهَا على يد من يحُوزها له، بمعاينة الشهود لذلك؛ فإذا لم يكن إلا
إِقْرَارُ الأب بذلك، وتصديق الأم له فيه، اتهم الأب في أن يكون أراد أن يولِّج إليها ذلك من ماله بعد وفاته، فلا يصح ذلك إلا بمعاينة البينة على الصدقة، بدفع المال إلى الأب، ليحوزه لابنته على الأم المتصدقة به عليها.
وسواء في هذا كله علمت بين العاصب والمتوفى منافرة ومباعدة، أو لم تعلم.
وأما ما وجد في اللوح مكتوبا من أنه استغل لابنته من غلة الربع الموهوب، أيضا.
ثلاثة وثلاثين مثقالا، سوى السبعين مثقالا فإن ثَبَتَ أنه خط يده، وكان قد مضى من المدة من يوم أقر لها بأنه تجمع عنده مما اغتل لها سبعون مثقالا إلى يوم كتب بذلك الكتاب في اللوح، ما يشبه أن يغتل من ذلك العدد المذكور نفذ، أيضا، وإن لم يشهد على الخط بذلك إلا شَاهِد واحد، رأيت أن تحلف مع شهادته، وتستحق ذلك في ماله؛ لأن الشهادة على خط المقر كالشهادة على الإقرار سواء، على القول بإجازة الشهادة على خط المقر، وهو المشهور المعروف في المذهب.
ولا تحاسب الابنة بما أُنفق عليها مما اغتله لها مما وهبها إياه، لإشهاده لها على نفسه بذلك؛ لأنه لما أشهد به لها دَلَّ على أنه لم يرد محاسبتها في ذلك بشيء من نفقته عليها، والرواية بذلك مأثورة عن مالك رحمه الله.
وإن كانت الابنة غير بالغة، وقف ما يجب لها الحق فيه، مع
الشاهد، حتى تبلغ، فتحلف إن شاءت.
ولا بد في ذكر السبب الذي ترتفع به التهمة عن الأب في إقراره لابنته من معرفة ذلك السبب الذي ذكره، بما تصح به المعرفة من الشهادة التامة، لقوله في الرواية: " فإن سبب لذلك سببا يعرف جاز، وإن لم يسبِّب لها سببا يعرف لم يجز ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.