[231]- احد ولاة المرابطين يسأل عن كيفية التوبة من ظلم الرعية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة سأل عنها بعض المتلثمين:
جواب الفقيه الأجل أبي الوليد، أدام الله عزه في رجل من المتلثمين كان ممن يغرم بعض الرعية فبعد ذلك - أبقاك الله - اتخلع مما كان فيه وتقرب إلى الله تعالى، وحسن حاله، وتاب وصرف جميع ما في يده، فيما يجب عليه، بعد أن سأل أهل العلم والمعرفة فبينوا له ما يجب في ذلك المال وصرفه حيثما أمروه من طريق السنة.
ثم انه أفاء الله تعالى عليه بمال من غير ما كان بيده، فأبقاه
لنفسه وتملكه مخافة الحاجة، والضيعة، وهو مال حلال، فيما يزعم، وما ذكر له فيه اهل العلم: انه سائغ له، غير أنه - أصلحك الله - مستمر على الانصاف من ذلك المال المستفاد، يؤدي منه التباعات، التي بقيت عليه ونيته ان يجتهد في أدائها حتى ياتي على جميع ذلك، إن مد الله في عمره إلى ذلك.
هل يخرج هذا المرابطي الكفارات من ماله الجديد؟
فما ترى - أبقاك الله - ان وجبت عليه كفارة يمين الله أو كفارة رمضان، او غير ذلك من الكفارات هل يباح له ان يكفر من ذلك المال، الذي بيده ام لا؟ او ترى ان الصوم اوجب ولا يقدر عليه من اإطعام؟ وكيف إن كان الرجل المذكور لا يستطيع الصوم ولا يقدر عليه، ماذا يجب عليه؟
وتبين لنا - أصلحك الله - إذا وجب عليه الصوم هل يستوي في ذلك كفارة اليمين، وكفارة رمضان وغيره، أم تفرق بينهما؟
وبين لنا - أعزك الله - ما إذا كان بيده، وجب عليه ان يكفر منه من المال إذا كان كفافا لما عليه، او إذا كان فضله عما عليه بين لنا في الوجهين ما يجب عليه.
هل تؤدي التباعات من عطايا السكان للوالي؟
وبين لنا - أبقاك الله - في وجه ثان، وذلك، فيما يعطيهم اخزانهم من المسلمين ويعينونهم من دنانير وكسوة ثياب، وبقر وغنم ودواب وغير ذلك مما يقع عليه اسم مال، هل يبيح لهم أخذه، وقبوله منهم ام
لا؟ فإن أبحته لهم هل يسوغ لهم دفعه فيما عليهم من التباعات أم لا والتخلص منه إذا وقع بأيديهم، أن يعطوه على وجه التبرئة؟
هل يأخذ المديان من الزكاة ومن بيت المال؟
بين لنا هذه الوحوه كلها: ما عرفنا منها بسؤالنا، وما لم نعرفه وتعرفنا، أيضا، ما حال من احاط الدين بماله، هل يسوغ له أخذ الزكاة المفروضة، وأخذه من بيت مال المسلمين، أم لا؟ وما حال من عليه تباعات الناس، هل له سعة في اخذ الزكاة، ومال بيت مال المسلمين؟
بين لنا - أعزك الله - جميع ما سألناك عنه، وكشفنا عليه، يعظم الله أجرك ويحسن على طاعته عونك، وبين لنا - أبقاك الله - اختلاف اصحاب مالك في ذلك وتنص قول تكلم في ذلك وتسميته ان استطعت، وخف ذلك عليك.
وهل على الرجل المذكور، في هذا السؤال، زكاة الفطر من هذا المال أم لا؟
بين لنا في جميع هذا ان شاء الله تعالى.
جوابها.
تصفحت - وفقنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه.
واذا كان الرجل الذي عليه التباعات من ظلامات الناس في اموالهم قد تاب إلى الله، مما اقترف من ذلك، ورجع إلى ربه، فأدى مما
بيده من المال، لمن عرف أن قبله تباعه وحقا ماله قبله، ثم تصدق بباقي ما عنده عمن منهم ويئس من معرفتهم حتى لم يبق عنده منه شيء؛ فقد بلغ الغاية التي عليه في التوبة، وانتهى إلى [214] النهاية التي يجب عليه فيها فما اكتسب بعد ذلك من المال او أفاده بوجه جائز فله ان ينفق منه على نفسه وعياله ويؤدي منه ما يجب عليه من الكفارات، وزكاة الفطر، اذ ليس التصدق عليه بجميعه واجبا، كالمال الذي كان تعدى فيه، وأخذه من غير حلة، وانما يستحب له ذلك.
هذا الذي ياتي في ذلك على مناهج قول مالك، رحمه الله، وما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، والا فشانك بها.
واما ما أعطاه اخوانه المرابطون من الدنانير والدراهم والعروض والحيوان الحلال، التي صارت اليهم بوجبه جائز فله ان ياخذه إذا كان الذي يعطيه ذلك منهم غير مستغرق الذمة بما عليه من التباعات، يعلم ان بيده من المال، بعد ما عليه من التباعات، مثل ما يعطيه فأكثر.
وأما من كان منهم مستغرق الذمة بما عليه من التباعات والظلامات فلا ينبغي له ان ياخذ منه شيئاً مما يعطيه، إذا اراد التورع والاستبراء لدينه وعرضه اذ قد اختلف اهل العلم في ذلك فهو
من المشتبهات التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه.
وأخذ الدنانير والدراهم منه أكره له من أخذ العروض، التي يعلم أنها صارت اليه بوجه جائز من شراء أو ميراث.
وأما ما صار منها بغير وجه جائز، فلا يحل له أخذها منه بوجبه من الوجوه فان فعل كان، في ذلك، بمنزلته وذلك بخلاف الدنانير والدراهم المغتصبة بأعيانها إذ قد قيل فيها: انها تضمن بالغيبة عليها.
واذا استجاز أخذه منهم من ذلك على الوجه المذكور، كان له أن يتصدق به، فيما عليه من التباعات.
واما من احاط الدين بماله، فله أن يأخذ الزكاة المفروضة، إذا كان مطلوبا بالدين لقول الله عزو جل: والغارمين، الآية.
وأما بيت المال فله أن يأخذ منه ما أعطاه منه الإمام بوجه الاجتهاد والنظر، وان كان له مال ولم يكن عليه دين.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
قاله محمد بن رشد.
اعادة السؤال حول موضع الاستدلال من حديث اللقطة
فلما وقف السائل على هذا الجواب، عقب بالسؤال عن بعض فصوله، بأن قال: وقفت - وصل الله توفيقك، وقضى عن الجميع حقوقك - على جوابك الكريم وعلى قولك في المال الذي اكتسبه من وجه جائز: انه لا يجب عليه التصدق بجميعه، وانه الذي يأتي على مناهج قول مالك، رحمه الله، واستدلالك عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم، في اللقطة.
وقد خفي على - أعزك الله - وجه الدليل منه، فلك الفضل في بيان ما أشرت اليه من ذلك مأجورا مشكورا ان شاء الله تعالى.
فجاوب - وصل الله توفيقك - عن ذلك: وقفت - وفقك الله واياي - على ما استفهمت عنه، وأردت الوقوف عليه، من موضع الدليل من الحديث، الذي ذكرته على صحة ما أجبتك به في السؤال الواقع في بطن هذا الكتاب.
وموضع الدليل منه ان النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح لملتقط اللقطة إذا عرفها سنة، فلم يأت صاحبها، أن يستنفقها، ولم يأمره بالتصدق بها عنه على ما حمل عليه اهل العلم قوله، عليه السلام: فشأنك بها؛ إذ قد جاء ذلك نصا جليا في غير هذا الحديث الا أن من اهل العلم من كره له أكلها، كان غنيا أو فقيرا، ومنهم من كرهها، له إذا كان
غنيا ومنهم من كرهها له إذا كان فقيرا؛ مخافة أن يأتي صاحبها في شيء من ذلك كله.
فحصل الاجماع من العلماء على اباحة أكلها، وسقط وجوب التصدق بها إذا لم يخش وجوب اتيان ربها، أو أمن من ذلك.
واذا جاز ذلك في اللقطة، مع ان صاحبها لو جاء لكان له حق في عينها، كان أحرى ان يجوز ذلك في هذا المال الذي اكتسبه بوجه جائز، من عليه تباعات لمن لا يعرفهم، اذ لو جاؤوا أو جاء احد منهم لم يكن له حق في عينه، لثبوت حقوقهم، قبل، في ذمته.
وعلى هذا المعنى قال مالك رحمه الله، في رواية أشهب عنه من كتاب الجهاد من العتبية، فيمن انصرف من الغزو إلى بلده، فوجد في كبب خيوط، اشتراها من المغنم، صليب ذهب، زنته سبعون مثقالا: أنه لا بأس عليه فيه، اذ قد رجع إلى بلده وتفرق اهل الخميس إلى بلادهم، وهو لا يعرفهم.
[215] فلهذا قلت: ان جوابي على منهاج قول مالك، رحمه الله، لأن من يتعين له حق في عين هذا الصليب، وفي ذمة الذي وجده، ان اكله، جماعات لا يعرفهم كما أن التباعات والظلامات، التي على هذا الرجل لجماعات لا يعرفهم فاستويا في المعنى، بل هذا في الجواز أحرى من اجل أن أصحاب هذه التباعات، لو قدموا، أو قدم أحد منهم، لم يتعين له حق الا في ذمته، لا في عين ما في يده من هذا المال
الذي قد اكتسبه بوجه جائز، بخلاف الصليب الذي قال فيه مالك ما قال وبخلاف التي جاء الحديث فيها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بإباحة أكلها للملتقطها.
وتحرير القياس في ذلك ان نقول: ان هذا المال الذي بيد الذي عليه التباعات صار اليه بوجه جائز، قد أمن من أن يطلبه فيه أحد من اهل تباعاته؛ اذ لا يعرفهم، فجاز له ان يأكل، ولم يجب عليه التصدق به الا استحبابا؛ أصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، لواجد اللقطة إذا بلغ الذي عليه فيها، وامن من ان يأتي لها طالب شأنك بها، وقول مالك لواجد الصليب، الذي قد أمن من أن يأتي طالبوه، لتفرقهم وجهله بهم: " لا بأس عليك فيه "
فهذا بيان ما سألت عنه مشروحا مبينا عنيت بشرحه، وبيانه، على ما رغبته، لتسكن نفسك إلى ما جاوبتك به، فيما السلعة؟ ألتني عنه لوقوفك على الحجة فيه، قال أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي.
والله ولي التوفيق لنا ولك برحمته، لا رب سواه.