[270]- هل يدخل ولد البنات، وولد بنات البنات في الحبس المعقب؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة من مسائله البارعة في الحبس.
قال الفقيه القاضي أبو الوليد ابن رشد، رضي الله عنه: سئلت عن الحبس المعقب، هل يدخل فيه ولد البنات، وولد بنات البنات، ما تناسلوا أم لا، على مذهب مالك، رحمه الله، ووجه قول من أدخلهم فيه، أو أخرجهم عنه.
خمسة أنواع في ألفاظ الحبس.
فقلت: الحبس المعقب تفترق أحكامه باختلاف ألفاظه، وله خمسة ألفاظ، وهي: الولد، والعقب، والبنون، والذرية، والنسل، وفي كل لفظ منها خمس مسائل:
إحداها: في لفظ الولد أن يقول: حبست على ولدي، أو على أولادي، ولا يزيد على ذلك.
والثانية: أن يقول: حبست على ولدي، وولد ولدي أو على أولادي، وأولاد أولادي.
والثالثة: أن يقول: حبست على ولدي وأولاد أولادي، وأولادهم أو أولادي وأولادهم.
والرابعة: أن يقول: حبست على أولادي ذكورهم وإناثهم، ولا يسميهم بأسمائهم، وعلى أعقابهم.
والخامسة: أن يقول: حبست على أولادي، ويسميهم بأسمائهم، ذكورهم وإناثهم ثم يقول: وأعلى أعقابهم.
[1]- أن يقول: حبست على ولدي، أو على أولادي.
فأما المسألة الأولى، وهي أن يقول: حبست على ولدي، أو على أولادي، فلا يدخل فيها، على مذهب مالك، ومن يقول بقوله - أحد من أولاد البنات لأنهم مخصوصون عنده من عموم اللفظ، يعرف استعمال الشرع، قياسا على تخصيصهم من عموم قول الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] بالسنة والإجماع.
فقد قال بعض يالناس: إنما لم يدخلوا فيها لأن اسم الولد لا يقع عليهم إلا مجازا لا حقيقة، وليس ذلك بصحيح، لوجود معنى الولادة فيهم، وإنما المجاز أن يسمى بالولد من لا يوجد فيه معنى الولادة، كأولاد الأدعياء، والرجل يقول للصبي: يا ولدي، يريد تقريبه بذلك، وما أشبه ذلك.
ومن أهل العلم من خالف مالكا، رحمه الله، فقال: إنهم يدخلون فيها بعموم اللفظ، كما دخلوا في التحريم بعموم قول الله عز وجل: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " وليس ذلك بصحيح، لأنه قد ثبت بالشرع تخصيص آية المواريث، ولم يأت فيه ما يخصص آية التحريم فبقيت على عمومها.
والحبس إنما يصح حمله على آية المواريث، لا على آية التحريم، لأن ما يحظر به الشيء أقوى مما يباح به، فوجب ألا تستباح بنات البنات إلا بيقين، وألا يدخل ولد البنات في الحبس إلا بيقين، لاحتمال تخصيصهم من عموم اللفظ، قياسا على تخصيصهم بالإجماع من عموم آية المواريث.
[2]- أن يقول: حبست على ولدي، وولد ولدي، أو بالجمع
وأما المسألة الثانية، وهي أن يقول: حبست على ولدي، وولد ولدي، أو على أولادي، وأولاد أولادي، فذهب جماعة من الشيوخ إلى أن ولد بنات المحبس يدخلون فيها، على مذهب مالك، بظاهر اللفظ، لأن لفظ الولد يعم الذكر والأنثى، فلا فرق بين أن يقول: على ولدي، وولد ولدي، أو يقول: على وَلَدي ذكورهم وإناثهم، وعلى أولادهم كلهم، فيما يوجبه الحكم.
وعلى هذا جرى العمل عندنا، وبه كان يفتي شيخنا الفقيه أبو جعفر ابن رزق، رحمه الله.
وقد روي عن مالك، رحمه الله، فيمن حبس على ولده وولد ولده: أن ولد البنات لا يدخلون في ذلك فيحتمل أن يريد بولد البنات ولد بنات أبناء المحبس، لا ولد بنات المحبس ويحتمل، أيضا، أن يكون لم يتكلم على أن المحبس نص على أنه حبس على ولده وولده ولده، وإنما أراد الحبس الذي يكون على الولد، وولد الولد، بقول الحبس: حبست على ولدي فقط.
وتأول قوم: أنه إنما قال ذلك، لأن الناس كانوا بعهده يخرجون البنات من أحباسهم، فحمل الأمر على المتعارف عندهم، ولم يلتفت إلى لفظ المحبس في قوله: ولدي وولد ولدي، وما يوجبه بحق عمومه.
وإن حملت الرواية على ظاهرها - في أن ولد البنات لا يدخلون فيها، كانوا بنات المحبس، أو بنات أبنائه، مع نص المحبس على أنه حبس على ولده وولد ولده - فلها وجهان:
أحدهما: أو ولد البنات، وإن كانوا ولد ولده، فإنهم لا ينتسبون إليه، ولا يوارثونه، فحمل على المحبس أنه أراد من ولد ولده من ينسب إليه منهم، ويوارثه، دون من لا ينتسب إليه منهم، ولا يوارثه؛ لأن الميراث والنسب هو المعنى الذي يراد الولد له، ويرغب فيه من أجله؛ قال الله عز وجل: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: 5 - 6]، وكان لفظ ولد الولد لا يقع عنده بإطلاقه إلا على من يرجع نسبه إليه.
والثاني: أن ولد الابنة، وإن كان ولد ولده، فإنه لا يعلم ذلك إلا الخاص من الناس، وأكثرهم يعتقدون: أن الولد لا يقع إلا على الذكر دون الأنثى.
وإذا سألت أحدهم هل له ولد، ولا ابن له ذكر؟ قال لك: ليس لي يولد، وإنما لي ابنة، فوجب أن يحمل لفظ المحبس على ما يعرف من مقاصد الناس بألفاظهم، وإن خالف ذلك موجب اللفظ في اللسان العربي، ألا ترى أن من حلف ألا يأكل لحما، أو بيضا، لا يحنث بأكل الحيتان، وبيضها، وإن كان ذلك لحما في اللسان.
ولا يلزمه على ذلك أن يخرج من الحبس بنات المحبس لأن البنات قد كره إخراجهن من الحبس.
وقيل: إنهم يدخلون فيه، وإن نص على إخراجهم منه، فكيف إذا دخلوا فيه بحقيقة اللفظ في اللسان، فلم يخرج بنات المحبس من الحبس إلا بالنص على إخراجهن منه، ولا أدخل ولد البنات فيه إلا بالنص على إدخالهم فيه.
وإنما يلزم عليه ذلك فيمن حبس على ولد رجل أجنبي، وعلى هذا المعنى تأتي رواية أصبغ عن ابن القاسم فيمن أوصى لولد فلان: أن الوصية تكون لذكور ولد فلان دون إناثهم.
فإذا قلت: إنَّه يدخل ولد البنات في الحبس عند مالك، على هذه الرواية، إذا قال: ولدي، وولد ولدي، كما لا يدخلون فيه عنده إذا قال: ولدي، ولم يزد.
ففائدة قوله: وولد ولدي، البيان: أنه لم يرد أن يخص بحبسه ولده دنية، دون من تحتهم من ولد الولد، إذ قد اختلف في ذلك.
[3]- أن يقول: حبست على ولدي وأولادهم، أو بالجَمْعِ.
وأما المسألة الثالثة، وهي أن يقول: حبست على ولدي، وأولادهم، أو على أولادي، وأولادهم، فحكى ابن أبي زمنين، في مقربه، عن مالك: أن ولد البنات لا يدخلون فيها بهذا اللفظ.
ووجه ذلك، إن صحت الرِّواية عن مالك، على هذا النص؛ إذ قد يحتمل أن يكون ابن أبي زمنين، رحمه الله تعالى، ساقها بالمعنى، قياسا
على ما روي عنه فيمن حبس على ولده، وولد ولده؛ فقد كان الشيوخ - رحمهم الله - لا يميزون بين اللفظتين، ولا يحررون القول في الكلمتين، لما قدمناه من أن الأولاد في عرف كلام الناس لا يقع إلا على الذكران دون الإناث، فرجع ضمير الجَمْعِ في قوله: " وأولادهم " عليهم جميعا.
وأدخل ولد بنات المحبس دنية بهذا اللفظ في الحبس من الشيوخ من أدخلهم فيه بقوله: جبست على ولدي، وولد ولدي، إلا أن يزيد درجة، فيقول: وأولاد أولاد أولادي فيدخلون في الدرجة الثالثة أيضا، وذلك كل ما زاد درجة يدخلون إلى حيث انتهى المحبس بقوله من الدرجات.
وبإدخالهم بهذا اللفظ قضى القاضي أبو بكر محمد بن السليم بِفَتْوَى أكبر أهل زمانه.
ودخولهم به أبين من دخولهم باللفظ الأول، إذ لا يمكن تخصيصهم من هذا اللفظ إلا بوجه واحد، وقد يخصصون من اللفظ الأول بوجهين، على ما ذكرناه.
وبإدخالهم باللفظين جميعا كان الفقيه أبو جعفر شيخنا، رحمه الله، يفتي، وبذلك أقول.
[4]- أن يقول: حبست على أولادي ذكورهم وإناثهم، وعلى أولادهم وأما المسألة الرابعة، وهي أن يقول: حبست على أولادي، ذكورهم
وإناثهم، ولا يسميهم بأسمائهم، ثم يقول: وعلى أولادهم، فلا نص عن مالك يؤثر في ذلك؛ والظاهر من مذهبه، رحمه الله: أن أولاد بنات المحبس يدخلون في ذلك، كما لو سَمَّى، بخلاف ما إذا قال: أولادي، ولم يقل: ذكرانهم، وإناثهم، ثم قال: وأولادهم، للعلة التي قدمناها، من أن لفظ الأولاد لا يوقعه أكثر الناس إلا على الذكران دون الإناث.
وقد وقع ذلك في كتاب محمد بن المواز مسألة استدل بها بعض الناس على أن ولد البنات لا يدخلون في الحبس على مذهب مالك، وإن قال: حبست على أولادي ذكرانهم وإناثهم، وعلى أعقابهم، وهي قوله، فيمن حبس على ولده الذكر والأنثى، وقال فَمَنْ مات منهم فولده بمنزلته: قال مالك: لا أرى لولد البنات شيئاً، وهي رواية ضعيفة خارجة عن الأصول؛ فلا يصح الاستدلال بها، ولا أن يجعل أصلا بقياس عليه مع أنها محتملة التأويل؛ إذ قد يمكن أن يكون تكلم على الحبس الذي يكون على الذكر والأنثى من ولد المحبس، بقوله: حبست على ولدي، ولا يزيد، ثم يقول: فمن مات منهم فولده بمنزلته، فالقول بإدخالهم في هذه المسألة بين لا شبهة فيه، والله أعلم.
[5]- أن يقول: حبست على ولدي، ويسميهم، وعلى أعقابهم.
وأما المسألة الخامسة، وهي أن يقول: حبست على أولادي، ويسميهم بأسمائهم ذكورهم وإناثهم، ثم يقول: وعلى أولادهم، فإن ولد بنات المحبس يدخلون في ذلك، على مذهب مالك، وجميع أصحابه المتقدمين، والمتأخرين، ابن أبي زمنين، وأبي عمر الاشبيلي، ومن تلاهم من شيوخنا، ومن أدركنا منهم ومن لم ندرك منهم، إلا ما روي عن ابن
زرب، وهو خطأ لا وجه له، فلا يعد خلافا، لأنه لم يقله برأيه، وإنما بناه بالقياس الفاسد على ما ذهب إليه من تقليد غيره، وذلك أنَّه كان يفتي بما عليه الجماعة من دخول ولد البنات، إلى أن نزلت، فقال: رأيت لموسى بن طارق، قاضي زيبد أنه سأل مالكا عمن حبس على ولده، وولد ولده، فقال: ولد البنات في هذه المسألة ليسوا بعقب، فقال له موسى هل تعلم في ذلك اختلافا ما بين فهاء المدينة؟ فقال: لا أعلم في ذلك اختلافا بينهم، فرجع عن مذهبه، واشتد على رجوعه، فكان من قوله في الذي يقول: داري حبس على ولدي فلان، وفلان، وفلان وفلانة، وعلى أعقابهم، وأعقاب أعقابهم، أنه ليس لولد فلانة شيء، كقول الرجل على أولادي وأعقابهم، وفيهم أنثى قال: وكذلك إذا قال: حبس على ولدي فلان، وفلان وفلانة، وعلى أعقابهم، لاحتمال رجوع ضمير الجميع إلى الاثنين، ليس يرجع إلا إلى الذكر خاصة، ولا يدخل في ذلك ولد البنات إلا بحق لا شك فيه، وذلك تحكم لا دليل عليه.
والذي ذهب إليه الجماعة من أن الضمير عائد على جميعهم الذكران والإناث هو الصواب، الذي لا يصح إليه القول بخلافه؛ لأن الظاهر من قول المحبس رجوع الضمير إلى جميع المذكورين، فلا يخصص من ذلك الإناث، ويخرجون من الحبس، والمحبس قد أدخلهم فيه بما ظهر من لفظه، إلا بدليل على ذلك.
ورجوع ابن زرب عن القول بهذا إلى ما حكيت عنه، من أجل
الرواية التي حكاها، غلط ظاهر يبن؛ لأن الرواية إنما هي فيمن حبس على ولده، وولد ولده، فهي مسألة أخرى، غير المسألة التي رجع عن جوابه فيها، وقد بينا وجهها فيما تتقدم، فلا معنى لإعادة القول في ذلك.
تكرار التعقيب في الحبس
فصل.
ولو كرر التعقيب لدخل ولد البنات إلى الدرجة التي انتهى إليها المحبس على ما ذهب إليه الشيوخ، ولا يأتي في هذه المسألة على ظاهر قول مالك هذا، أن يدخل ولد البنات إلا في الدرجة الأولى الخاصة، وإن كرر التعقيب ثالثة فما زاد فَتَدَبَّرْ ذلك.
تلخيص وضعيات بنات المحبس.
فصل.
فالمسألة الأولى لا يدخل أولاد البنات المحبس منها إلا مَنْ وهم في قوله، وأخطأ في قياسه، وحكمه، وهو ابن زرب، على ما ذكرناه عنه.
وأما المسألة الثانية فالصحيح في النظر دخول أولاد البنات فيها إلى الدرجة التي ذكر المحبس، على ما ذهب إليه الشيوخ، وإن كان ذلك مخالفا لظاهر قول مالك.
ودخولهم في المسألة الثالثة أبين، ثم في الرابعة، وقد ذكرنا ما تعلق به من الشبهات من خالف ذلك.
هل هي سواء: العقب، الولد، النسل، الذرية؟
فصل وحكم هذه المسائل الخمس في لفظ العقب "، على ما ذكرناه في لفظ " الولد " سواء؛ إذ لا فرق، عند أحد من العلماء، بين لفظ " العقب " و " الولد " في المعنى، وإنما اختلف الشيوخ في " الذرية "، و " النسل "، فقيل: إنهم بمنزلة " الولد " و " العقب "، لا يدخل ولد البنات فيهما، على مذهب مالك، وقيل إنهم يدخلون فيهما على مذهبه.
وفرق ابن العطار، رحمه الله، بين " الذرية "، و " النسل "، فقال: إن " النسل "، بمنزلة " الولد "، و " العقب " لا يدخل فيه ولد البنات، إلا أن يقول المحبس: ونسل نسلي، على ما ذهب إليه في تكرير لفظ التعقيب، وأن الذرية يدخل فيها ولد البنات.
واحتج لذلك بقول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 84] فجعله من ذرية إبراهيم صلى على محمد وعليه، وهو من ولد البنات، لأنه ابن مريم، العذراء البتول، وهو احتجاج صحيح، في أن ولد بنت الرجل من ذريته.
وكذلك نقول أيضا، أنه من نسله، وأنه من عقبه، كما أنه من ولده، خلاف ما ذهب إليه ابن العطار.
وقد بينا وجه إخراج مالك، رحمه الله، ولد البنات من الحبس المعقب، مع كونهم من الأبناء والأعقاب.
ومن الناس من ذهب إلى أن ولد بنت الرجل ليس من ذريته، وضعف احتجاج ابن العطار لذلك بالآية المذكورة بما لا وجه لذكره، لفساده.
لفظ البنين.
فصل.
وأما لفظ البنين في قوله: حبست على بني أو على بنتي وبني بنتي، أو على بني وبنيهم، فالحكم في ذلك كالحكم في الولد والعقب، على القول بأن لفظ " جميع " المذكور، يدخل تحته المؤنث.
وعلى القول بأنهن لا يدخلن فيه ينفرد الذكران من بنيه، وبني بنيه، بالحبس دون الإناث، وهو الصحيح من الأقوال.
وأما إذا قال: حبست على بني ذكورهم وإناثهم، سماهم أو لم يسمهم، وعلى أعقابهم، فالحكم في ذلك على ما ذكرته في الولد والعقب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.