[322]- بناء المحبس في أرض حبسها للدفن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، من كورة غلييرة بسؤال يسأل فيه عن رجل، حبس أرضا له لدفن موتى المسلمين، ثم بنى، بعد مدة، في قطعة منها حماما، هل يجوز له ذلك أم لا؟.
ونص السؤال: الجواب، رضي الله عنك، في رجل حبس أرضا لدفن موتى المسلمين فحِيزَت الأرض، واحترمت بحرمة الأحباس، وأقامت مدة من ثلاثين عاما، يدفن فيها الموتى.
ثم إن المحبِّس المذكور تعدَّى على ناحية من الأرض، المحبَّسة، كانت منحدرة، لا يمكن فيها الدفن إلا بعد تسهيلها، فبنى فيها حماما لنفسه، فقال له بعض الناس عند بنيانه: كيف تبني في أرض محبسة؟ فقال: أنا أشهدكم أني إذا أكملت الحمام، فقد أعطيت ثمنه للجامع، فكمل الحمام، واستغله مدة من عشرة أعوام، أو نحوها، ولم يعط للجامع منه شيئاً.
فما يكون الحكم، أدام الله توفيقك، في الحمام، هل يهدم، أو يترك على حاله؟ وإن ترك على حاله، فلمن يكون؟ وما وجه الحكم فيما استغل في الأعوام السالفة من ذلك؟
بين لنا ذلك مشكورا إن شاء الله.
فجاوب، أدام الله توفيقه، على ذلك بأن قال: إذا كان الأمر على
ما وصفت، وثبت ذلك كله ببينة عَدْلَةٍ، لا مدفع فيها لباني الحمام، وجب أن يهدم، ويعاد موضعه مقبرة على ما سبل عليه، ويكون ثمن غلته في العشرة أعوام للجامع، ويجعل فيها ما يحتاج إليه.
وبالله تعالى التوفيق.
استغلال مكانة الأسرة لغصب أرض الحبس
فلما وصل هذا الجواب إلى السائل عنه، عقب بعد ذلك بسؤال ثان، في المسألة بعينيها، وهذا نصه:
ما تقول رضي الله عنك، في رجل غصب موضعا من فدان، محبس على مقبرة المسلمين، وكان الموضع جُرْفا، لا يمكن الدفن فيه، فبنى فيه حماما، وله، يستغله، نحو الاثنتي عشرة سنة، وكان له بالبلد جاه ومقدرة، بكون أمناء البلد، وعماله، أصهارَهُ؛ فرفع الأمر إلى قاض، وشهد عنده فيه، وحيز، وبقي الإعذار إلى بانيه.
فهل يهدم، إذا عرف غصبه إياه، أم لا؟ وإذا حكم القاضي به، هل يسوغ رد الحمام بعد تتبع ما يلزم فيه من الحكم، وتقصيه، إلى جامع البلد، لكون جامعه فقيرا لا شيء له، فيرد ما فيه مصلحة للمسلمين فيما فيه مصلحتهم، على ما رواه أصبغ عن ابن القاسم في بناء مسجد، وإدخال بعض المقبرة فيه؟.
يبن لنا ذلك، مأجورا إن شاء الله تعالى.
فجاوب وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت السؤال، ووفقت عليه.
وإذا أعذر إلى باني الحمام في الموضع المحبس للدفن فيما ثبت عليه من
ذلك، فلم يكن عنده فيه مدفع، فالواجب أن يهدم، ويُسَوَّى موضعه للدفن، على ما حبس عليه.
وقد سئلت عن هذه المسألة، فأجبت فيها بهذا.
وإن وجد من يتطوع بأن يعطي باني الحمام قيمة مَالَهُ فيه من نقض، وحجارة، ورخام، وآجر، وغير ذلك مما له فيه قيمة، إذا نقض، منقوضا، مطروحا بالأرض على أن يبقى الحمام محبسا على المسجد ولا يهدم: كان من الواجب أن يفعل ذلك، إذ قد أجاز أهل العلم أن تفرغ الأحباس بعضها في بعض، وليس لباني الحمام أن يمتنع من ذلك؛ إذ لا ضرر عليه فيه، إذا أعطي قيمة مَالَهُ قيمة من أنقاضه.
وكان في السؤال الذي تقدم جوابي عليه: أنه أشهد على نفسه بأن ثمن غلة الحمام للجامع، فإن كان الأمر على هذا، فيحاسب بثمن غلته في الأعوام الماضية بما يجب له من القيمة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.