[4]- وجه اختيار إحدى القراءتين المتواترتين.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وعما يقع في كتب المفسرين والمقرئين في اختيار إحدى القراءتين المتواترتين، وقولهم هذه القراءة أحسن، أذلك صحيح أم لا؟ فإن كان فَمَا وجهه؟.
والله تعالى يعظم على ذلك أجرك.
فأجاب وفقه الله على ذلك بهذا الجواب، ونصه من أوله إلى آخره: تصفحت - رحمنا الله وإياك ر- أسولتك هذه، ووقفت عليها.
[1]
فأما سؤالك الأول منها عما وقع في الموطأ من نحو: " سئل مالك عن
كذا "، و " قال يحيى: وسألت مالك، " هل هذا وشبهه مما زاده يحيى على ما كان ألفه في الموطأ أم حقيقته "؟.
فالجواب عن ذلك: أنه لا يصح أن يقال ولا أن يعتقد أن يحيى بن يحيى زاد في الموطأ شيئاً على ما ألفه مالك فيه، وليس فيه: " وسألت مالكا كما ذكرته، وإنما فيه كثير: " قال يحيى " و " سئل مالك "، و " قال يحيى "، و " سمعت مالكا يقول "، و " قال يحيى: قال مالك "،
العبارتان: " قال يحيى "، و " سئل مالك ".
فما فيه من قوله: " قال يحيى "، و " سئل مالك ". يحتمل وجهين:
أحدهما: أن مالكا لما ألفه، وكتبه بيده، قال فيه: " وسئلت عن كذا، فلما نسخه النقلة له، قال كل واحد منهم، في انتساخه له: " وسئل مالك "، إذ لا يصح أن يكتب الناسخ: و " سئلت "، فيوهم أنه هو المسؤول.
والوجه الثاني: أن يكون مالك، رحمه الله، لم يكتب الموطأ إذ ألفه بيده، وإنما أملاه على من كتبه، فأملى، فيما أملى منه: " وسئلت عن كذا وكذا "، فكتب الكاتب: " وسئل مالك "، إذ لا يصح إلا ذلك، وهذا بين.
العبارات: " سمعت مالكا يقول ": وحدثني مالك "، و " قال مالك ".
وأما قوله: " وسمعت مالكا يقول " فإنما قال في الموطأ فيما سمعه
منه، بلفظه وهو يسير من جملة الموطأ، لأن مالكا - رحمه الله - إنما كان يقرأ عليه، فيسمعه الناس بقراءة القاريء عليه، على مذهبه في أن القراءة على العالم أصح للطالب من قراءة العالم، فما سمعه عليه بقراءته، وبقراءة غيره، ولم يسمعه من لفظه، وهو الأكثر قال فيه: " حدثني مالك "، و " قال مالك "، وما اتفق أن يسمعه منه من لفظه، قال فيه: " وسمعت مالكا يقول كذا ".
ولو كان قد وقع فيه: " وسألت مالكا عن كذا " كما ذكرت، لاحتمل ذلك أن يكون قد سأل مالكا قبل أن يروي عنه الموطأ، فأجابه بما في الموطأ، فلما كتب الموطأ قال في ذلك الشيء: " وسألت مالكا عن كذا ".
فهذا بيان ما سألت عنه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[2]
وما وقع في المدونة من اختيار " ربنا ولك الحمد " بالواو، هو لمالك، والله أعلم، لأنه الظاهر؛ لأن ابن القاسم حكى اختلاف قول مالك في ذلك، ثم قال: " وأحبه إليَّ اللهم ربنا ولك الحمد ".
ووجه اختيار قول مالك بزيادة الواو: هو ما فيه من زيادة المعنى، لأن الواو، إذا سقط من الكلام، لم يكن فيه أكثر من الإقرار بوجوب الحمد لله رب العالمين، وإذا ثبتت فيه اقتضى الكلام الإقرار بوجوب الحمد لله رب العالمين، والدعاء إليه، والرغبة والطلبة في
الإجابة والقبول؛ لأن الكلام يكون فيه من الضمير، الذي لا يتم دونه ما معناه: اللهم استجب لنا كما وعدتنا، ولك الحمد على هديتنا، أو ما أشبه ذلك مما يصح أن يضم فيه من هذا المعنى.
ومثل هذا الإضمار كثير في القرآن، وفصيح الكلام، قال الله عز وجل: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63]، معناه: فضرب، فانفلق، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر.
وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]، فأضمر تعالى الجواب، وقيل: إن المضمر: لكان هذا القرآن، والله أعلم.
[3]
وقول غير ابن القاسم في كتاب الكفالة من المدونة، الذي سألت عنه، تفسير لقوْلِ ابن القاسم، لا اختلاف له، على ذلك حملناه عمن أدركناه من الشيوخ، وبه جرى العمل؛ لأنه صحيح في المعنى.
وبالله التوفيق.
[4]
وأما ما سألت عنه مما يقع في كتاب المفسرين والمقرئين من تحسين
بعض القراءات، واختيارها عن بعض، لكونها أظهر من جهة الإعراب، أو أصح في النقل، أو أيسر في اللفظ، فلا ينكر ذلك؛ كرواية ورش التي اختارها الشيوخ المتقدمون، عندنا، فكان الإمام في الجامع لا يقرأ إلا بها، لما فيها من تسهيل الهمزات، وترك تحقيقها في جميع المواضع.
وقد تؤول ذلك فيما روي عن مالك من كراهية النبر في القرآن في الصلاة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.