[294]- يمين حواء بنت تاشفين.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عرنه، الأمير أبو الطاهر.
تميم بن يوسف بن تاشفين، أصلحه الله، من مدينة أشبيلية أعادها الله يسأله في يمين حلفت بها زوجه الحرة، حواء بنت تاشفين، صانها الله، إثر موت زوجها الأول قبله.
ونصها من أولها إلى آخر حرف فيها، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ما تقول، رضي الله عنك، في امرأة توفي عنها زوجها، وكان ساكنا معها، في دار الإمارة، بالبلد الذي توفي فيه؛ إذ كان أميرا فيه.
فلما وضع في نعشه، وخرج به من دارِ الإمارة إلى قبره، خرجت تتبع نعشه، فلما فرغ من دفنه، وهي على شفير قبره، قال لها قائل: قومي ارجعي إلى دارك، فقالت مجيبة له: إلى أي دار تعني؟ قال لها: إلى دارك المعروفة، التي خرجت منها.
فقلت: ثلث مالي على المساكين صدقة، وصوم سنة يلزمني، ورقيقي أحرار لوجه الله لا رجعت إلى تلك الدار أبدا، أين الوجوه التي كنت أعرف فيها، وأسكنها معهم؟.
ولما كان بعد زمان، تزوجها أمير تلك البلدة، الساكن في دار
الإمارة بها، فجبرها على السكنى معه فيها، ولم يوسعها في ذلك عذرا، وقد كانت أخرجت الثلث من مالها، بعد هذه اليمين، لحنث آخر لزمها في يمين أخرى، قبل سكنى الدار، وزال عن ملكها من كانت تملك من الرقيق، في وقت اليمين المذكورة.
أجبنا في ذلك موفقا، مأجورا، مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فجاوب، أدام الله توفيقه وتسديده، بما هذا نصه: تصفحت السؤال الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقفت عليه.
ولا حنث على هذه المرأة الحالفة في رجوعها إلى سكنى دار الإمارة مع زوجها الأمير في ذلك البلد، لأن الظاهر من أمرها أنها إنما كرهت الرجوع إليها، على غير الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفى، وحلفت على ذلك إذ دعاها القائل إليها، حين قال لها: ارجعي إلى دارك، فلا شيء عليها في رجوعها إليها على الحال التي كانت عليها مع زوجها المتوفي، إذ لم تحلف على ذلك.
أساس الأحكام بين المالكية والحنفية.
هذا هو الذي أراه، وأقول به، في ذلك، وأتقلده؛ لأن الأيمان إنما تحمل على بسَاطِها، وعلى المعاني المَفْهومة من قصد الحالف، لا على ما تقتضيه ألفاظها في اللغة.
وهو أصل مذهب مالك، رحمه الله، من ذلك قوله في رواية أشهب، في الذي سأله النقيب، عن امرأته إن كانت حاضرة أم لا، فحلف بالطلاق: أنها الآن في البيت؛ إذ كان تركها
فيه، وهي لم تكن في ذلك الحين فيه، إذ قد كانت خرجت منه إلى الحجرة، فقال: إنه لا حنث عليه؛ لأن يمينه إنما خرجت على سؤال النقيب إياه عن حضورها.
ومن ذلك، أيضا، قول ابن القاسم في الذي خرج ليشتري لأهله لحما، فوجد على المجزرة زحاما، فحلف ألا يشتري لأهله ذلك اليوم لحما، ولا عشاء، فرجع فعاتبته امرأته، على ذلك، فخرج، فوجد لحما في غير المجزرة، فاشتراه: أنه لا حنث عليه، إذ كانت يمينه لكراهة الزحام في المجزرة.
وأهل العراق يخالفون في ذلك، ويرون الحالف حانثا، بما لفظ به في يمينه، ولا يعتبرون في ذلك بنية، ولا بساط، ولا معنى.
وذلك خطأ بين في الفتوى؛ لأن الأحكام إنما هي لمعاني الألفاظ المعتبرة المفهومة منها، دون ظواهرها.
ولو اتبعت ظواهرها دون معانيها، المفهومة منها، في كل موضع لعاد الإسلام كفرا والدين لعبا، قال الله عز وجل: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 15].
فكان في ذلك، في ظاهره، أمرا، والمراد به النهي والوعيد؛ إذ هو المفهوم منه، ومثله قوله عز وجل لإبليس: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: 64] ومن هذا المعنى قوله عز وجل في قصة شعيب، وما ذكره فيها، من قول قومه له: {إِنَّكَ
| MRV﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]؛ لأن ظاهره المدح والثناء، ومرادهم به ضد ذلك من السب والاستهزاء، ومن مثل هذا كثير في هذا القرآن، والسنن المتواترة والآثار.
وبالله تعالى التوفيق.