[354]- من طنجة: حول الفتوى، والاجتهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، بعض نبهاء طلبة العلم من طنجة، كلأها الله يسأله عن شأن الفتوى، والمفتي، والقاضي الملتزم لمذهب مالك، في ذي القعدة سنة تسع عشرة وخمس مائة.
ونص السؤال.
من أوله إلى آخر حرف فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على محمد، وعلى آله، وسلم يسليما.
أيها الإمام الأجل، والقدوة التي يقتدى بها، مَنْ إليه العقد والحل، وصل الله لك ما منحك، من التأييد، بالتأييد، وأكد ما وهبك، من التسديد، بالتجويد، وجمل ما ألحفك من أرديته، بالبعد عن مؤذية صديق الإنصاف ومرديته.
واجب على من أهمته في يقينه مهمة، وألمت به في دينه ملمة، أن يتوخى أقرب الخلق في اعتقاده إلى الحق، فيسأله سؤال تمجيد
وتوقير، بغاية ما عنده من بحث وتنقير، ليبرأ فيما عليه من عهدة التكليف، ويقوم، في، الحنيفية، بالمقام الشريف.
وقد عرضت لنا مسائل مشكلة، مثكلة، لم نجد إلا مصباحك لاندفاع ظلم إشكالها، ولم نعتقد إلا رياحك لانقشاع ضرم إثكالها، ورغبنا إليك - أحسن الله ذكراك - أن تتصفح ما رسمنا منها، وتسمع بالجواب عليها، أنت إلى الذخر الكريم، والأجر العميم، أهدى، ورغبتك في الثواب أنفع لديك من رغبتنا إليك، وأجدى، ولا زلت موفقا، معانا، بقدرة الله ومنته تعالى.
رسالة، مع السؤال، من المقريء بطنجة أحمد المري
قال الفقيه أبو الحسن في السؤال: ورد من عند الأديب الأستاذ النبيه، المقريء بطنجة، أحمد بن محمد المري، رحمه الله، وكتب معه رسالة، نقلتها من خط يده هذه نسختها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على محمد وآله، وسلم تسليما:
الفقيه الإمام، الأجل، المشاور الأفضل، أبو الوليد، حرس الله للإسلام بحراسته، ملتزم إعظامه، أحمد بن محمد، وسند الله بالإمام الأجل الأثير المحل، معاهد الإسلام، وأيد بعزائمه الميمونة، وصرائمه المأمونة، معاقد الأحكام، وأعلى كلمة ذكره في السادة الأعلام، وأبقى له لسان الصدق بقاء الليالي والأيام، من اقتبس من بعيد - أدام الله توفيقك - علما ضعف اقتباسه، وإن تقطعت، حرصا عليه، أنفاسه.
فإن ما صدر على الصدر، فاستأذن على الإذن، بلا واسطة، تعاونت
على إدراجه، وتنوير سراجه، العبارة والإشارة، والقوارير المستنارة، فأما الحروف المرسومة، والظروف الموسومة، وهي السفير بيني وبين الإمام الأجل، أعان الله على بره، فما تنطلق رمزا، وتمسك عن التفسير عجزا، فإن استعنت بفهمي عليها، فقد استعنت بقصير لا يدرك، وفقير لا يملك.
من به أجد في قطري جليلا يشفي غليلا، أسأل الله، جل اسمه: أن يمد للمسلمين في حياته، وسلامة ذاته، حتى أراني لقيت المعارف بين يديه مجيلا، وممن يطوف بكعبته بكرة وأصيلا، مجول الله تعالى وقدرته.
كتبته عن إعظام لذكره اتخذته خدينا، واعتقدته دينا، واهتمام بالسوال عن أحواله الغالية، لازمته ملازمة الكيان للشخص، والبيان للنص، وطويته على مسائل من المهمة، الواضح أثرها في الدين والهمة، ورغبتي إليه ألا تهون رغبتي هذه عليه، وأن يراجع، فيما سألت عنه، بما يشبه المعهود منه فعله، مأجورا مشكورا، إن شاء الله عز وجل.
وسلام الله سبحانه على حضرة الإمام، الأجل، مزكوا، ورحمة الله وبركته.
أنواع المفتين: المفتي النظار، المفتي المقلد، المقلد المحروم الكفاءة.
المسألة الأولى من المسائل المذكورة: تذاكر جماعة ممن تنسب إلى العلوم، وتتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم، شأن الفتوى والمفتي، وكلهم يشير إلى نَفْسِهِ بالاستحقاق، وإلى أبناء جنسه بالإخفاق، وأكثروا الخوض في الاجتهاد والتقليد، والفرق بين الذكي والبليد، وفيمن التفت عليه أطراف تلك الساعة، من لا يسلم لواحد من تلك الجماعة، فقال: الفتوى على الإطلاق، محظورة، وغير محظورة، والتي هي غير
محظورة إظهار الأحكام الشرعية، بالانتزاع من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس.
والفائز بهذه الرتبة هو الفقيه النظار، وليست الفتوى بالفقه المشهور، ولكنها ثمرة معرفة الفقه.
فأما الحافظ الذاكر لما في أمهات مسائل مذهبه من الأحكام الشرعية، فهو الفقيه المقلد، وقد اختلف العلماء في جواز فتواه، وذلك بشرط أن يكون له من الذكاء، والفطنة، وسلامة القريحة، ما يميز به، فيما هو موجود في أمهات مسائل مذهبه، بين ما هو من المذهب، وما ليس من المذهب، ويميز به، في المذهب بين ما هو مجمل، وما هو مفسر، ويميز، في الروايات، بين ما هو خلاف قول، وما هو خلاف حال، وما هو خلاف لفظ، وبين ما ينبني من الروايات، وما لا ينبني.
بالجملة: فالمقصود أن يحصل عنده أصل المذهب منقولا بوجه صحيح، وأن يحصل له، في كل ما له أن يفتي به من المذهب، يقين أو ظن غالب.
فإذا نزلت نازلة، وأفتى من هذه صفته، بما وجد في كتب مذهبه، من مذهبه، بالفتوى التي هو عالم بأنها هي المشتملة على حكم النازلة، بعلم قاطع، أو ظن غالب، لم ينتزع ذلك من الكتاب ولا في السنة، ولا من الإجماع، ولا من الاعتبار، فتلك الفتوى هي فتوى التقليد، وذلك المفتي هو الفقيه المقلد، والذي في حفظي على مذهب مالك، رحمه الله: أنه تجوز فتواه على الإطلاق، وبه قال جمهور العلماء، خلافا لأحمد بن حنبل، ومن أخذ بقوله.
ولابد للرجلين - نعني: النظار، والمقلد - من الورع في فتواه،
حتى لا يفتي واحدا منهما في حق جميع الخلق إلا بما هو الحكم عنده.
فأما الفقيه المقلد، إذا لم يكن له من الذكاء، والفطنة، وكمال القريحة، والفطرة، ما يميز به ما ذكرناه من الوجوه، فليس للفتوى إليه طريق، ولا له في أربابها فريق، فإذا تعرض للفتوى فقد تعرض لما لا ينبغي، ولعله من الجهال المشار إليهم بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يقبض العلم من الناس انتزاعا، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ".
هذا معنى ما وقع في المجلس المذكور، وفيه زيادة تكميل وبيان.
ما هي الأخطار لو منع المقلد، والمقلد غير الكفء، من الإفتاء؟
فلما سمعته الجماعة المذكورة، أنكرته إنكارا، واعتقد صاحبه حمارا، وزعم بعضهم أن هذا المذهب محال؛ لأن الأحكام ضرورية الوجود، في كل مَدَرَة، والإمام النظار لا يوجد البتة، أو يوجد قليلا جدا، لا يمكن أن يعم بفتواه جميع الأقطار للمذهب الواحد.
قال: وقد زعمت أن فتوى التقليد لا تجوز في مذهب مالك، وأن فتوى الثالث لا تجوز في مذهب أحد فالحاصل عن ذلك: أن أقطار مذهب مالك، رحمه الله، قد عمها ما لا ينبغي، واستولى عليها الباطل، لعلمنا أنه ليس فيها إمام نظار.
قال صاحب هذا الكلام الأول: هذه مغالطة بعد ظهور الحق؛ أن الله سبحانه لا يدع الخلق عبثا، ولا يجعل الحق خبثا، وما
دامت الشريعة لازمة الخطاب للأمة، فلا بد لها من إمام، وفي عصرنا جماعة، منهم الفقيه الأجل، أبو الوليد ابن رشد، أدام الله توفيقه، في أقطارنا هذه، فهو إمام الوقت، والحجة على المستفتين، وتفرق المجلس.
فالرغبة إليه - أعلى الله كلمته الحق بلسانه، وميز رجحانها في ميزانه - أن يبين لنا ما في المجلس المذكور من الغلط إن كان، وهل هو جار على أصول مذهب مالك، رحمه الله، أو لا؟
وتمام ذلك: أن تذكر لنا صفة المفتي، الذي ينبغي أن يكون عليها في عصرنا هذا، وعلى طريقة أصول المذهب.
وبالجملة، بين لنا ما هو اللازم في مذهب مالك لمن أراد، وقتنا، أن يكون مفتيا بمذهب مالك، وكيف الحكم في القاضي، إذا كان ملتزما للمذهب المالكي، وليس في قطره من نال درجة الفتوى، ولا هو في نفسه أهل للفتوى، هل تمضي أحكامه، وفتاويهم على الإطلاق، أو ترد على الإطلاق، أو يختلف الجواب وينقسم؟ وكيف الحكم إن رفع أمره إلى الوالي الأعلى، في قطر من الأقطار الصغار، التي لا تشتمل على مُبَرَّر في الفتوى أن من فيه من الحاكم والفقهاء بالصفة المذكور، هل يقبل قوله، وينظر في كشف ما قاله، أو يرد قوله، ولا يلتفت إليه؟
بين لنا، بطولك، ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب - أمتع الله المسلمين ببقائه، وزاد في رفعته وعلائه - بما هذا نصه: تصفحت أرشدنا الله وإياك إلى الصواب، برحمته - جميع ما سألت عنه، ووقفت على ما استفتحت به السؤال من أن جماعة ممن ينتسب إلى العلوم، ويتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم، تذاكروا شأن الفتوى والمفتي، فاختلفوا في معنى الفتوى، وفي صفة المفتي.
طوائف الفقهاء المعاصرين له والذي أقول به في هذا: أن الجماعة، التي ذكرت أنها تنتسب إلى العلوم وتتميز من جملة العموم المحفوظ والمفهوم، تنقسم على ثلاث طوائف:
[1]- طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا، بغير دليل، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله، وأقوال أصحابع، في مسائل الفقه، دون أن تتفقه في معانيها، فتميز الصحيح منها من السقيم.
[2]- وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله، التي بناه عليها، فأخذت أنفسها، أيضا، بتحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه، في مسائل الفقه، وتفقهت في معانيها، فعلمت الصحيح منها، الجاري على أصوله، من السقيم الخارج عنها، إلا أنها لم تبلغ درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول.
[3]- وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها، أيضا، من صحة أصوله، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله، وأقوال أصحابه، في مسائل الفقه، ثم تفهمت في معانيها، فعلمت الصحيح منها، الجاري على أصوله، من السقيم الخارج عنها، وبلغت درجة التحقق، بمعرفة قياس الفروع على الأصول، لكونها عالمة بأحكام القرآن، وعارفة بالناسخ منها من المنسوخ، والمفصل من المجمل، والخاص من العام، عالمين بالسنن الواردة في الأحكام، مميزة بين صحيحها من معلومها، عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وما اتفقوا عليه، أو اختلفوا وعالمة من علم اللسان ما تفهم به معاني الكلام، بصيرة
بوجه القياس، عارفة بوضع الأدلة (فيها) مواضعها.
[1]
فأما الطائفة الأولى، فلا يصح لها الفتوى بما علمته، وحفظته، من قول مالك، أو قول أحد من أصحابه؛ إذ لا علم عندها بصحة شيء من ذلك، وإذ لا تصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم، ويصح لها في خاصتها، إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه، أن تقلد مالكاً، أو غيره من أصحابه، فيما حفظته من أقوالهم.
وإن لم تعلم من نزلت به نازلة بما حفظته فيها من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، فيجوز، للذي نزلت به النازلة، أن يقلده فيما، حكاه له من قول مالك في نازلته، ويقلد مالكاً في الأخذ بقوله فيها، وذلك، أيضاً، إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها.
وإن (كانت) النازلة قد علم فيها اختلاف من قول مالك وغيره، فأعلمه بذلك، كان حكمه في ذلك بحكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته، فاختلفوا عليه فيها وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يأخذ بما شاء من ذلك.
والثاني: أنه يجتهد في ذلك، فيأخذ (بقول) أعلمهم.
والثالث: أنه يأخذ بأغلظ الأقوال.
[2]
وأما الطائفة الثانية فيصح لها، إذا استفتيت، أن يفتي بما علمته من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، إذا كانت قد بانت لها صحته، كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ولا
يصح لها أن تفتي بالاجتهاد، فيما لا تعلم فيه نصا، من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، وقد بانت لها صحته، إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد، التي يصح لها بها قياس الفروع على الأصول.
[3]
وأما الثالثة فهي التي تصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول، التي هي الكتاب وا السنة، وإجماع الأمة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة، أو على ما قيس عليها إن عدم القياس عليها، أو على ما قيس على ما قيس عليها، إن عدم القياس عليها.
وعلى ما قيس عليها.
ومن القياس جلي وخفي، لأن المعنى، الذي يجمع بين الفرع والأصل، قد يعلم قطعا بدليل قاطع، لا يحتمل التأويل، وهو على وجوه، وقد يعلم بالاستدلال، فلا يوجب إلا غلبة الظن وهو أيضا على وجوه، ولا يرجع إلى القياس الخفي إلا بعد عدم الجلي، وهذا كله يتفاوت العلماء في التحقيق بالمعرفة به، تفاوتا بعيدا، وتفترق أحوالهم، أيضا، في جودة الفهم لذلك، وحدة الذهن فيه، افتراقا بعيدا؛ إذ ليس العلم، الذي هو الفقه في الدين، بكثرة الرواية، والحفظ، وإنما هو نور يضعه الله حيث يشاء، فمن اعتقد في نفسه أنه ممن تصح له الفتوى، بما آتاه الله عز وجل من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم، جاز له، إن استفتي، أن يفتي، وإذا اعتقد الناس ذلك فيه، جاز أن يستفتى، فمن الحظ للرجل ألا يفتي حتى يرى نفسه أهلا لذلك،
ويراه الناس أهلا، على ما حكى مالك من أن ابن هرمز أشار بذلك على ما استشاره السلطان: فاستشاره في ذلك.
وقد أتى ما ذكرناه على ما سألت عنه من بيان ما جرى في المجلس من غلط إن كان، ومن بيان صفات المفتي، التي ينبغي أن يكون عليها، في هذا العصر، إذ لا تختلف صفات المفتي، التي يلزم أن يكون عليها، باختلاف الأعصر.
شروط المفتي على مذهب مالك
وأما السؤال عن بيان ما هو اللازم، في مذهب مالك، لمن أراد، في هذا الوقت، أن يكون مفتيا على مذهب مالك، فإنه سؤال فاسد، إذ ليس أحد بالخيار في أن يفتي على مذهب مالك، ولا على مذهب غيره من العلماء، بل يلزمه ذلك، إذا قام عنده الدليل على صحته، ولا يصح له، إن لم يقم عنده الدليل على صحته.
القاضي المالكي عندما لا يكون ببلده مفتٍ
والسؤال عن الحُكْم في القاضي إذا كان ملتزما للمذهب المالكي، وليس في قطره من نال درجة الفتوى، ولا هو في نفسه أهل للفتوى، قد مضى القول عليه فيما وصفناه من حال الطائفة التي عرفت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله، وتفهمت فيما حفظته من أقواله، فعرفت الصحيح منها من السقيم، ولم يبلغ درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول، لأنه لا يكون ملتزما للمذهب المالكي إلا
بما بان له من صحة أصوله، التي بناه عليها، ولأنه إذا لم يكن في نفسه أهلا للفتوى، فإنما ذلك من أجل أنه لم يبلغ درجة التحقق بقياس الفروع على الأصول.
فسبيل هذا القاضي، فيما يمر به من نوازل الأحكام، التي لا نص عنده، من قول مالك، أو قول بعض أصحابه، قد بانت له صحته: ألا يقضي فيها إلا بفتوى من يسوغ له الاجتهاد، ويعرف وجه القياس، إن وجده في بلده، وإلا طلبه في غير بلده، فإن قضى فيها برأيه ولا رأي له، أو برأي من لا رأي له، كان حكمه موقفا على النظر.
ويأمر الإمام القاضي، إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا كان في بلده من يسوغ له الاجتهاد: ألا يقضي، فيما سبيله الاجتهاد، إلا بعد مشورة من يسوغ له الاجتهاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.