247]- عُذر المسح على العمامة أو التيمم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وخوطب، رضي الله عنه، من حاضرة مراكش حرسها الله بسؤال مطول يسأل فيه عن رجل ضعيف، كثير المرض، أراد أن ينتقل، في وضوئه، من مسح الرأس إلى المسح على العمامة، وفي الطهور، من الغسل إلى التيمم.
ونص السؤال من أوله إلى آخره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
جوابك، رضي الله عنك، في رجل ضعيف الجسم والدماغ، متى أراد المسح على رأسه في الوضوء يزيد مرضه، وأصابته نزلة شديدة، كذلك، أبدا.
هل يكون فرضه المسح على العمامة، أم لا؟
وهو مع ما هو بسبيله من هذه الحال المذكورة: تنتابه نُوَبٌ من أمراض تصيبه، تنضاف إلى الضعف المتقدم المذكور، الذي لا ينفك عنه، فإذا أصابته النوب المذكورة لم يقدر على الوضوء بالماء، وإن كان حارا، ويخاف من الهواء.
هل يتيمم في هذه الحال الموصوفة، ويكون فرضه فيها التيمم، أم لا؟ أم كيف يفعل؟.
وكيف لو أصاب أهله في هذه الحالة، هل يتيمم لجنابته، ما دام على
هذا الحال، ويجزئه ذلك؟ ومتى أصابته جنابة من ممارسة أهله، في الحالة الأولى، المتقدمة الذكر لا يقدر على غسل رأسه بالماء، وربما احتاج إلى الاغتسال من الوجه المذكور، من الثلاثة أشهر إلى الأربعة، أو أقل من ذلك أو أكثر، لضعفه.
فإن صب الماء على رأسه كان حارا، أو باردا، مرض، وخاف على نفسه.
فهل يكون فرضه، في الغسل، في هذه الحال، المسح على رأسه، وغسل جسده بالماء أم كيف يفعل؟.
راجعنا على ذلك، فصلا فصلا، مأجورا إن شاء الله.
هل تعمل أعذار التيمم، والمسح، في جنابة المعصية؟
وقعت عندنا - أدام الله توفيقك - هذه المسألة، فتكلم فيها الفقهاء، إلى أن ركب عليها: أن لو أصابت من حالته ما تقدم فوق هذا، جنابة من معصية - عافانا الله بفضله، ورحمته - كيف يصنع؟
فقال بعضهم: لا رخصة له في ذلك، وقاسها بمسألة المسافر سفر المعصية، أنه لا يقصر، ولا يفطر، ولا يأكل الميتة إن اضطر إليها.
وقال آخرون: ليست تشبه مسألة المسافر سفر المعصية، والرخصة له في مسح رأسه إذا كان من شأنه ما تقدم فوق هذا من الضعف، وسواء أكان الغسل مترتبا عليه من حلال أو من حرام.
قال: وذلك أن سفر المعصية إنما منع من القصر فيه، والفطر، وأكل الميتة في أحد القولين، لأنه يتقوى بذلك عن المعصية، التي هو فيها ساع، ومسألة الغسل ليست كذلك، إذ المعصية قد انقضت، فيقع المسح المرخَّصُ فيه، وهو غير متشبث بالمعصية، ولا دَاخِلٍ فيها، والله أعلم.
بين لنا، بفضلك، أيضا، هذه المسألة مأجورا، والصواب فيها، واشرح لنا ذلك شرحا بينا، والله يؤيدك ويوفقك، بقدرته ورحمته، لا رب سواه.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك كله بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
ولا رخصة لها الرجل بما وصفه من ضعف جسمه، ودماغه في المسح على عمامته في الوضوء على حال، إذا لم يكن برأسه جرح يمنعه من المسح عليه، بوجه من الوجوه؛ لأن الذي ذكرت مما يخشى أن يصيبه منه بعيد، فهو من وسواس الشياطين الذي لا ينبغي أن يلتفت إليهم، ومتى فعل ذلك، وجب عليه الوضوء، وإعادة الصلاة أبدا، وكذلك ما ذكرت من أنه إذا أصابه نوب، فانضاف إلى الضعف المتقدم، لم يقدر على الوضوء بالماء، وإن كان حارا، لما يخاف من الهواء، هو من تخويف الشيطان إياه، ليفسد عليه دينه، فلا رخصة له في الانتقال إلى التيمم في هذا الحال، بوجهٍ.
وليس هذا القدر من الحرج الذي رفعه الله عن عباده في الدين، بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وأما الذي أصاب أهله في الحال الأولى فله سعة في الانتقال إلى التيمم، إن خشي على نفسه، في صب الماء على رأسه وغسله، ولا يجوز له أن يمسح على رأسه، ويغسل سائر جسمه، وقدرته على إصابة أهله في هذا الحال دليل على أنه لم ينته به ضعف جسمه ودماغه إلى حال لا يقدر معها على المسح على رأسه بالماء في الوضوء، وكذلك الذي أصاب أهله، في الحالة الثانية، نم النوب الذي أصابه
فانضاف إلى ما كان به من ضعف جسمه ودماغه له أن يتيمم إذا خشي على نفسه في الغسل، وهو أعذر من الأول، ولا فرق، في حكم الغسل، بين أن يجب من حلال أم حرام.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.