[119]- هل كرامات الأولياء حق؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الفقيه الإمام الحافظ أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، رضي الله عنه سألت - عصمنا الله واياك عن اعتقادات أهل البدع والأهواء ولا عدل بك وبنا عن الطريقة المثلى – عما يروى من كرامات الصالحين، وبراهين عباد الله المتقين، هل هي باطل يلزم ابطالها، والتكذيب لها، أو حق يجب التصديق بها، والاعتقاد، لصحتها، وما وجه ما تعلق به من أنكرها؟ والدليل الذي اعتصم به صححها وأثبتها؟
انكار الكرامات وسيلة أهل الزيغ لانكار المعجزات.
فأقول، والله الموفق للصواب برحمته، وتأييده، والهادي إلى المنهج المستقيم، بتوفيقه وتسديده:
ان انكارها، والتكذيب بها، بدعة وضلالة، بثها في الناس اهل الزيغ والتعطيل الذين لا يقرون بالوحي والتنزيل، ويجحدون أيات الأنبياء، والمرسلين، ولا يعتقدون ان لهم ربا وخالقا يفعل ما
يشاء، ويقدر على ما أراد، من جميع الأشياء كي يوقعوا في نفوس الجهال والأغبياء، ابطال معجزات الأنبياء، من ناحية ابطال كرامات الأولياء، اذ هي من قبيل واحد، في أنها ليست من مقدورات البشر.
واذا كان الله تعالى قد دل على صدق الأنبياء بالمعجزات، التي خرق لهم بها العادات، جاز أن يدل أيضا، على طاعة الأولياء في الحال والرضا عن عملهم فيها، بشرط موافاتهم عليها، بما أظهر على أيديهم من الكرامات، لطفا بهم، وبمن سواهم، ممن يطلع على ذلك، لما في ذلك من الحث على طاعته، التي جعلها سببا إلى ما أعد لهم من مثوبته وكرامته.
أدلة وجود الكرامة.
وذا جاز ذلك في العقل، ولم يمتنع، ولا جاء في الشرع ما يمنع منه، بل جاء فيه ما يدل عليه، من ذلك:
قول الله تعالى في كتابه ﴿الله لطيف بعباده، يرزق من يشاء﴾
[سورة الشوى الآية: 19]
وقوله عز وجل [كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم، أني لك هذا؟ [سورة آل العمران الآية: 37]
الآية إلى آخرها قال أهل التأويل كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف،
ومن ذلك ما روى النبي عليه السلام، في قصة جريح، وقصة الثلاثة نفر الذين أووا إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، إلى ما سوى ذلك مما يعز احصاؤه، ولا يمكن استقصاؤه، وجب لإيمان بها والتصديق بما صح منها.
طريقان لصحة الكرامة.
ولوجودها وصحتها، في الجملة، طريقان.
أحدهما: التواتر في النقل الذي يوجب العلم ويقطع العذر [109] وذلك أنه قد روى منها، ونقل مالا يحصى عدده، ولا يمكن حصره، على مر الأيام، وفي جميع الأزمان، ومع اختلاف المواضيع والبلدان هذا ما لا يمكن، أحدا دفعه، لما فيه من جحد الضرورة، الذي هو كمكابرة العيان.
والنقل، إذا اتصل على الحد والمثال، يوجب العلم بما تضمنه في الجملة، اذ لا يمكن أن يتوطأ جميع الناقلين له بهذه الصفة على نقل الكذب في جميع ما نقلوه، لكثرة عددهم، مع افتراق بلدانهم، وتباعد زمانهم، ولا أن يدخل الوهم والخطأ على جميعهم في ذلك، وان جاز على بعضهم، ولا أن يدخل الوهم والخطأ على جميعهم في ذلك، وان جاز على بعضهم؛ فوجب أن يعلم بنقلهم صحة ما نقلوه في الجملة دون التفصيل، كما علم بهذا الجنس من النقل سخاء حاتم طي وشجاعة على، رضي الله عنه، وحلم معاوية، لأنا انما علمنا ذلك بكثرة الروايات عن حاتم في مواهبه في حياته، وبكثرة الروايات عن على في اقدامه في حروبه، وكثرة الروايات عن معاوية في حلمه عمن جهل عليه في أيامه، مع القدرة على عقابه، وان جاز على بعض النقلة، في بعض ما نقلوه من ذلك، الوهم والكذب والخطأ.
والطريق الثاني، أن القول بها، والتصديق لها قد أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وقد حصل العلم بصحة ما أجمعوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم" لن تجتمع أمتي على ضلالة."
لا حجة لمن ينكر الكرامة.
ولا وجه لما تعلق به من أنكرها وأبطلها الا الجهل والضلال، والحيرة، والعمى، اذ لا يجوز أن يدفع وينكر ما روى من الاشياء التي قد استفاضت، وشاعت، وذاعت الا أن يقوم الدليل على بطلانها،
والبرهان على استحالتها وهذا ما لم يقم دليل على بطلانه، ولا استحالته، بل قد قام الدليل على جوازه، ووجوده فوجب الاقرار به والحكم بفساد قول منكره.
العلاقة بين المعجزة والكرامة.
ولو جاز كرامة الأولياء بمجرد الدعوى، دون دليل، لجاز بذلك رد معجزات الانبياء لتساويهما في وقوع العلم بهما في الجملة دون التفصيل، لأن العلم لا يختلف في نفسه باختلاف الطرق في معرفته، ألا ترى أن العلم بأن الله إله موجود على ما هو به من صفات ذاته وافعاله، كالعلم بما علمناه بحواسنا من الاشياء، لا يفترق ذلك في كون المعلوم معلوما عندنا على ما هو به.
وقول من قال: ان خرق الله تعالى العادة معجزة، فلو خرقها للأولياء لكانوا بمنزلة الانبياء باطل، والفرق بين المعجزة والكرامة: أن النبي عليه السلام يعلم إذا خرق الله له العادة، أنه خرقها له لتكون معجزة له، ومصدقة لرسالته، باعلامه اياه بذلك، فهو يتحدى الناس بها، ويعلم أيضا، أنه إذا أرسله رسولا: أنه سيفعل ذلك له قبل أن يفعل له ليصدق رسالته، ومن أكرمه الله من أوليائه يخرق عادة لا يعلم بها قبل أن تكون، ولا يعلم، إذا كانت، ان كانت الكرامة له
أو لغيره، لأن ذلك علم غيب، لا يعلمه الا من أطلعه الله عليه من رسول، قال الله عز وجل: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول﴾ [سورة الجن الآية: 27] فهو إذا ظهرت له، يرجو أن تكون له ويخفيها ويسترها، الله تعالى يظهرها إذا شاء الا اله الا هو، وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه التوفيق لا شريك له.