[303]- شرح نص حول الكفالة من المدونة.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شرح المسألة الواقعة في كتاب الدعوى من كتاب الكفالة من المدونة، وهي: " وسألت ابن القاسم عن ثلاثة نفر اشتروا سلعة من رجل، وكتب عليهم أيهم شئت أخذته بحقي، وكل واحد منهم حميل بما على صاحبه، فمات أحد الثلاثة، فادعى ورثة الهالك أنه قد دفع المال كله إلى بائع السلعة، وأقاموا شاهدا؟ قال، يحلفون مع شاهدهم،
ويبرأون، ويرجعون على الشريكين الباقيين بما أدى عنهم صاحبهم ".
قال الفقيه أبو الوليد، رضي الله عنه: وهذا بين لا إشكال فيه.
نكول الورثة عن اليمين: أ- الميت مليء
وأما إن نكل الورثة عن اليمين مع شاهدهم فإن الأمر لا يخلو من أن يكون الميت مليا أو معدما فأما كان الميت مليا فإن الأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع عن نفسه، وعنهما، ليرجع عليهما بما ينوبهما منه.
والثاني: أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالنا، بوكالتنا إياه على ذلك.
والثالث: أن يقولا: إنما دفع ذلك من ماله إلى البائع، وأموالنا؛ إذ كنا قد دفعنا إليه ما ينوبنا منه، ووكلناه على دفعه عنا.
(1) فأما الوجه الأول، وهو أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع عن نفسه، وعنهما بما ينوبهما منه، فترجع اليمين على البائع، فيحلف على تكذيب بما شهد به الشاهد، ويرجع بجميع حقه، فيأخذ ثلثيه مِنَ الشريكين، وثلثه من مال المتوفى وليس للورثة أن يرجعوا على الشريكين بما ينوبهما من المال، الذي أقرأ أن موروثهم أداه على ما شهد به الشاهد، وإن كانا قد صدقاه
في شهادته بذلك؛ لأن الميت ضيع في تركه الأشهاد؛ فالمصيبة منه قال ابن أبي زيد: إلا أن يكون الدفع بحضرتهما، فيكون لهم الرجوع بذلك عليهما.
قال أبو الوليد ابن رشد، رضي الله عنه: وذلك ما روى أبو زيد عن ابن القاسم، خلاف ما روى عنه عيسى، من أنه لا رجوع لهم عليه وإن كان الدفع بحضرتهما.
قال في هذا الوجه، في الكتاب: " ولا يحلف الشريكان، لأنهما يغرمان "، فأما قوله: " لأنهما يغرمان " فتعليل فيه نظر، يوهم أنه أراد: أنهما لا يحلفان، لأنهما إن حلفا، غرما للورثة، وإن لم يحلفا غرما للبائع؛ ولذلك لم يحلفا: ولو كان مراده ذلك لكان من حقهما أن يحلفا، إن شاءا، ليسقطا طلب البائع عنهما، بما قد يرجون من مسامحة الورثة لهما في الاقتضاء.
ولا يصح أن يكون مراده ذلك لما بيناه من أنه لا رجوع للورثة عليهما بما ينوبهما، مما أدى الميت عنهما من ماله، وإن صدقاه على الدفع، إلا أنه يقرا أنه كان بحضرتهما، على إحدى الروايتين المذكورتين عن ابن القاسم، وإنما كان يجب أن يقول: ولا يحلف الشريكان، ويغرمان للبائع، فإن نكل البائع في هذا الوجه عن اليمين، بعد نكول الورثة سقط حقه، ورجع الورثة على الشريكين بما ينوبهما من الحق.
(2) وأما الواجب الثاني، وهو أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالنا، بوكالتنا إياه على ذلك، ففي ذلك من المتأخرين اختلاف، قال ابن أبي زيد: يحلف الشريكان لقد دفع الميت ذلك، ويبريان، ويرجع البائع على الورثة، بما ينوبهما، لنكولهم، بعد يمينه: أنه ما قبض من وليهم شيئاً، وللشريكين أن يحلفا الورثة، إن كانوا كبارا: ما يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئاً، فإن نكلوا عن اليمين حلفا: لقد دفعا جميع الحق إليه، ورجعا إليه بالثلث الذي ينوبهم منه.
وذهب أبو إسحق التونسي إلى أن البائع يحلف، فيأخذ من جميعهم ماله، ويحلف الورثة للشريكين: أنه ما يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئاً، فإن نكلوا عن اليمين حلف الشريكان: لقد دفعا ذلك إليه، ورجعا عليهم في التركة، بما ينوب الميت من ذلك.
قال: ولا يكون للشريكين أن يخلفا: لقد دفع الميت ذلك من أمولاهما، ويبريان؛ لأن ما في يد الميت على ملكه حتى يثبت الدفع إليه.
وذهب بعض الأندلسيين إلى أن الشريكين يحلفان: لقد دفع الميت ذلك من أموالهما ويبريان، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما منه، إذا لم يختلفوا.
فهذه ثلاثة أقوال في هذا الوجه.
أحدها: أن الشريكين يحلفان ويبرآن من نصيبهما ولا يرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثاني: أنهما يحلفان ويبرآن من نصيبهما، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثالث: أنهما لا يمكنان من اليمين.
قال الفقيه أبو الوليد، رضي الله عنه: والذي يوجبه النظر عندي، إذا لم يكن للشريكين بينة على ما ادعيا من دفع المال إلى الميت، ولا شهد بذلك الشاهد: أن يقال للورثة: احلفوا أنكم ما تعلمون أنهما دفعا إليه شيئاً، فإن حلفوا على ذلك، لم يمكن الشريكان من اليمين، وحلف البائع لنكول الورثة، ورجع عليهما، وعلى الورثة، بحقه، وإن نكلوا عن اليمين حلف الشريكان: لقد دفعا ذلك إليه، ولقد دفع ذلك هو إلى البائع، وبرئا من نصيبهما، ورجعا على الورثة بما ينوبهما.
(3) وأما الوجه الثالث، وهو أن يقولا: إنما دفع ذلك إلى البائع من ماله، وأموالنا ففي قول ابن أبي زيد: يحلف الشريكان ويبرآن، ويحلف البائع ويرجع، على الورثة بما ينوبه من ذلك، وعلى ما ذهب إليه أبو إسحق التونسي: لا يمكن الشريكان من اليميبن، ويحلف البائع، ويرجع على جميعهم بماله.
قال الفقيه أبو الوليد، رضي الله عنه: والذي يوجبه النظر عندي على ما تقدم: أن يقال للورثة: احلفوا أنكم ما تعلمون أنهما دفعا إليه شيئاً، فإن حلفا على ذلك لم يمكن الشريكان من اليمين، وحلف البائع، ورجع على جميعهم بماله، وإن نكلوا عن اليمينه حلف الشريكان: لقد دفعا ذلك إلى الميت، وحلفا مع الشاهد: لقد دفع ذلك الميت إلى البائع، وبرئا من نصيبهما، وحلف البائع: ما دفع إليه شيئاً، ورجع على الورثة بما ينوبه.
ب- الميت معدم
فصل، وكذلك إذا كان الميت معدما، لا يخلو الأمر أيضا، من الثلاثة الوجوه المذكورة:
فأما الوجه الأول منها، وهو أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع، عن نفسه، وعنهما بما ينوبهما، فذهب ابن أبي زيد إلى أن للشريكين أن يحلفا مع الشاهد؛ ليبرأا من حمالة الثلث، الذي الميت به عديم، قال: فإن حلفا غرما للورثة الثلثين، ورجع البائع عليهم في ذلك بالثلث إذا حلف: أنه لم يقبض من وليهم شيئاً.
وذهب أبو إسحق التونسي إلى أن الشريكين، إذا حلفا مع الشاهد، ليبرأا من حمالة الثلث، الذي الميت به عديم، لا يغرمان الثلثين للورثة، وإنما يغرمان ذلك للبائع بعد يمينه، وهو الصحيح، على ما بيناه من أنهما لا يلزمهما للورثة بما دفع الميت عنهما من ماله لأنه أتلف ذلك على نفسه بتضييعه الإشهاد.
وقد مضى القول على الوجه الثاني والثالث، إذا كان الميت مليا، ولا فرق بين أن يكون مليا أو معدما إلا في اتباع ذمته إن طرأ له مال.
وبالله التوفيق.