[110]- شرح نص من تلقين القاضى عبد الوهاب، حول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تتميم عتق العبد.
وقال الفقيه الإمام، الحافظ، أبو الوليد محمد بن رشد رضي الله عنه: سألنى سائل أن أوضح له معنى قول القاضى أبى محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادى المالكى، رضي الله عنه، في «التلقين» له:
«ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء، ومن بعض العتق باختياره له، أو بسببه، لزمه تكليمه، كان باقى العبد له، أو لغيره؛ بشرطين أحدهما وجود ثمنه، والآخر بقاء ملكه، وقيل في هذا: يلزم في ثلثه.
وسواء كان أحد الثلاثة مسلما، أو ذميا».
معنى قوله: لا يخوز تبعيض العتق.
فقلت: أما قوله، في أول كلامه: «ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء» فانه كلام ليس على حقيقة ظاهرة، لأن تبعيض العتق هو: أن يعتق الرجل بعض عبده، أو شقصا له في عبد، ومن فعل ذلك لزمه العتق، ومضى عليه، بلا خلاف، ولزمه فيه حكم آخر، وهو التتميم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم انما قال: «من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه قيمة العدل».
الحديث.
ولم يقل: من أعتق شركا له في عبد له لم يجز، ولو قال ذلك، لوجب أن يرد عتق من أعتق بعض عبده، أو شقصا له في عبده.
فلا يصح أن يطلق في العتق: انه غير جائز، الا فيما يجب رده، كمعتق عبد غيره.
فمراده رضي الله عنه، بقوله: «يجوز تبعيض العتق ابتداء»
أي لا يجوز اقرار العتق مبعضا، الا أن يمنع من تتميمه مانع»، وهذا مفهوم لا اشكال فيه، وإنما ذكرنا وجه مراده ليبين أنه ليس على حقيقة مقتضى كلامه، وان فيه تجاوزا، وللمخاطب أن يتجاوز في اللفظ، إذا امن من اشكال المعنى.
معنى اختيار العتق، أو سبب العتق.
قال ابو الوليد، رضي الله عنه: وأما قوله، «ومن بعض العتق باختياره له / أو بسببه لزمه تكميله، كان باقى العبد له أو [100] لغيره»: فاختياره للعتق هو أن يعتقه باختياره من غير أن يجب عليه عتقه، بنذر أو حكم.
وعتقه بسببه هو أن يجب عليه عتقه بأمر كان سببه منه من نذر، مثل أن يقول لله على أن أعتق نصف عبدى، أو حظى من هذا العبد، ان شفانى الله من مرضى وما أشبه ذلك، أو حنت مثل كذا وكذا، فيفعله، أو بحكم، مثل يشترى بعض من يعتق عليه.
وانما قال: باختياره له، أو بسببه.
ولم يقل: باختياره له أو بغير اختيار، تحرزا من الميراث، اذ يعتق على من ورث شقصا في عبد، ممن اختياره، تحرزا من الميراث، اذ يعتق على من ورث شقصا في عبد، ممن يعتق عليه ما ورث، ولا يقوم عليه باقية، لم يكن له في عتقه
سبب من أجل أن الميراث جره اليه، بخلاف الذى يتريه هو باختياره.
ورأيت في بعض النسخ: «ومن بعض العتق باختياره، أو لسببه» باللام، وهو لاظهر، ومعناه: ومن بعض العتق باختياره للعتق، او باختياره لسبب العتق، فيكون على هذا، اختياره للعتق، أن يعتقه ابتداء.
أو لنذر، واختياره لسبب العتق، هو أن يفعل ما يوجب عتقه عليه، من التمثيل به، او شراء من يعتق عليه، أو قبوله ممن وهبه له، أو أوصى له به، وما أشبه ذلك.
معنى الشرطين: وجود الثمن، وبقاء الملك.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وأما قوله: إن التكملة تجب عليه في الوجهين، بشرطين: أحدهما وجود ثمنه، والآخر بقاء ملكه «فليس مراده أن الشرطين جميعا في كل واحد من الوجهين، وان كان ذلك ظاهر قوله، وانما أراد: بشرط وجود الثمن في الذى أعتق شقصا له من عبد باختياره له أو بسببه، اذ لا يحتاج إلى ثمن فيمن أعتق بعض عبده، لأن باقية له، فهو يعتق عليه من غير أداء ثمن.
وأراد ببقاء ملكه في الذى أعتق بعض عبده باختياره له، أيضا، أو بسببه اذ لا يتصور بقاء الملك فيمن أعتق شقصا له في عبد بينه وبين شريكه، اذ لم يبق له بعد فيه ملك يصح أن يشترط بقاؤه.
وأراد ببقاء ملكه: استدامة حياته، لأنه إذا مات، انتقل ملك ما بقى منه إلى ورثته، ولم يجب عتقه، وهنا قال: «وقد قيل، في هذا: يلزم في ثلثه» أي يعتق الباقى منه في الثلث، ان حمله الثلث، وان لم يحمله، عتق منه ما حمله الثلث، وكان الباقى رقيقا للورثة.
وهذا قول لا اعرفه نصا في المذهب، وهو يقوم منه بالمعنى.
وقد قيل: انه يعتق عليه بعد الموت باقية، من رأس ماله، حكى هذا ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه، ولم يحك عنه فيه اختلافا، وظاهر ما في المدونة يخالفه، وعليه عول القاضى، رحمه الله، فيما شرط في ايجاب تكميله من بقاء ملكه، اذ هو الصحيح في القياس والنظر، لا ما حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، اذ ليس للميت بعد موته من ماله الا ثلثه، فاعتاقه عليه بعد موته من راس المال، ظلم للورثة، وانما يصح أن يعتق بعد موته، على مذهب من يرى أن جميعه حر بنفس عتق بعضه بالسراية.
وقد قال بعض من لم يبن له وجه قوله: «وقيل في هذا يلزم في ثلثه» هو خطأ، واظنه: «ومثل هذا يلزم في ثلاثة، أي: في العبد يكون بين ثلاثة أشراك».
وهذا فاسد؛ اذ لا يتصور الحكم الذى ذكره الا في الذى يعتق بعض عبده.
صورة تتميم العتق.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وأما قوله: وسواء كان أحد الثلاثة مسلما أو ذميا»، فيريد بالثلاثة: العبد، والسيدين الشريكين فيه، فأراد: أن الحكم العبدين الشريكين يعتق أحدهما حظه منه، سواء
كان أحد الثلاثة مسلما، والأثنان ذميين، أو أحد الثلاثة ذميا، والاثنان مسلمين.
واحد ذمى والاثنان مسلمان.
فأما إذا كان أحد الثلاثة ذميا، والاثنان مسلمين، فلا اختلاف في وجوب التقويم، كان الذمى هو الشريك الذى أعتق، أو الشريك الذى لم يعتق، أو العبد.
واحد مسلم والآخران ذميان.
وأما إذا كان أحد الثلاثة مسلما، والاثنان ذميين، ففى ذلك تفصيل:
أما إذا كان الشريكان هما الذميين.
والعبد مسلما فلا اختلاف في وجوب التقويم على من أعتق حظه منها؛ لأنه إذا كان العبد المسلم يقوم على المسلم، إذا أعتق حظه منه، فأحرى أن يقوم على النصرانى إذا أعتق حظه منه.
وكذلك إذا كان الذميان هما العبد والسيد الذى لم يعتق، لأنه حكم بين مسلم ونصرانى.
واما إذا كان الذميان هما العبد والسيد الذى اعتق حظه فمذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة: أنه لا يقوم على المعتق.
وقال أشهب، ابن نافع: يقوم عيه، لأن الحكم انما هو [101] بين / السيدين، وأحدهما مسلم.
وهذا القول تقلد القاضى، رحمه الله، لا قول مالك، ولذلك قال، «وسواء كان أحد الثلاثة مسلما، او ذميا».
وبالله تعالى التوفيق.