[232]- من أراد ان يصلي نوافل، وعليه فرائض فوائت
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ووو سئل، رضي الله عنه، عن الذي يصلي نوافل وعليه صلوات مفروضة قد ضيعها، كيف يفعل في أدائها؟
ونص السؤال من أوله إلى آخره: الجواب، رضي الله عنك وأرضاك، في مصلي النوافل، وعليه صلوات فائتات مفروضات، من أزمنة لا يتحققها، ولا يعلم صحيح رتبها وقد منعه من اعادتها موانع، حتى جهلها، بعد ان علمها.
هل يسوغ له صلاة نافلة مع هذه الفرائض الفائتات، أم لا تكون له نافلة ما عليه صلاة فرض قائمة؟ ولا تصح له النافلة وعليه دين الفريضة.
وهل الحديث المذكور: من لم تكمل فرائضه، نظر في عمله، فإن كانت له نوافل نظر له، والحديث لم يتحققه النافل بل أراد تحقيقه، فدل على ذكره، لتوضحه، وتبينه.
وهذه الفرائض الفائتات بين لنا كيف يتحرى صلاتها مفوتها، حتى يؤديها ان شاء الله عز وجل.
بين لنا ذلك كله، واوضحه مشروحا موفقا عليه، ماجورا ان شاء الله.
ومن نسب، إلى مصلي النوافل، وعليه الفرائض، على الوجه المذكور والسبب الموصوف: العصيان، ما حجته؟ وهل هو بذلك، من نسبته اليه ذلك مخطئ أو مصيب؟ بينه لنا ان شاء الله تعالى.
يجب تعجيل قضاء الفرائض الفوائت:
فأجاب وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه.
ولا ينبغي لمن عليه صلوات فوائت، قد ضيعها، أو نام عنها، أو
نسيها، أو تركها، متعمدا حتى خرج وقتها، أن يشتغل عن قضائها بصلاة النافلة؛ لأن الواجب عليه أن يعجل قضاءها ما استطاع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع اليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، فان الله عز وجل يقول: أقم الصلاة لذكري
فان كانت كثيرة، أمر أن يصلي متى ما قدر، ووجد السبيل إلى لك من ليل أو نهار حتى يأتي على جميع ما نسي أو ترك، دون أن يضيع مالا بد منه من حوائج دنياه فلا يجوز له أن يشتغل في أوقات الفراغ، ووجود السبيل إلى القضاء، بصلاة النافلة؛ اذ لا تجزيه من صلاة الفريضة.
وانما يجوز له أن يصلي قبل تمام ما عليه من قضاء الصلوات الفائتة الصلوات المسنونات وما خف من النوافل المرغب فيها كركعتي الفجر وركعتي الشفع، المتصلة بالوتر، وما أشبه ذلك؛ اذ لا يخشى أن يفوته بذلك، لخفته، قضاء ما عليه من الصلوات.
والأصل في جواز ذلك واستحبابه ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [216] صلى ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح إذ نام في الوادي عن صلاة الصبح، حتى طلعت الشمس.
واما ما كثر من النوافل المرغب فيها كقيام رمضان، مع الإمام في المسجد، فتعجيل قضاء الفوائب على الرجل آكد منه فلا ينبغي له أن يترك ما عليه من القضاء، ويشتغل عنه بقيام رمضان مع الإمام فان فعل لحقه في ذلك حرج من ناحية تأخير قضاء الفوائت مع
القدرة على أدائها، لا من ناحية قيامه مع الإمام، لأنه مأجورا في قيامه مع الإمام وان كانت عليه صلوات منسيات فهو ألأولى به من الاشتغال بغير قضائه.
وما جاء من أنه لا تقبل من أحد نافلة وعليه فريضة معناه والله أعلم: في الرجل يصلي النافلة في آخر وقت الفريضة، قبل أن يصلي الفريضة، فتفوته بذلك صلاة الفريضة.
مثال ذلك: أن يترك صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس، بمقدار ركعتين فيصلي ركعتين الفجر، أو غيرهما من النوافل، ويترك صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، أو يترك صلاة العصر إلى قرب مغيب الشمس، بمقدار أربع ركعات، فينتقل، ويترك صلاة العصر حتى تغيب الشمس، بدليل ما روى من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر يوم الوادي بعد أن طلعت الشمس، قبل صلاة الصبح، على ما ذكرناه.
فلا يصح قوله من قال: إن من صلى نوافل وعليه صلوات فوائت: انه عاص لله تعالى في فعله ذلك، الا أن يريد أنه عاص في تأخيره الفرائض؛ اذ لم يصلها في مكان النوافل لا في صلاته النوافل فيكون لذلك وجه، على ما بيناه.
فليس وقت الصلاة القائمة، أو الصلوات الفائتات، حين تذكر، بوقت مضيق، لا يجوز التاخير عنه بحال كآخر وقت العصر، عند الغروب وكآخر وقت الصبح للصبح، قبل الطلوع، اذ قد فات وقتها المؤقت لها، وترتب قضاؤها في مدته، فإنما يؤمر بالتعجيل لها حين
يذكرها، مخافة ان تخترمه المنية قبل أداها، فيجوز له ان يؤخرها عن وقت ذكره لها في الموضع الذي يغلب على ظنه ان قضاءه لها لا يفوته بذلك، فهي تجب بالذكر لا على الفور.
فهذا وجه ما سألت عنه.
تخريج الحديث: اول ما يحاسب به العبد:
واما الحديث الذي ذكرته، دون ان تحققه، فسألت عن تحقيقه فهو حديث رواه ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سمعه يقول: اول ما يحاسب به العبد المسلم صلاة المكتوبة، فإن أتمها، والا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع، أكملت الفريضة من تطوعه، ثم فعل بسائر الأفعال المفروضة مثل ذلك.
فقيل: ان معنى ذلك فيمن كان عليه صلوات، نسيها، فلم يذكرها حتى مات اذ من كانت عليه صلوات تعمد تركها، حتى خرج وقتها، لا كفارة لها الا إتيان بها ولا تجزئة منها النافلة، اذ لا تجزئ نافلة عن فريضة، وليس ذلك عندي بصحيح، لأن من عليه صلوات نسيها، فلم يذكرها حتى مات فهو غير محاسب بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم "تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
فيحتمل أن يكون معناه فيمن نسي صلوات فذكرها، وأخر قضاءها عن وقت ذكره لها إلى أن نسيها حتى مات، فتكون النافلة كفارة لتفريطه في أدائه لها عن وقت ذكره اياها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.