[301]- الفرق بين نكاح المتعة والزنا.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة نكاح من مدينة بطليموس.
سئل الفقيه الإمام، القاضي، أبو الوليد، رحمه الله، عن رجل من
أهل العلم والمعرفة الصحيحة، تزوج امرأة نكاح متعة، إلى أجل مسمى، بلا ولي، ولا صداق، إلا نصف درهم من هذه القراريط اليوسفية، فقرره الحاكم على الوطء، فأقر به، فأمر أن يقيم البينة على ما ادعى من هذا النكاح، فسار إلى داره، وسار معه غلام الحاكم، فأخرج صداقا، تضمن ما قال، وفيه شهادة شاهدين غير عدلين.
فقال له رجل من أهل المجلس: أما كفى أنك تزجت نكاح المتعة وهو حرام، وأوقعته بلا ولي ولا صداق، ما أنت إلا زانٍ.
فقال الناكح: لا أنكر تحريم نكاح المتعة، غير أني تعلقت فيه بما يحكى من الخلاف عن ابن عباس وغيره.
وسبَبُ هذا الزواج: أني علقتها، وكنت ممن لا يقدر على زواجها، صحيحا؛ مخافة أبي، ليس كان يتركني، ولا كانت تصلح لمثلي، فرأيت التعلق بالاختلاف المذكور خيرا من الزنا.
وقولكم: إني أوقعته بلا ولي ولا صداق، فهي صفة نكاح المتعة، ولا يحتاج فيه إلى أكثر من إذن المرأة، وأن تعقد له على نفسها؛ لأنها تؤاجر سلعتها، وإنما تحتاج إلى الولي في الموضع الذي يتأبد فيه ملك بضعها بوجه النكاح.
وأما قولكم: بلا صداق، فالقائل بجواز المتعة لا حد عنده لأقل الصداق.
وأما قولكم: لم أشهد عدولا، فلم أقدر أن أكشف الأمر إلى غيرهما، ولو دعوت عدولا، إلى أن يشهدا لي على ذلك، لما شهدا لي عليه فرأيت أن أصنع ذلك كله، ولا أزني.
ولعل الله أن يقبل هذا العذر، ويصنع بي ما هو أهله.
فالرغبة إلى فضل الفقيه الجواب في هذه المسألة، أن تبين ما يلزمه من حدِّ أو أدب.
وهل ذلك عذر يسقط عنه شيئاً من ذلك؟ وهل هو عند الله أخف من الزنا على ما قال؟ وهل له أن يطلب من قال له: " ما أنت إلا زان "، بحده، أم لا، لأن له على ذلك البينة؟.
بين لنا ذلك بيانا شافيا، لا يكون فيه إشكال، والله يخلصك في الدنيا والآخرة، ويوفقك لما فيه الصواب.
فجاوب فيها رضي الله عنه: تصفحت - عصمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه:
ونكاح المتعة، الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وحرَّمه، وأجمع العُلماء على تحريمه، إلا من شذَّ منهم، فلم يعتد بخلافه منه: هو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، بولي، وصداق، وشهيدي عدل، فتكون
أحكام الزوجية كلها قائمة بينهما، إلى ذلك الأجل، ما عدا الميراث.
وأما من تواطأ مع امرأة، فيما بينه وبينها.
على أن يطأها، ويستمتع بها، مدة من الزمان.
على شيء (يبذله) لها من ماله، فلسي ذلك بنكاح المتعة، وإن سميناه نكاحا، وإنما هو زنا.
فالواجب أن يُحَدُّ هذا الرجل، الذي سألت عنه، حد الزنا، فيرجم إن كان محصنا ويجلد إن كان بكرا، لا قراره بوطءِ المرأة، التي عثر على كونه معها، إذ ليس ما زعمه من أنه نكحها نكاح المتعة، للوجه الذي ذكر، بشبهة تسقط عنه الحد، إذا لم يشهد له بذلك من تجوز شهادته، ولا كان دخوله بها على وجه النكاح، الذي زعم، فاشيا، منتشرا، ومعلوما.
وينبغي إن كان بكرا، أن يضرب، بعد إقامة الحد عليه، الضرب الوجيع، ويسجن السجن الطويل، لاستخفافه بالدين، وإلباسه على المسلمين؛ وما ذكرت عنه من المعرفة والطلب حجة عليه، توجب له الخزى في الدنيا والآخرة، وتنزله أسوأ المنازل؛ لأنه عرف الحق فكابره، والصواب فخالفه، والمحظور فاقتحمه، اجتراء على الله، واستخفافا بحدوده، وتلاعبا بدينه، وقد روي: " إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عالما لم ينتفع بعلمه ". فكيف بمن أضرت به معرفته وتطرق بها إلى مواقعة المحظور، ومخالفة الجمهور.
والله أسأل العصمة والتوفيق.