[305]- أم تسقط حق الحضانة، بعوض، عند الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسئل، رضي الله عنه، عن رجل طلق امرأته، وأسقطت عنه المرأة حضرانة ابنه معها، لعوض أخذته منه.
وهذا نص السؤال: رجل طلق امرأته، وله منها ولد تحضنه، فواطأت زوجها أبا الصبي على أن أسقطته الحضانة بعوض أخذته منه؛ هل ينفذ هذا العقد بينهما، أم لا؟ وكيف إن تعلق بالعوض غرر، هل يجوز، ويجري ذلك مجرى الخلع، أم لا؟ فإن المسألة اختلف أهل شورى الجهة، التي نزلت بها، فيها، فمنهم من أجاز بيع الحضانة، وقاسها ببيع الشفعة، ومنهم من منع ذلك، وأجرى المسألة على ما وقع في
المرأة إذا أرادت الحج، فمنعها زوجها، فبذلت له صداقها، على أن أباح لها ذلك، وعلى مسألة المرأة إذا نذرت صيام أيام، فمنعها زوجها، فبذلت له مالا على أن أباح لها صيام الأيام، على ما في علمك، أي القولين أجدر بالحق، وأولى بالصواب، مأجورا، إن شاء الله؟
فجاوب، رضي الله عنه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والذي أراه فيما سألت عنه، على منهاج قول مالك، الذي نعتقد صحته: أن ذلك جائز؛ لأن الحضانة حق للأم، إن شاءت أخذته، وإن شاءت تركته.
واختلف هل ذلك حق لها، تنفرد به دون الابن، أم لا، فقيل: إنها تنفرد به دونه؛ وقيل: إنها لا تنفرد به دونه، وأن له فيها حقا معها، لأنه إنما وجبت لها من أجل أنها أرفق به من أبيه، وأرأف عليه منه.
وهذا معنى ما يعبر به من الاختلاف في الحضانة، هل هي حق للأم، أو للولد؛ فعلى القول بأنها حق للأم تنفرد به دون الأب، يلزمها تركها له، على عوض، أو على غير عوض، ولا يكون لها أن ترجع فيها؛ وعلى القول بأن في ذلك حقا للولد، لا يلزمها تركها، ويكون لها أن ترجع فيها، تركتها، أيضا، على عوض أو على غير عوض، وترجع في العوض، إن كانت تركتها على عوض.
ولا وجه لقول من منع من ذلك، واحتج بما ذكرت؛ لأن ما اتفقا عليه إنما هو صلح صالحها بما أعطاها على أن سلمت إليه ابنه،
وتركت له حقها في حضانتها إياه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحلَّ حراما، أو حرم حلالا "، وليس في ترك الحضانة له، بما بذل لها على ذلك، تحليل حرام ولا تحريم حلال، فوجب أن يجوز ذلك.
وإذا جاز، عند مالك وأصحابه، رحمهم الله، إذا خافت المرأة نشوز زوجها عليها، وخَشِيت مفارقته إياها، أن تترك له حقها، الذي أوجبه الله تعالى لها عليه في ألا يؤثر عليها من سواها من أزواجه على مال يعطيها إياه، بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، جاز له أن تترك له حقها في حضانة ولدها منه، على مال تعطيها إياه، إذ لا فرق في المعنى بين الموضعين.
ومن قاس جواز ذلك على جواز تسليم الشفعة بعد وجوبها، على عوض، فما أبعد القياس!
وأما من منع من ذلك، قياسا على ما قالوه في المرأة تريد الحج، فيمنعها زوجها من ذلك، فتضع عند صداقها، على أن يبيح لها ذلك، فقد أخطأ في القياس؛ لأنه إنما لم يسقط عنه المهر بذلك، من أجل أنه يلزمه أن يأذن لها في ذلك، وذلك إذا لم تعلم أن الإذن لها في ذلك يلزمه، وأما إن علمت ذلك فتجوز عليها الوضيعة، والرواية بذلك منصوصة عن ابن القاسم.
ولو وضعت عنه على أن يأذن لها بالحج، قبل وقت الحج، أو في أوان الحج متطوعا، لسقط عنه بذلك المهر؛ إذ لا يلزمه أن يأذن لها في ذلك، فكذلك إذا أعطاها على أن تركت له حضانة ولدها منه، يجوز لها، إذ لا يلزمها ذلك.
وكذلك الذي بذلت لزوجها مالا، على أن يبيح لها صيام الأيام التي نذرت صيامها، إن كانت أيامها يسيرة، ليس له أن يمنعها من صيامها؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئاً على ألا يمنعها.
وإن كانت أياما كثيرة للزوج أن يمنعها من صيامها لما عليه في ذلك من الضرر، وجاز له أن يأخذ منها ما أعطته على ألا يمنعها، على القياس مسألة الحج.
ويجوز أن تترك له الحضانة على ثمرة لم يبد صلاحها، وما أشبه ذلك من الغرر؛ إذ ليس بمبايعة، وإنما هو صلح في غير مال، فيشبه الخلع.
وبالله عز وجل التوفيق، لا شريك له.