[356]- ما هو مدى ضرر البناء الممنوع بين الجيران؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، من كورة جيان، بنسخة عقد ثبت في شأن بنيان بناه رجل في داره، فأضر ذلك بدار جاره، وتحت نسخة العقد سؤال في القضية.
ونص ذلك كله من أوله إلى آخر حرف فيه:
عقد بإثبات ضرر الحيلولة دون الهواء والشمس، وأضرار ماء المطر.
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
نهض، على أمر الفقيه صاحب الأحكام بجيان وأعمالها، أبي فلان، وفقه الله، المسمون أسفل هذا العقد، من الشهداء العارفين بأمور البنيان، وعيوب الديار، وعقود الجدرات، إلى دار عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع الغافقي، ودخلوها، ونظروا إلى الجدار الشرقي من ساحتها الحاجز بين دار عبد الملك بن محمد بن معارك العقيلي، وبينها، وكلتا الدارين برحبة ابن يوسف من مدينة جيان.
فدلهم النظر إليه، والعيان له: أن الجدار المذكورة مشتركة بينهما، بنصفين، ورأوا أن عبد الملك المذكور قد رفع على حظه من الجدار
- غرفة ارتفاعها أربعة ألواح من ألواح البنيان، بحرف كذانة، وأنها ثالثة لطبقتين تحتها، وكل ذلك على دار عيسى المذكور ومواجهها، ومقابل لبيوتها: سفلها وعلوها، فوقفوا على ذلك كله، وأمعنوا النظر إليه، والتثبت فيه، وتحققوا أن ما أحدثه عبد الملك المذكور من البنيان على دار عيسى المذكور، ضرر بين، لعلل يأتي ذكرها:
فمن ذلك أن عواصف الرياح، مع الأمطار الدائمة، تضرب جدار الغرفة، وتأخذه، وتتمكن منه فينعكس ماء المطر، ويرجع إلى دار عيسى، ويقع فيها، وينفرش عليها، لارتفاع جدار الغرفة، وما تحتها، وأنه يتوقع هدمها على دار عيسى المذكور، وفساد ما تحتها بطول المدة.
وأنه أظلم عليها ساحتها، وبيوتها سفلها وعلوها، لامتناع الشمس والضوء من دخولها: إذ الغرفة المحدثة المذكورة، في الجهة الشرقية منها.
وأن الريح لا تنزل إليها.
ورأوا أن هذا البنيان المحدث أضر بدار عيسى المذكور ضررا ينقض من ثمنها السدس، أو نحوه بما ذكر، وأنه لا يؤمن سقوطها عند هبوب الرياح وتواليها، وهز الزلازل وعواديها.
تحقق عندهم جميع ما ذكر تحققا لا يشكون فيها، ولا يرتابون.
شهد بذلك كله من نظر إليه بأمره، وفقه الله، وطاف عليه من ذلك، وتحققه وفحص عليه، وذلك في شهور كذا، من سنة كذا ". السؤال.
تصفح - رضي الله عنك - العقد الواقع أعلى هذا السؤال، وجميع فصوله، على حسب ما تضمنه، من بنيان الغرفة، المضرة بدار عيسى المذكور فيه الضرر المفسر فيه، هل ذلك مما يوجب على عبد الملك هدم ما بناه، وإذا كان بنيان عبد الملك لما بناه لسبب مغيب عيسى المذكور عن جيان، وبغير أمره، وبغير مقاسمة له منه في الجدار المذكور؟ وهل البناء في الطائفة الشرقية مما يخالف البنيان في سائر بنيان الطوائف، لامتناع المنافع من الجهة الشرقية، أم ذلك سواء؟
فتأمل ذلك وفقك الله، وبين لنا الواجب في ذلك يعظم الله أجرك.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، وما انتسخ فوقه، ووقفت على ذلك كله.
وليس هذا من الضرر الذي يجب الحكم بقطعه، على المشهور في المذهب، وقد قيل: إن ذلك يجب، فالذي أراه في هذا: أن يركب قاضي البلد، وفقهاؤه، وعدوله، إلى هذه الدار، فيقفوا على هذا الضرر، لأن قدره لا يتبين إلا بالوقوف عليه، فإن تبين لجميعهم تبينا لا يشكون فيه: أن الضرر الداخل على صاحب الدار ببقاء البناء، للمعاني التي ذكرت، أكثر من الضرر الداخل على صاحب البناء بهدم بنائه، ومنعه من الارتفاق به، هدم عليه، وإلا لم يهدم؛ لأن الأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتمع ضرران نفي الأصغر للأكبر ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.