[242]- حول الحديث: " ماله أهجر؟ استفهموه! "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، الفقيه أبو محمد ابن خالد من أهل كورة لوشة، يسأله عن معنى حديث وقع في صحيح البخاري.
ونص السؤال بعد البسملة:
الجواب، رضي الله عنك، فيما وقع في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس، في موت النبي، عليه السلام، من قوله فيه: " ماله أهجر؟ " ما معنى هذه اللفظة؟ فقد قيل: إنها من الهجر، وقيل: بمعنى هذى، وقيل معنى غير هذا وهو عليه السلام، منزه عن هذين، وفي الحديث دليل على دفع هذين التأويلين، وهو قوله: " ولا ينبغي عند نبي تنازع "، وهذا كلام صحيح.
فلك الفضل - أدام الله عزك - في مراجعتنا بما تراه في ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
الجواب عليها: تصفحت سؤالك هذا، ووفقت عليه، وعلى ما سألت فيه من معنى اللفظة الواقعة في حديث ابن عباس، وهي قوله فيها: " أهجر "، فهي لفظة وقعت في حديثه، على ما روى عنه سعيد بن جيبر، من أنه قال: " يوم الخميس، وما يوم الخميس لِلَّهِ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، قال: فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد بالنبي، عليه السلام، وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا، لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ". الحديث.
فالهجر الهذيان في المرض، يقال: هجر، وأهجر، بمعنى هذى، وقيل: هجر إذا هذى، وأهجر إذا قال الهجر، وهو الخنا.
وقد قريء الحديث: " ماله أَهَجَر؟ ". " وماله أَهْجَر؟ " على اللغتين جميعا.
في الهجر الذي هو الهذيان.
والصحيح في الرواية، الذي به يستقيم تأوي الحديث، على ما يصح أن يحمل عليه: " ماله أهجر؟ " بصيغة الاستفهام، والمراد به التقرير، بمعنى النفي، لأن الأَوْلى تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى، وإن كان لا نقيصة فيه.
والمعنى عندي في ذلك، والله أعلم، وأحكم أنَّ النبي عليه السلام، لما اشتد به وجعه، الذي توفي منه، فقال، ائتوني بكتف أكتب لكم فيه كتابا لا تضلون بعده؛ اختلف أصحابه الحاضرون في ذلك، لما رأوه من شدة ما كان به من الوجع؛ فمنهم من رأى ذلك وأراده، وحرص عليه، ومنهم من لم يره، تخفيفا عن النبي عليه السلام، لشدة ما كان به من الوجع، وقال: عندنا كتاب الله حسبنا، على ما جاء في حديث ابن العباس، من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعه، قال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا، لا تضلون بعده، قال عمر: إن النبي، عليه السلام، غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله عز وجل، حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين محمد عليه السلام، وبين كتابه.
فيحتمل أن يكون تكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، في خلال تلك المنازعة التي وقعت بينهم بكلام خفي لم يفهموه عنه، لغلبة الوجع عليه، فمنهم من لم ير أن يراجع فيه، ولا أن يستفهم عنه، إرادة التخفيف عنه، ومنهم من أراد أن يستفهم عنه، فكثر في ذلك بينهم اللغط المذكور في الحديث، وكان من جملة هذا اللغظ قول هذا القائل منهم: " ماله
أهجر؟ استفهموه لِلَّهِ " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر؟ استفهموه لِلَّهِ " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر، استفهموه "، فلما سمع النبي عليه السلام، ذلك من تنازعهم، وكثر لغطهم، كره ذلك منهم، ووقال: " دعوني، فالذي أنا فيه " يريد.
والله أعلم، من مناجاة من كان يناجيه من الملائكة " خير مما تدعوني إليه "، على ما جاء في الحديث.
فهذا جواب ما سألت عنه، مشروحا مبينا.
وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.