[12]- رجوع الزوجة بما اغتل الزوج من املاك السياقة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رجل توفى وترك زوجة ذات أب، كان قد ساق لها عند عقد نكاحه معها مالا، ودارا، واغتل المال، وسكن الدار ثلاثة عشر عاما، منذ انتنى بها إلى ان مات عنها، فقامت الزوجة بعد موته طالبة لغلة المال وكراء الدار، هل لها الغلة والكراء جميعا للمدة كلها، ام ليس لها شيء منها؟ أو هل لها ذلك للمدة التي تحمل فيها على السفه، وليس لها ذلك للمدة التي تحمل فيها على الرشد؟ او هل يفترق سكنى الدار في ذلك من اغتلال المال ام لا؟
بين لنا الواجب في ذلك كله بيانا شافيا، مأجورا مثابا.
مشكورا ان شاء الله تعالى.
[175] فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب: قرأت - أقر الله بكل صالحة عينيك، وأحسن على طاعته عونك - المسائل التي ذكرتها في هذه الكراسة، ووقفت عليها.
[1]
فأما المسألة الأولى منها وهي مسألة الشعراء، فالحكم فيها:
عند الاتفاق على السهام
إذا اتفق أهل القرية على قسمتها، أن يقتسموها على أصل أسهام القرية في القديم قبل أن تقسم، لا على قدر ما بيد كل واحد منهم من أرضها، اليوم، إذا اتفقوا على السهام.
عند الاختلاف على السهام:
وان اختلفوا فيها، فقال بعضهم: لي من أصل القرية كذا وكذا وقال بعضهم لي منها كذا وكذا؛ مثل أن يكونوا ثمانية، فيقول أحدهم: لي ثلاثة أرباعها، ويقول الثاني: لي ثلثها، ويقول الثالث لي نصفها، ويقول الرابع: لي ثلاثة أثمانها، ويقول الخامس: لي ثلثها، ويقول السادس: لي ربعها، ويقول السابع: لي سدسها ويقول الثامن: لي ثمنها، فانها تقسم بينهم على ستة وسبعين سهما: لمدعي ثلاثة الأرباع ثمانية عشر سهما، ولمدعي الثلثين ستة عشر سهما، ولمدعي النصف اثنا عشر سهما ولمدعي ثلاثة الأثمان تسعة أسهم، ولمدعي الثلث ثمانية أسهم،
ولمدعي الربع ستة أسهم ولمدعي السدس أربعة أسهم، ولمدعي الثمن ثلاثة أسهم، بعد يمين كل واحد منهم على دعواه، أو نكولهم جميعا عن الايمان.
عندما ينكل البعض:
وان حلف بعضهم، ونكل بعضهم عن اليمين، اقتسم الحالفون الشعراء بينهم بالمحاصة، على قدر دعاويهم التي حلفوا عليها، ولم يكن لمن نكل شيء الا ان يفضل عما ادعوه فضل، فيكون الفاضل بين الناكلين، على حسب دعاويهم.
أمثلة:
(1) - مثال ذلك: أن يحلف مدعي النصف ومدعي الثلث ومدعي الربع، وينكل الباقون، فان الحالفون يقتسمون الشعراء، على ثلاثة عشر سهما: لمدعي النصف ستة أسهم، ولمدعي الثلث أربعة أسهم، ولمدعي الربع ثلاثة أسهم، ولا يكون للناكلين شيء.
(2) - ولو حلف مدعي النصف، ومدعي الربع، ونكل الباقون، اخذ النصف مدعي النصف، والربع مدعي الربع، واقتسم الناكلون الربع الباقي بينهم، على قدر دعاويهم، فيكون بينهم على ثمانية وخمسين جزءا: لمدعي ثلاثة الأرباع ثمانية عشر جزءا، ولمدعي الثلثين ستة عشر جزءا ولمدعي الثلث ثمانية أجزاء، ولمدعي السدس أربعة أجزاء، ولمدعي الثمن ثلاثة أجزاء، ولمدعي ثلاثة الأثمان تسعة أجزاء، ولا شيء في الشعراء لمن لم يدع من أصل القرية سهما مسمى، وأقر أنه انما ابتاع منها أحقالا بأعيانها، أو وهب له منها مواضع بأعيانها، معلومة.
القسمة على الجماجم
وانما تقسم الشعراء بينهم على قدر جماجمهم في وجهين:
أحدهما: - أن يدعي كل واحد منهم جميع الشعراء لنفسه.
فيحلفون ويقسمونها بينهم على السواء، كالثوب بأيدي الجماعة، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه.
والثاني: ان يدعوا أن الشعراء لهم، ومن حق قريتهم، ويقول كل واحد منهم: لا أعلم كم حقي منها.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[2]
وأما المسألة الثانية، وهي السؤال عمن تعدى على حصة رجل من أرض مشتركة بينهما، فزرعها، ولم يخرج ابان الزراعة، ما لواجب للمعتدى عليه منهما، مسألة مختلف فيها، قيل: ان الشركة بينهما شبهة، توجب أن يكون الزرع لزراعة، ويكون عليه كراء حصة شريكه من الأرض وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الشركة.
وقيل: إنه لا شبهة له في ذلك وهو كالمتعدى في زراعة أرض رجل لا شرك له فيها فيكون له نصيبه من الأرض يزرعه، ولا يجوز له أن يسلمه لشريكه، الذي زرعه، ويأخذ منه الكراء، لأنه يدخله بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، اذ قد استوجبه.
وهذا ان كان لم ينبت، لأنه مستهلك، اذ لا يقدر على جمع
حبه من الفدان وكذلك ان كان قد نبت ولا منفعة له فيه ان قلعه ولو كان له فيه منفعة، لوجب أن تقسم الأرض بينهما، فيقلع المتعدي زرعه من حصة شريكه، ويسلمها اليه، فيزرعها لنفسه، أو يدع.
وهذا الذي على ما في قياس ما في سماع سحنون من كتاب [176] المزارعة.
وو بالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[3]
وأما المسألة الثالثة، وهي السؤال عمن أنكح ابنته من رجل، ثم جرى بينهما كلام، فحلف والدها بالايمان اللازمة: ان كانت له بامرأة ان جعلت.
فيها الا الرمح، وكانت للحالف زوجة، فباراها، مخافة الحنث، ثم أنه أجبر على إبراز ابنته إلى زوجها، هل تنفع المبارة أم لا، وما هي من مسألة المدونة: لو كنت حاضرا لفقأت عينه، ومسألة العتبية لشققت جوفه.
لا يلزم من حلف بتلك الايمان طلاق الزوجة
فالجواب فيها: أنها ليست من مسألة المدونة والعتبية بسبيل، لأنه لما حلف بما حلف به، بعد أن عقد نكاحها، دل على أنه انما أراد ألا يبني الزوج بها الا أن يغلب على ذلك، بعد أن يمنع منه بالمحاربة على ذلك بالرمح، فإذا بارأ امرأته، ثم أبرزها إلى زوجها، وامرأته ليست في
عصمته، لم يلزمه فيها طلاق الا انه يحنث في سائر ما يلزم في الايمان اللازمة.
وفي رسم النذور، من سماع أصبغ من كتاب الايمان بالطلاق: بيان هذا في أول مسألة منه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[4]
وأما المسألة الرابعة، وهي السؤال عمن تصدق على ابنه المالك لأمره، بملك له في قرية مع دار له بها، فحوزه الملك، ولم يحوزه الدار، وعقد له عقداً تضمن تحويز الملك، وأن الدار استغنى عن حيازتها لكونها تبعا للملك، وسكن المتصدق الدار حتى مات، هل تكون الدار داخلة في الصدقة:
فالجواب عن ذلك أنها داخلة الصدقة، إذ لا فرق بين أن يتصدق عليه بدارين، فيحوزه احداهما ويسكن الأخرى، حتى يموت فيها وهي تبع للتي حوزه اياها وبين أن يتصدق بملك أو دار، فيحوزه الملك، ويسكن الدار حتى يموت فيها، وهي تبع للملك الذي حوزه اياه.
وقد قال ابن زرب، رحمه الله، فيمن تصدق على ابنته البكر بنصف جميع ماله، وله عقار وثياب، ودار ودواب وعين: إن الصدقة تجوز لها فيما سكن من الدور، وما لبس من الثياب، وفيما كان له من الناض، إذا كان ذلك كله تبعا لما لم يسكنه، ولا لبسه من العقار
والعروض، والحيوان، وهو بين اذ لا معنى للاعتبار بكون ما سكن من جنس ما حوز أو من غير جنسه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[5]
واما المسألة الخامسة، وهي السؤال عمن شهد في عقد نكاح، كان فيه خاطبا، هل تجوز شهادته أم لا: فالجواب في ذلك أن شهادته فيه جائزة، اذ ليس في ذلك وجه من وجوه التهم القادحة في الشهادات.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[6]
واما المسألة السادسة، وهي السؤال عمن أوصى بوصية او بفكاك أسارى، أو غير ذلك من وجوه البر، وجعل تنفيذ الوصية إلى رجل أجنبي، أو لوارثه، وشرط في تنفيذ وصيته: دون مشورة قاض، ولا تعقب حاكم، هل لأحد من الحكام، نظر في شيء مما يفعله المنفذ، وارثا كان أو أجنبيا، وقد شرط الموصي ما تقدم ذكره، أم لا وهل يفترق في ذلك الوارث من الأجنبي؟
فالجواب عن ذلك: ان شرط الموصي عامل، في انه لا يجوز، لحاكم ولا قاض، ان يتعقب شيئاً من ذلك، ولا ينظر فيه، كان المتولي لذلك وارثا، أو اجنبيا، لقول الله عز وجل: فمن بدله بعد ما سمعه
فإنما اثمه على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم.
واذا لاحق له في ذلك، وانما الكلام في ذلك للورثة، فإن كانت الوصية مما تبقى لهم فيها منفعة، كالعتق وشبهه، كان لهم ان يقوموا في ذلك حتى يعلموا ان الوصية قد نفذت كان المنفذ لها وارثا او اجنبيا، وان كانت مما لا تبقى لهم فيها منفعة كالصدقة وشبهها، فلا قيام لهم في ذلك الا ان يكون المنفذ لها وارثا، مخافة ألا ينفذ ذلك ويأخذه لنفسه، فتكون وصية لوارث.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[7]
واما المسألة السابعة، وهي السؤال عمن دفع إلى رجل حقا كان له عليه او باع منه شيئاً، فطلب الدافع المدفوع اليه أو المبتاع البائع أن يشهد له بذلك، فأشهد له شاهدين عدلين، وأبى ان يشهد له [177] غيرهما، وأراد صاحبه الاستكثار / من البينة، هل يلزمه ان يشهد له أكثر من الشاهدين ام لا.
فالجواب عن ذلك: انه لا يلزمه ان يشهد له أكثر من شاهدين، عدلين، لقول الله تعالى: ﴿وأشهدوا شهدين من رجالكم﴾ [سورة البقرة الآية: 282]
وهذا إذا كانا مبرزين في العدالة يمكن الاشهاد على شهادتهما،
إن أراد أن يحصن لنفسه مخافة الموت أو المغيب، أو النسيان.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[8]
وأما المسألة الثامنة، التي بعدها، وهي مسألة المركب بين الشريكين، فالجواب فيها: أن الذي لم يجد لحظه من المركب كراء، ولا كان له ما يحمل فيه، أن يأخذ من شريكه كراء حصته، لما حمل فيه، وله أن يمنعه من السفر به لنفسه خاصة، حتى يواجبه على كراء يتفقان عليه، أو ينفصلا عن الشركة في المركب ببيعه واقتسام ثمنه، أو تقاومه فيما بينهما ان أحبا.
وبالله التوفيق، لا شريك له.
[9]
وأما المسألة التاسعة، التي بعدها، وهي مسألة من مات في بلد، وتخلف فيه، وفي بلد آخر مالا، فالجواب فيها: أن عامل الموضع، الذي فيه استيطان المتوفي، أحق بقبض ميراثه، مات فيه أو في غيره، كان له مال فيه، أو في سواه من البلاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[10]
وأما المسألة العاشرة، وهي السؤال عمن كان له على رجل دين حال، وللغريم سلعة يمكن بيعها مسرعا، فطلب صاحب الدين، بيع السلعة،
وطلب المديان ألا تفوت عليه سلعته، وأن يضع السلعة رهنا، ويؤجل أياما ينظر فيها في الدين، هل له ذلك أم صاحب الدين بيع السلعة؟
فالجواب فيها: أن من حقه أن يجعل السلعة رهنا، ويؤجل في احضار المال بقدر قلته وكثرته، ومالا يكون فيه ضرر على واحد منهما، على ما يؤدى اليه اجتهاد الحاكم في ذلك.
فهذا الذي جرى به القضاء، ومضى عليه العمل، وهو الذي تدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[11]
وأما المسألة الحادية عشرة: وهي مسألة دعوى الافساد في الزرع والثمرة، فالجواب فيها:
أنه لا يلزم الفساد منقرب منه ولا من بعد، الا بشهادة عدلين.
فإن شهد بالفساد بعضهم على بعض، جازت شهادتهم عليها.
وان قال المشهود عليهم بالفساد، بعد أن شهد عليهم به: ان الشهود هم المفسدون، لم يلتفت إلى قولهم، وان كانوا عدولا؛ لأنهم في شهادتهم بعد الشهادة عليها، يدرأون عن أنفسهم، ولا تجوز في شىء من ذلك، ولا فيما سواه شهادة غير العدول.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[12]
وأما المسألة الثانية عشرة، وهي آخر المسائل التي سألت عنها فالجواب فيها: أن للمرأة الرجوع في مال زوجها، بما اغتل مما ساقه اليها، قبل ان تملك أمر نفسها، وبعد ان ملكت أمر نفسها.
وأما سكناه معها في الدار التي ساق اليها، فلا كراء لها عليه فيه، الا للمدة التي لم تخرج فيها من الولاية، على ما جرى به العمل في أحد قولي ابن القاسم في المدونة.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
قاله محمد بن رشد، رضي الله عنه.