[4]- هل تتكرر يمين الاستبراء إذا بَعُدَ مَا بَيْن اليمين والاقتضاء؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأما الرابعة فقوله: يقع في البال - أدام الله عز معظمي - نتائج، وسؤالات، ومباحث تحقيقية، إن استقصي النظر فيها، خولف ما جرى عليه رسم الفتيا والحكم، وإن تغوفل عنها، بقيت في النفس حزة منها، وقد تقدم بي سؤال، أو سؤالان، من هذا الباب.
ومن ذلك - أعزك الله - ما جرى به الرسم في القضاء لمن أثبت حقا على غائب، أو ميت أو محجور، وشبهه من إحلافه يمين الاستبراء المعلومة، وهي موضوعة على تقدير دعاوى المحكوم عليه لو كان حاضرا، أو تسويغ حججه، فإذا حلف حكم للقائم بما أثبته.
وقد يكون بين وقت الحكم له وبين تأتي القبض مدة طويلة من جميع مال المحكوم عليه، أو بيع عقاره، أو المخاصمة فيما ثبت له من ديون، وتقدير الدعاوى في هذه المدة ممكنة، وفرض حجج المحكوم عليه سائغة غير مستحيلة ولا ممتنعة، كحالها أولا من إسقاط الدين المذكور، أو توجيه الغائب إليه به، كما لو كان حاضرا، فقام المطلوب بحجة من تلك الحجج، فلزم المدعى عليه بها، الذي هو الطالب، اليمين عليها، فحلف، ثم كسرنا مال المطلوب، وبعنا ربعه، وطال الأمد في ذلك، فقام المطلوب حينئذ يدعي أنه قضى خصمه أثناء ذلك من وجه وجهه، أو أن الطالب وهبه، أو أخذه، أو استحال بدينه، لكانت دعوى توجب اليمين.
فإن اتبعنا القياس في المسألة الأولى لم يكن فرق، ووجب تجديد اليمين حين قبض الدين، والناس على خلافه، فما وجه هذا عندك؟.
وكيف إن كان الدين، الذي ثبت، لغائب، نجوما، فأحلف يمين الاستبراء عند قيامه لأول نجم، هل يلزمه تكرار اليمين للنجم الآخر؛ لأنه إنما حلف أولا لما اقتضاه وحاز، أم تجزئة اليمين الأولى للجميع كما قالوا، فيمن حلف مع شاهده في حق، ثم ظهر أن له في شهادة ذلك
الشاهد حقا آخر، مما ينفع فيه الشاهد واليمين: أن اليمين الأولى تجزئه؟.
فرغبتي تأمل هذا الفصل، وتدبر هذا السؤال، والجواب عليه بما تؤجر وتحمد عليه، إن شاء الله تعالى، والسلام.
جوابها: تصفحت يا سيدي، أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته، ونفعك باجتهادك وتهممك، وبحثك عن حقائق الأشياء بحسن تدبرك، وأداك الإمتاع بك، وأنام أعين الحوادث عنك، برحمته.
وما ذكرته - أعزك الله - من أن يمين الحكم فيمن أثبت دينا على غائب وشبهه، إذا كان موضوعها استيفاء الحق للغائب فيما عسى أن يدعيه، فيلزم على قياس ذلك إذا استحلف، ثم تأخر القضاء: أن تعاد عليه، إذ لو كان حاضرا، فادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك، أو وهبه، لكان له أن يستحلفه، والناس على خلاف ذلك.
فالجواب عليه: أن ما الناس عليه من أن اليمين لا تعاد هو الصواب، إذ لو أعيدت اليمين عليه ثانية عند القضاء، لذلك الاحتمال الذي ذكرت، من أن يكون حقه قد وصل إليه في خلال تلك المدة، لوجب أن تعاد عليه كلما حلف، وجاء ليقبض يحقه، لاحتمال أن يكون قد وصل إليه حقه مع من بعث إليه به معه في طريقه من المسجد الجامع إلى دار القاضي، إلى ما لا نهاية له، وذلك ما لا خفاء في بطلانه.
واليمين الأولى التي استحلف بها، لا نص على وجوبها، لعدم الدعوى
عليه بما يوجبها، إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للغائب، وحياطة عليه، وحفظا على ماله، للشك في بقاء الدين عليه، أو سقوطه عنه فإذا حلف مرة، وتأخر القضاء، لم يصح أن يحلف ثانية، بالتوهم المحتمل.
ولا يشبه ذلك، إذا كان صاحبه حاضرا، فادعى عليه أنه قد قضاه بعد ذلك، أو وهبه إياه؛ لأن اليمين عليه واجبة في هذا الموضع بنص قول النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر ".
ولو تأخر القضاء بعد يمينه، إلى أن جاء الغائب، فأقام معه مدة، ثم غاب، لوجب ألا يقضي حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك ها هنا حاصل، كما كان أول مرة، وكذلك الدين المنجم لا يجب عليه فيه أن يحلف عن كل نجم إلا أن يقدم الغائب في خلالها، أو تبعد النجوم، بحيث يمكن أن يكون بعد أن قبض النجم الأول قد مضى، فاقتضى النجم الثاني، أو وكل من اقتضاه.
وأما إذا حلف مع شاهده في حق، ثم طرأ له في شهادته حق آخر، فليس عليه أن يحلف ثانية، كما ذكرت، ولا اختلاف في هذا، وقد تقدم جوابي إليك في مثله.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.