[313]- الجمع بين أحاديث في الفقر والغنى تبدو متناقضة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسئل، رضي الله عنه، عن معنى أحاديث، وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغنى والفقر
ونص السؤال من أوله إلى آخره:
يتفضل الفقيه الأجل، القاضي الأفضل - أدام الله بركته، وأبقى للمسلمين نفعه - بالجواب فيما ورد من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنس رضي الله عنه، بأن يكثر الله عز وجل ماله، وولده، وما روي عنه، عليه السلام، من قوله لأحد الأنصار: " تحبني؟ " قال: نع.
قال: " اتخذ الفقر جلبابا "، ثم قال: " اللهم من أحبني فامنعه المال والولد، ومن أبغضني فارزقه المال والولد ". ثم قال: " للفقر إلي من يحبني أسرع من الماء من أعلى الجبل إلى الحضيض ".
هل هما متعارضان، أم يمكن الجمع بينهما؟
بين لنا بيانا شافيا، مأجورا مشكورا، إن شاء الله.
فأجاب، أدام الله توفيقه وتسديده، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ولا يصح أن تتعارض الآثار في هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ليس من الشرائع والأحكام، التي إذا تعارضت فيها الآثار كان الآخر منها ناسخا للأول إن علم الآخر من الأول، وإن لم يعلم الآخر من الأول، وجب العمل بالذي يترجح منهما بوجه من وجوه الترجيح.
فإن صحت هذه الآثار كلها، التي ذكرت، فلها وجوه تحمل عليها،
ينتقي بها التضاد والتعارض، عنها، وذلك أنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم، في أن الغنى أفضل من الفقر لمن يصلح بالغنى ولا يصلح بالفقر، وأن الفقر أفضل من الغنى لمن يصلح بالفقر، ولا يصلح بالغنى؛ لأن الله عز وجل على عباده حقوقا في حال الفقر، وفي حال الغنى، فمن قام بحقوق الله في حال الغنى، ولم يقم بها في حال الفقر، فالغنى له أفضل من الفقر، ومن قام بحقوق الله في حال الفقر، ولم يقم بها في حال الغنى، فالفقر أفضل له من الغنى.
هذا ما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم، وإنما اختلفوا فيمن كان يصلح بالفقر والغنى، لقيامه بحقوق الله، عز وجل، في كل واحد منهما، والأصح من القولين قول من قال: إن الغنى أفضل له من الفقر؛ لدلائل واضحة من القرآن، والسنن والآثار، ومن طريق النظر، أيضا، والاعتبار.
فنقول، فيما سألت عنه من الأحاديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم، علم أن أنس بن مالك ممن يصلح بالفقر والغنى، لقيامه بحقوق الله عز وجل، في كلتا الحالتين، فدعا له بالذي هو أفضل له، من أن يكثر الله ماله وولده، وعلم من الأنصاري الذي اختار له الفقر على الغنى، وحضه عليه بقوله: " إن كنت تحبني فاتخذ الفقر جلبابا "، أو كما قال: إن الفقر أفضل له من الغنى، لما خشي عليه من ألا يقوم بحقوق الله تعالى عليه حال الغنى.
وقوله، صلى الله عليه وسلم: " اللهم من أحبني فامنعه المال والولد " ليس على
عمومه، والمراد به: اللهم من أحبني - ممن يكون الفقر أفضل له من الغنى - فامنعه المال والولد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " ومن أبغضني فارزقه المال والولد "، دعاء منه صلى الله عليه وسلم، بأن يملي الله عز وجل، له ليزداد إثما، لأنه لا يبغضه إلا منافق لا يؤدي لله حقا في حال من الأحوال.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " للفقر إلى من يحبني أسرع من الماء من أعلى الجبال إلى الحضيض "، إعلام منه صلى الله عليه وسلم، بأن من أحبه ورغب فيما له عند ربه، سيجود بماله لله عز وجل.
حتى يبقى فقيرا منه في الدنيا، رغبة فيما له في ذلك عند الله في الدار الأخرى، وكم من الناس من قد فعل ذلك، لقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17].
وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، ومثل هذا المعنى في القرآن كثير.
وليس هذا بعام في كل من أحب النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث عموم، والمراد به الخصوص، وهو جائز كثير، موجود، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر "، وإنما أراد الكافر منهم، دون المؤمن، فكذلك أراد بقوله هذا الإخبار عمن أحبه، وتناهى في
الجود لله، والرغبة فيما له عنده، حتى بذل ماله كله في سبيل مرضاته.
وبالله التوفيق لا شريك له.