[1]- هبة وإقرار للوارث، في حال المرض.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فأما الأول فرجل توفي، وأثبتت عندي زوجه صداقها، فقام الورثة، والمقدم على النظر في ثلثه، الموصى به للمساكين، بشهادة شاهد ممن قبلته، بما هذا نصه: عقد إشهاد بوصية للزوج " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - أشهدت فاطمة بنت الفقيه فلان، وهي عليلة الجسم ثابتة العقل والذهن، حين كتبت وصيتها، وأشهدت عليها،
في وقت كذا: أنها وهبت لزوجها فلان كالئ مهرها، الذي مبلغه ستون مثقالا، وأن العبيدي، والتستري الأبيض والمعجزيين، والجمان، وعقدي الجوهر، جميع ذلك لا حق لي فيه ".
وزاد في شهادته: " أنه لا يعلم أن الزوج قبل هذه الهبة، وأنَّهُ استقصى حينئذ منه هذه الشهادة ".
وثبت عندي صحة المرأة بعد، من هذا المرض، وحياتها إلى الآن، وشهد عندي عدلان: أن الزوج وقف المرأة قبل موته بحضرتهما على أنها وهبته كالئها، فقالت مجيبة له من وراء الستر: بعد موتي، فسكت الزَّوْج، وشهد عندي هذان العدلان بأن الزوج أبرأ المرأة قبل موته، وفي مرضه، براءة تامة.
فتأمل - أعزك الله - ما شهد به الشاهد من الهبة في المرض، ثم طرو الصحة بعد ذلك، وهل للورثة قيام بها إذا لم تثبت على الزوج ردا لهذه الهبة، سوى ما تقيد من شهادة الشهود، حسبما تقدم؟ وهل اقتضاء الزوج الشهادة وطلبها قبول، مع كون الدين في ذمته، فقام مقام الحوز التام؟ وهل يشترط في هذا معرفة القبول وثباته، أم يغني عنه اقتضاء الشهادة مع الحوز، ويقوم مقامه؟ وهل يورث القبول كغيره، أم لا؟ وهل يلفق إقرارها للشاهدين الآخرين بالهبة مع دعواها: " بعد العين " أم لا؟ وما يجب للناظر في الثلث لغير معين
من ذلك؟ وهل يستحق صاحب الثلث شيئاً بيمين الورثة، مع شهادتهم إن وجب؟ وهل يشترط أن يكون القبول متصلا بالهبة، أم يبطله طول المدة في مسألتنا، وما وهب له بيده؟ وما الحكم فيما أقرت به في شهادة الشاهد من الثياب، والجوهر، وقطبعت فيه دعواها، وقد ادعى الآن الورثة أن ذلك عندها؟ وهل إبراء الزوج لها في شهادة الشاهدين إبراء من الطلب بذلك أم لا، إذ من حجة الورثة أن يقولوا: إنه أبرأها مما يدعي عليها به، وأما هذا فهي مقرة به، ولعله حين أبرأها كان ما أقر به عنده، وفي حوزه، ثم بعد ذلك صار عند الزوجة " وكيف إن قالت الزوجة: ليس يعندي شيء مما ذكر، وقد أخذ متاعه حينئذ، وفعل به ما شاء، أو قالت: ذلك عندي، وقد قطع فيه الطلب عني بإبرائي؟.
فجاوبني متفضلا، مأجورا على ذلك، فصلا فصلا، فالأمر فيه موقوف.
والسلام عليك، ورحمة الله وبركاته.
الجواب عليه: يا سيدي، وأعظم عددي، وأجل أوليائي في الله، وعمدي ومن أبقاه الله مؤيدا بتقواه، معانا على ما فيه بره ورضاه، تصفحت سؤالك الواقع فوق هذا، ووقفت عليه.
وسكوت الزوج على قول المرأة مِنْ وراء الستر: " بعد موتي "، حين
وقفها على هبة الكالئ له، بحضرة الشاهدين، وتركه رد ذلك عليها، تسليم منه لقولها، وإبطال للهبة، وإذا بطلت الهبة بهذا، لم يحتج إلى التكلم فيما سألت عنه، مما يتعلق بذلك.
والقول قول المرأة مع يمينها في الثياب والعقود التي أقرت في مرضها إنها لزوجها.
وإن قالت له:
إنه قد أخذها، وإنها ليست عندها، حلفت على ذلك.
وإن ادعت أن إقرارها بها له في مرضها إنما كان على وجه التوليج منها إليه صدقت في ذلك مع يمينها، وإن كانت قد صحت من مرضها؛ بدليل إبراء الزوج لها، وإقراره: أنه لا حق له عندها، مع ضعف إقرارها له، لأن أصله كان في المرض، ولم يعلم أنها تمادت عليه، بعد أن صحت من مرضها، ولا قام هو عليها في صحتها.
وقد قال جماعة من كبار أصحاب مالك المدنيين: أن إقرار الرجل في صحته بدين لوارثه لا يجوز إلا أن يقوم عليه فيه في صحته، فكيف إذا كان الأصل الإقرار في المرض.
هذا بين إن شاء الله.
وبه التوفيق.