[339]- حول الآية: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، يسأل عن معنى قول الله، عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] وما ذكر مكي في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له: إن هذه الآية محكمة، إلا ما خصصته السنة من الحج عن الميت، فهل يجوز لأحد أن يعتمر عن أحد، أو يقرأ قراءة، ويتصدق بفضلها على حي أو ميت، أو لا يجوز شيء من ذلك، إلا الحج عن الميت خاصة؟
فجاوب، وفقه الله على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وقد قيل في قوله الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، إنها آية محكمة غير منسوخة، إلا ما خصص منها بالسنة، كما قال مكي، رحمه الله، وقيل: إنها منسوخة بقول الله عز وجل: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانهم ألحقنا بهم ذرياتهم) وليس ذلك يبين؛ لأن
النسخ إنما يكون فيما تعارض من القول، ولا يمكن الجمع بينه بتأويل، وليس في قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] نص على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له عمل غيره، ولم يعمله لنفسه؛ ألا ترى أنه لو قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] أو سعاه له غيره لا لنفسه، أو نوى عمله ولم يعمله، لم يكن كلاما متنافيا.
والآية إنما هي إعلام بما في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام؛ فإن كانت على عمومها في جميع الأحوال فليس هذا حكم أمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى قد تفضل عليها بأن كتب لها كثيرا مما لم تعمل، على ما نطق به القرآن، وتظاهرت به الآثار.
من ذلك قول الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95].
فدل على أنه يستوي القاعدون من أولي الضرر مع المجاهدين.
وقال صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته: " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا وهم معكم، حبسهم العذر ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من امريء تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته ر، وكان نومه عليه صدقة ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من داع يدعو إلى هُدى إلا كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ".
وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: إن أمي قد افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم.
وخرج سعد بن عبادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض مغازيه، فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيما أوصي؟ إنما المال مال سعد؛ فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة قيل ذلك له، فقال سعد، يا رسول الله، هل ينفعها أن أنصدق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها.
لحائط سماه.
فاتفق أهل العلم على أنه يجوز أن يتصدق الرجل عن الرجال، ويعتق عنه، وعلى أنه لا يجوز أن يصلي أحد عن أحد؛ واختلفوا في الصيام والحج، والمشي، فمالك لا يرى أن يحج أحد عن أحد، إلا أن يوصي بذلك، فتنفذ وصيته، لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة للاختلاف فيه.
وأما من مات وعليه صيام، أو نذر مشي، فلا يصام عنه، ولا يمشي عنه، ولا تنفذ وصيته في ذلك، وإن أوصى به.
ويهدي عنه في المشي، قيل: هديان، وقيل: يهدي عنه من الهدايا بقدر الكراء، والنفقة، ويطعم عنه في الصيام: مد عن كل يوم لكل مسكين.
وسحنون يرى أن تنفذ وصيته بالمشي، كما تنفذ وصيته بالحج، وابن كنانة لا يرى أن تنفذ وصيته لا في الحج، ولا في المشي، واستحبَّ مالك لمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي له بما وعده به من ذلك.
وإن قرأ الرجل القرآن، ووهب ثواب قراءته لميت، جاز ذلك، وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه، إن شاء الله.
وبالله التوفيق، لا شريك له.