299]- بين المعتزلة وأهل السنة حول الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسئل، رضي الله عنه، عن إعراب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].
وما وجه إعراب أبي محمد مكي، رحمه الله،
وأبي عبد الله بن أبي العافية، وأبي العباس الكناني، رحمه الله، فيه، إن كان صحيحًا، أم لا؟.
فأجاب على ذلك بأن قال، سألت - وفقنا الله إياك - عما تَضَمَّنَتْهُ الأجوبة المأثورة عن أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، والفقيهين الأستاذين أبي عبد الله بن أبي العافية، وأبي العباس الكناني في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، من تعلق أهل الاعتزال به فيما يذهبون إليه من أن العباد خالقون لأعمالهم، بقراءة من قرأ من الشواذ، " إنا كل شيء خلقناه بقدر؟ "، برفع "كل"، على ما تحتمله الآية، على ذلك، الإعراب، من كون " خلقناه " صفة لشيء، هل ذلك صحيح، أم لا؟ وما وجهه إن كان صحيحا؟.
فالذي أقول به في ذلك: أنه لا تعلق به لأهل الاعتزال في هذه الآية، على حال، وإنما فيها على قراءة العامة، بنصب " كل "، دليل عليهم لأهل السنة، وحجة ظاهرة في أن الله تعالى خالق لأفعال العباد.
وأما على من يرفع " كل "، فيسقط الدليل، الذي لأهل السنة عليهم من الآية، من غير أن يكون لهم فيها تعلق، ودليل على التأويل الذي ذكرت، من كون، " خلقناه " صفة لشيء.
ويثبت الدليل، الذي لأهل السنة عليهم فيها، على تأويل آخر من جهة الإعراب أيضا، هو أظهر التأويلين، وأولاها بالصواب.
وبيان هذا الذي ذكرناه: أن قول الله عز وجل ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، على قراءة العامة بنصب " كل " المضافة إلى " شيء " مفعولة بإضمار بفعل، يفسر ذلك " خلقناه "، فتقدير الكلام: إنا خلقنا كل شيء بقدر، ومعناه: إنا خلقنا كل شيء مخلوق بقدر؛ لأن الله وصفاته غير مخلوقة؛ فهي، من العموم المذكور، بالعقل مخصوصة، وإذا خص من العموم شيء، بقي ما بعد الخصوص على عمومه، فاقتضت الآية، بحق، حملها على ما بقي من عمومها، بعد ما خص منها؛ إن الله خالق لجميع المخلوقات، وتناولت الأقوال والأفعال، كما تناولت الجواهر والأجسام، فصح بذلك الدليل لأهل السنة على أهل الاعتزال.
وأما قوله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، على قراءة من قرأ " إنا كل "، فيحتمل وجهين في الإعراب:
أحدهما: أن يكون " خلقناه " خبرا للمبتدأ، و " بقدر " صفة للخلق، كأنه قال: كل شيء مخلوق مقدر.
والثاني: أن يكون " خلقناه " صفة " لشيء "، و " بقدر " خبر للمبتدأ.
" كل شيء مخلوق مقدر ".
فأما الوجه الأول، وهو أن يكون " خلقناه " خبر للمبتدأ، فالآية تقتضي العموم؛ لأن الفائدة في الخبر، فإذا خص منها بالعقل ما استحال أن يكون مخلوقا، كان الباقي على عمومه، وتناول الأفعال
والأقوال، كما تناول الجواهر والأجسام فصح بذلك أيضا، الدليل لأهل السنة على أهل الاعتزال.
وأما الوجه الثاني، وهو أن يكون " خلقناه " صفة " لشيء "، و " بقدر " خبر للمبتدأ، فيبطل فيه العموم؛ لأن الوصف للجملة يخرج منها ما ليس على تلك الصفة، ألا ترى أن الرجل إذا قال: " كل عبد لي حر " فجميع عبيده أحرار؛ لأنه قد عمَّهم بالحرية، وإذا قال: " كل عَبْدٍ لي، أذنت له في التجارة، فهو حر "، فلم يعمهم بالحرية، لأنه قد أخرج منهم عن الحرية من ليس بمأذون له في التجارة، فكذلك إذا جعل " خلقناه " صفة " لشيء "، لم تكن الآية عامة في خلق كل شيء بقدر؛ لأنه قد أخرج منها ما لم يخلقه، فأهل السنة يقولون: إن الذي لم يخلقه منها هو نفسه، وصفاته، وأهل الاعتزال يقولون: إن الذي لم يخلقه منها هو نفسه وأفعال العباد، فلا دليل لواحد منهم على ما يدعيه، وهذا بين.
ألا ترى أن الذي قال: " كل عبد لي أذنت له في التجارة، فهو حر "، لو ادعى عبد من عبيد هـ أنه أذلن له في التجارة، ليستوجب بذلك الحرية، وأنكره سيده أن يكون أذن له في التجارة، ليستديم عبديته، لم يكن في قول السيد " كل عبد لي، أذنت له في التجارة، فهو حر " ما يدل على أنه أذن له في التجارة على ما قال العبد، ولا على أنه لم يأذن له فيها، على ما قال السيد، ولوجب أن يرجع في ذلك إلى سائر أدلة الشرع من بينة، أو إقرار، واستصحاب حال، فكذلك مسألتنا إذا لم يكن في الآية دليل على هذه القراءة والتأويل، رجعتها
إلى سائر الأدلة، وهي بحمد الله كثيرة، جلية في القرآن والسنن الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدلة العقول.
وبالله التوفيق.