[113]- آيات تحريم الصيد هل تخاطب المحرمين أم غيرهم؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب اليه، وفقه الله، من مدينة لبلة، بهذا السؤال، ونصه،
الجواب، رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿يأأيها الذين آمنوا، ليبلونكم الله بشيء من الصيد، تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾.
[سورة المائدة الآية: 95]
هل هذه الآية خطاب للمؤمنين فيما تنهى المحرم عنه من الصيد، أو هي خطاب لهم في غير مناسك الحج؟ وما الدليل أنها في الحج، أو غيره؟
فان عندنا رجلا يقول: انما يقول: ان هذه الآية في الحج، من لا يعرف القرآن ولا يفهمه، قال: وانما في المحرم: ﴿يأأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾
[سورة المائدة الآية: 96]
قال: وليس للمحرم عذاب أليم، وانما عليه الجزاء، وانما العذاب الأليم لمن تعدى، فأكل الميتة، أو وجد الصيد ميتا، فأكله، أو باعه، وقال للناس: أني صدته، فهذا معنى قوله: ﴿فمن اعتدى ذلك فله عذاب أليم﴾.
وذهب في هذا كله، إلى صيد أهل الكتاب حرام دون كراهية، كتحريم الخنزير والميتة، واحتج في ذلك بهذه الآية، وقال: لا فرق بينه وبين لحم الخنزير، والميتة والدم.
فالرغبة إلى فضلك في بيان الحق والصواب ان شاء الله ومن اجازه من العلماء دون كراهية، وما الوجه الذي أجازوه من أجله؟ ومن كرهه منهم وما الوجه الذي كرهوه من أجله، ولم يلحقوه
بالحلال ولا الحرام المحض؟ وهل قال أحد من العلماء: انه حرام كالميتة، كما قال هذا الرجل، أم لا؟ فاني ما رأيت هذا الوجه قط.
وهل يجوز صيد أهل الكتاب، إذا علم أنهم لم يذكروا اسم الله عليه، عند من يقول بتحليل صيد اهل الكتاب مع قول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لا يذكر اسم الله عليه﴾
[سورة الأنعام الآية: 21]
كما يجوز أكل طعامهم، وهم يتجرون بالربا، مع قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ أم لا؟ [سورة آل العمران الآية: 130]
وكذلك حكم ما ذكروه وذبحوه من غير الصيد، وما الحجة عند من أجازه، وعند من لم يجزه منهم؟
مأجورا مشكورا، ان شاء الله تعالى.
الآية خاصة بالمحرمين.
فأجاب، أدام الله توفيقه: تصفحت السؤال ووقفت عليه، والصحيح في الآية أن المراد بها المحرمون، لأنها نزلت فيهم، كذلك قال جماعة من العلماء من أهل التفسير وغيرهم، وممن نص على ذلك ابن حبيب في الواضحة، وروى عن ابن عباس أنه قال: نزلت في هذه الآية بالحديبية ابتلاهم الله بالوحش، فكانت تغشي رحالهم كثرة.
ومعنى الابتلاء الاختبار، فأراد الله أن يختبرهم ليعلم من يخافه بالغيب منهم في ترك الصيد المحرم عليهم، تمكنه بهم ومعنى ليعلم أي ليعلم وقوع الطاعة والمعصية منهم، فيجازى الطائع بطاعته، ويعاقب العاصي على معصيته، أو يتجاوز عنهما، اذ قد تقدم علمه في الأزل بمن يطيعه ممن يعصيه، لا اله الا هو.
ومعنى قوله: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي من تجاوز فقتل الصيد، بعد علمه بالنهي.
وقوله فله عذاب أليم.
معناه عند من أوجب الجزاء على من قتل الصيد، متعمدا، ضرب وجيع وعند من لم ير الجزاء الا على المخطئ، أو الناسي لاحرامه المتعمد للصيد، عذاب أليم في الآخرة، وقيل: الاعتداء المعاودة ومن عاد فقتل ثانية، لم يكن عليه جزاء واستوجب النقمة، بقوله عز وجل "ومن عاد فينتقم الله منه" وهو العذاب في هذه الآية، ذهب إلى هذا جماعة من العلماء.
حكم صيد أهل الكتاب.
وأما صيد أهل الكتاب فهو على مذهب مالك، رحمه الله، حرام لا يؤكل منه الا ما أدركوا ذكاته، فذكوه بما يذكى به النسي.
ودليله على ذلك توجه الخطاب، في اباحة الصيد إلى المسلمين دون الكفار، في جميع أي القرآن.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى اباحة الصيد، لقول الله عز وجل: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [سورة المائدة الآية: 5]
وهو قول أشهب وابن وهب، [105] وعلى ابن زياد من أصحاب مالك واياه اختار سحنون.
وكرهه جماعة من أهل، منهم ابن حبيب، والكراهة من ذلك على مذهب من أجازه، بينة لوجهين:
أحدهما: مراعاة الخلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه الحديث﴾
والثاني: أن الصيد له حدود تلزم معرفتها، فاذا كان صيد الجاهل بها الذي لا يرع عن توقي ما يلزمه أن يتوقاه في صيده، مكروها فالذمي أحرى أن يكره صيده؛
ومن يجيز صيد أهل الكتاب لا يشترط في جواز ذلك التسمية اذ لا تصح التسمية منهم.
وقول الله عز وجل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، قيل المراد بذلك التذكية لا التسمية، وقيل: المراد بذلك التسمية، الا أن الآية منسوخة بقول الله عز وجل: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم لأن الله أباح بقوله هذا، أكل ذبائحهم، وهم لا يسمون الله عليها، وقيل: انها ليست بناسخة لها، وانما هي مخصصة.
فالتسمية على هذا شرط في صحة زكاة المسلم، قيل على كل حال وقيل: مع الذكر والقدرة، وهو مذهب مالك رحمه الله.
وبالله التوفيق لا شريك له.