[146]- حول تسعة أحاديث في الحث على استذكار القرآن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب اليه، رضي الله عنه، الفقيه ابو عبد الله معمر، من مشيخة مالقة، بجملة أحاديث - ونصها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(1) - روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: " عرضت على أجور أمتي، حتى القذاة ليخرجها الرجل من المسجد، وعرضت على ذنوبهم، فلم أر شيئاً أعظم من رجل تعلم آية، أو سورة من كتاب الله عز وجل، ثم نسيها "
(2) - وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: " من اكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة، سورة من كتاب الله عز وجل، كانت مع احدهم فنسيها "
(3) - وروى عن سعد بن عبادة: " ما من احد تعلم القرآن ثم نسيه الا لقي الله أجذم "
(4) - وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بسئما لأحدكم ان يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو أنسيها، استذكروا القرآن، فانه أسرع تفلتا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها "
(5) - وعن علي بن رباح عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم " تعلموا كتاب الله وتعاهدوه، وتغنوا به، قبل أن يتعلمه قوم يسألون
به الدنيا، فان القرأن يتعلمه ثلاثة نفر، رجل يباهى به، رجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله تعالى "
(6) - وعنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال " اقرأوا القرآن، قبل أن يجيء قوم يقيمونه، كما يقام القدح يتعجلوه أجره، لا يتأجلونه "
(7) - وعن ابن عمر قال: " يقال: أبقى الناس عقولا قرأة القرآن "
(8) - وعن عطاء بن يسار قال: بلغني أن حمله القرآن عرفاء أهل الجنة ".
(9) - روى أبو هريرة، وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أحسن الناس صوتا بالقرآن قال: الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله.
وفي خبر آخر: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله "
ثم قال في آخرها:
وقفت أيدك الله بطاعته - على هذه الأحاديث مقطوعة، فما ذكرت سنده، أو الديوان المذكورة فيه، بينته، وفسرت معنى النسيان لآى القرآن، فانه شديد ان يكون بمعنى ترك العمل، مأجورا موفقا، ان شاء الله تعالى.
فاجاب، ادام الله توفيقه، على ذلك بهذا الجواب:
وقفت - نفعنا الله واياك - على الأحاديث التى ذكرتها.
[1]
فأما الحديث الأول منها: حديث أنس بن مالك، فانه حديث خرجه أبو عيسى الترمذى من رواية ابن جريح، عن المطلب بن حنطب، عن أنس بن مالك، وقال فيه: انه «حديث غريب لا أعرفه الا من هذا الوجه» وأنه ذاكر به بن اسماعيل فلم يعرفه، واستغربه، وقال: «لا أعرف للمطلب سماها من أحد، من أصحاب النبى، صلى الله عليه وسلم قال: «وسمعت عبدالله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماها من احد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الا قوله: حدثنى من شهد خطبه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وسمعت عبدالله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماها من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله: وأنكر على بن المدينى أن يكون المطلب سمع من أنس».
[2]
وحديث سلمان، الذى بعده، معناه معناه، فان صح احدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى قوله فيه، والله أعلم: «فنسيها» أي
فعل ما اوجب عليه نسيانها من ترك المعاهدة عليها، تهاونا بها، واستخفافا بحقها، ورغبة عن الثواب في قراءتها، قيتعلق الاثم في ترك تعاهد قراءتها على / هذا الوجه، اذ لا اثم على من ترك المعاهدة [157] على درس القرآن، غفلة عن ذلك، واشتغالا بما سواه من الواجبات، أو المندوبات، حتى نسى منه سورة أو آية، باجماع من أهل العلم، قال الله تعالى «سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله» وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: «يرحمه الله، لقد اذكرنى كذا وكذا آية، كنت أنسيتها من سورة كذا».
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: فلو كان كان نسيان من القرآن ذنبا لما نسيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليس النسيان لشىء من القرآن، أو غيره، بكسب للعبد، اذ لا يكون بقصده واختياره، فيأثم بفعله وانما يأثم بأن يفعل ما ينسيه الله به ذلك، على الوجه المنهى عنه، وذلك بين من قول النبي صلى الله عليه وسلم «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل هو نسى فنهى صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل «نسيت» فيضيف إلى نفسه ما ليس من كسبه، وأمره ان يقول «أنسيت».
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وذلك استحباب لا ايجاب، بدليل قول الله، عز وجل: «لا تؤخذنى بما نسيت» وقول النبي صلى الله عليه وسلم؟؟؟؟؟؟ أحدكم عن الصلاة أو نسيها».
وأما قوله، صلى الله عليه وسلم.
«إلى لأنسى، لأسن» فانما هو شك من المحدث في أي اللفظين قال، صلى الله عليه وسلم، فأنسى أحسن، وانسى جائز.
[3]
واما حديث سعد بن عبادة «ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه، الا لقى الله اجذم» فمعناه منقطع الحجة.
وذلك إذا نسيه لترك المعاهدة عليه، استخافا بحقه، على ما بيناه من قبل.
ويحتمل ان يكون المراد بالنسيان، في هذا الحديث: ترك الايمان به، او العمل بما فيه، لأن النسيان، حقيقة، هو الترك: قال الله عز وجل: «نسوا الله فنسيهم»، أي: تركوه فتركهم.
وهو حديث مشهور، ذكره ابن أبى شيبة، وغيره، ومعناه صحيح، لأن مصداقة في كتاب الله تعالى.
قال الله عز وجل: «ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتنى أعمى، وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم ننسى» قال أهل التأويل: معناه أعمى عن الحجة، اى: «لا حجة له»، شاد لا حجة لأحد على الله تعالى، وقيل معناه: أعمى عن الحجة، وعن النظر إلى الاشياء، لعموم العمى في كل شىء من النظر وغيره.
وليس المراد بالنسيان المذكور في الآية تلفت حفظ القرآن عن الصدور، وانما معناه ترك العمل بما فيه، كذلك قال أهل التأويل، أو ترك الإيمان به.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وهو الأظهر، بدليل قوله في أول الآية: «ومن أعرض عن ذكرى»، لأن الاعراض عنه لا يكون الا بترك الايمان.
ولا يحتمل هذا التأويل حديث أنس بن مالك الأول، لقوله فيه: «أمتى»، لأن من يؤمن بالقرآن فليس من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
[4]
وأما حديث عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال «بئسما لأحدكم» الحديث فانه حديث صحيح خرجه البخارى، وغيره، وقد مضى.
[5]
وأما حديث على بن رباح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فانه لم يوجد على نصه بكماله في الصحيح، فما تضمنه من الأمر بتعليم كتاب الله تعالى، وتعاهده، والاستغناء به، والتحذير من التباهى به، والاستيكال به موجود في الآثار الصحاح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم تعلم القرآن وعلمه»، وقال: تعاهدوا القرآن
فانه أشد تقصيا من قلوب الرجال من النعم من عقلها» وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، أي: يستغنى به.
خرج ذلك كله اصحاب الصحاح: البخارى وغيره.
وخرج الترمذى عن عمران بن الحصين: انه مر على قارئ يقرأ، ثم سأل، فاسترجع ثم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من قرأ القرأن فليسأل الله؛ فإنه سيجئ أقوام يقرأون القرآن، [158] يسألون / به الناس» قال: وهو «حديث حسن».
[6]
وهذا معنى الحديث الذى ذكرت بعده.
ومثله ما روى عن عبدالله ابن سهل الأنصارى قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: اقرأوا القرأن، لا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، تأكلوا به، ولا تستكثروا به».
[8، 7]
وأنما قول ابن عمر، وعطاء بن يسار، فليس فيه من فضل قراءة تالقرآن.
الثابتة في ذلك اكثر من أن تحصى.
وأما حديث ابى هريرة، الذى ذكرته، في أحسن الناس صوتا بالقرآن، فلا أذكره في الصحيح، الا أن أن معناه صحيح، لأن البتغى من حسن الأصوات بالقرآن، رقة القلوب بها، ورقتها بها انما انما تكون على قدر ما يظهر من خشوع القارئ في قراءته، وظهور الخشية عليه فيها.
قال أبو الوليد رضي الله عنه: فبان بحمد الله معنى الحديث، وهو يرد تأويل من تأول ان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، «ما اذن الله في شىء ماأذن لنبى يتغنى بالقرآن»، هو أن يرتل القرآن، ويحسن صوته ما استطاع، استدعاء لرقة قلبه بذلك، اذ لا يرق قلب القارئ والمستمع لقراءته، الا مع الخشوع في القراءة، وظهور الخشية على القارئ فيها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.