[4]- حول نص المدونة: " الحائض تَقْعُدُ أيام لداتها ".
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وفيما وقع في باب الحائض: " وقد روى علي بن زياد عن مالك: تقعد أيام لداتها " أهكذا الرواية فيه، أم: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك "، وتكون كرواية ابن القاسم، أم: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك.
وقال علي: إنها تقيم مقدار أيام لداتها ".
والله يعظم أجرك، ويجزل ذخرك، برجمته.
فأجاب وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليها.
[1]
والصلاة عند مالك رحمه الله، في أول الوقت أفضل، في جميع الصلوات إلا في مسجد الجماعات، فإن التأخير فيها شيئاً من أول الوقت أفضل ليدرك الناس الصلاة.
والدليل على صحة مذهبه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن أفضل الأعمال، فقال: الصلاة لأول ميقاتها.
وما روي عنه من أنه صلى الله عليه وسلم قال: " الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي وسطه رحمة الله، وفي آخره عفو الله ". فكان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، يقول: " رضوان الله أحب إلي من عفو الله " وقد قال الله عز وجل: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " [الواقعة: 10] فلا يكون من بادر إلى فعل الطاعة كمن تأنى فيها، ولم يبادر إليها.
وقد تأول بعض المتأخرين على مالك، رحمه الله، من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد: أن أول الوقت وآخره في الفضل عنده سواء، وهو تأويل بعيد؛ لأن مالكا، رحمه الله، لم ينكر حديث يحيى بن سعيد لما فيه من الدليل على أن أول الوقت أفضل من آخره، وإنما أنكره لاقتضائه العموم في ذلك، ومن مذهبه أن تأخير الصلاة في مساجد الجماعات أفضل، ليدرك الناس الصلاة، من المبادرة بها في أول أوقاتها.
وقد قيل: إنه إنَّما أنكره لأنه اقتضى عنده أن المصلي يأثم بتأخير الصلاة عن أول وقتها، وهذا لا يقول به إلا أهل البدع؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بين أول الوقت وآخره: " ما بين هذين وقت ".
وهذا التأويل على مالك إنما هو فيما عدا صلاة الصبح، وصلاة المغرب، أما صلاة الصبح فالنص الوارد عنه في ذلك أن التغليس بها أفضل، بدليل مداومة النبي صلى الله عليه وسلم، على ذلك؛ إذ لا يصح أن يداوم النبي صلى الله عليه وسلم، على التغليس بها، وهو أشق على الناس إلا لما في ذلك من زيادة الفضل، إذ لو استوى الفضل في ذلك لداوم على الأيسر على الناس، لأنه إنما بعث ميسرا، ولم يبعث معسرا، وقد قالت عائشة، رضي الله عنها، " ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمرين إلا اختار أيسرهما - ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه ".
وأما المغرب فالإجماع فيها على أن أول الوقت أفضل، إذ قد قيل: إنه ليس لها إلا وقت واحد.
[2]
وأما قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة في الأثر: أحسن ما سمعناه في ذلك وأعمُّه عندنا في مسح الرأس هذا " فالأظهر في ذلك، عندي، أنهما استحسنا جميع ما تضمنه الأثر من صفة الوضوء، وتكرر الغسل فيه، وعموم مسح الرأس، مع البداية لمقدمته، والرجوع إليه.
[3]
وأما ما وقع في المدونة من إنكار مالك لما أنكره بقوله: " قطرا قطرا "، فقد تُؤُوِّلَ أنه قال، في المكان الأول، إنكارا لقول من يقول: أن المستنكح بِالْمَذْيِ وضوء عليه، إلا أن يقطر مذيه، أو يسيل، وأنه في المكان الثاني، قاله إنكارا لقول من يقول: إن الوضوء لا يجزئ
حتى يقطر الماء عن الوضوء من أعضاء المتوضئ.
واستدل من ذهب إلى هذا بإدخال سحنون قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المذي عقب الأول، وبإدخاله عقب الثاني، قول مالك: " وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد ".
والأظهر عندي: أنه قاله، في الموضعين جميعا، إنكارا لمن يقول: إن الوضوء لا يجزئ حتى يقطر الماء من أعضاء المتوضئ عن الوضوء، لأنها حكاية واحدة، تكررت في الموضعين؛ وقد دل على أنه أراد ذلك، أيضا، في الموضع الأول قوله فيه: " فهل حد في هذا أنه يجزئ " ما لم يقطر أو يسيل؟ فقال: ما سمعته حد في هذا حدا، ولكنه قال: يتوضأ.
[4]
وأما ما وقع في باب الحائض فالرواية فيه: " وقد رواه علي بن زياد عن مالك: أنها تقيم قدر أيام لداتها "، وذلك سواء في أنها " تقعد فيما بينها ويبن الخمس عشرة ليلة "، وانفرد علي بن زياد بالرواية عنه: " أنها تقيم قدر أيام لداتها ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.