مَضَاءُ بْنُ عِيسَى وَمِنْهُمْ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى الشَّامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ، اجْتَذَبَهُ الْحُبُّ وَاسْتَلَبَهُ الْخَوْفُ
قَالَ: وَقَالَ ذُو النُّونِ: " دَخَلْتُ عَلَى مُتَعَبِّدَةٍ، فَقُلْتُ لَهَا: كَيْفَ أَصْبَحْتِ؟ فَقَالَتْ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى وَقَارٍ مُبَادَرَةً فِي أَخْذِ الْجِهَازِ، مَتَأَهِّبَةً لِهَوْلِ يَوْمِ الْجَوَازِ لَهُ عَلَيَّ نِعَمٌ أَعْتَرِفُ بِتَقْصِيرِي عَنْ شُكْرِها، وَأَتَّصِلُ عَنْ ضَعْفِي عَنْ إِحْصَائِهَا وَذِكْرِهَا، فَقَدْ غَفَلَتِ الْقُلُوبُ عَنْهُ، وَهُوَ مُنْشِيهَا، وَأَدْبَرَتِ النُّفُوسُ عَنْهُ وَهُوَ يُنَادِيهَا فَسُبْحَانَهُ مَا أَمْهَلَهُ فَلَا نَامَ مَعَ تَوَاتُرِ الْأَيَادِي وَالْإِنْعَامِ "
قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنْتَ مَلِكٌ مُقْتَدِرٌ، وَأَنَا عَبْدٌ مُفْتَقِرٌ، أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ تَذَلُّلًا فَأَعْطِنِيهِ تَفَضُّلًا»
قَالَ وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " مِنَ المُحَالِ أَنْ يَحْسُنَ مِنْكَ الظَنُّ وَلَا يَحْسُنَ مِنْهُ المَنُّ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَيْفَ أَفْرَحُ بِعَمَلِي وَذُنُوبِي مُزْدَحِمَةٌ، أَمْ كَيْفَ أَفْرَحُ بِأَمَلِي وَعَاقِبَتِي مُبْهَمَةٌ "
قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الْكَيِّسُ مَنْ بَادَرَ بِعَمَلِهِ وَسَوَّفَ بِأَمَلِهِ وَاسْتَعَدَّ لِأَجَلِهِ»
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِلَهِي إِنْ كَانَ صَغُرَ فِي جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِي فَقَدْ كَبُرَ فِي جَنْبِ رَجَائِكَ أَمَلِي، إِلَهِي كَيْفَ أَنْقَلِبُ مِنْ عِنْدَكَ مَحْرُومًا وَقَدْ كَانَ حُسْنُ ظَنِّي بِكَ مَنُوطًا، إِلَهِي فَلَا تُبْطِلْ صِدْقَ رَجَائِي لَكَ بَيْنَ الْآدِمِيِّينَ، إِلَهِي سَمِعَ الْعَابِدُونَ بِذِكْرِكَ فَخَضَعُوا وَسَمِعَ الْمُذْنِبُونَ بِحُسْنِ عَفْوِكَ فَطَمِعُوا، إِلَهِي إِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْنِي الْخَطَايَا مِنْ مَكَارِمِ لُطْفِكَ فَقَدْ آنَسَنِي الْيَقِينُ إِلَى مَكَارِمِ عَطْفِكَ، إِلَهِي إِنْ أَمَّنَتْنِي الْغَفْلَةُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَائِكَ فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ لِكَرَمِ آلَائِكَ.
إِلَهِي إِنْ دَعَانِي إِلَى النَّارِ أَلِيمُ عِقَابِكَ فَقَدْ دَعَانِي إِلَى الْجَنَّةِ جَزِيلُ ثَوَابِكَ»
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَسَأَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صِفَةِ الْمُهْمُومِينَ، فَقَالَ لَهُ ذُو النُّونِ: " لَوْ رَأَيْتَهُمْ لَرَأَيْتَ قَوْمًا لَهُمْ هُمُومٌ مَكْنُونَةٌ خُلِقَتْ مِنْ لُبَابِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْمَعْرِفَةُ إِلَى قُلُوبِهِمْ سَقَاهُمْ بِكَأْسِ سِرِّ السِّرِّ مِنْ مُؤَانَسَةِ سِرِّ مَحَبَّتِهِ فَهَامُوا بِالشَّوْقِ عَلَى وُجوهِهِمْ فَعِنْدَهَا لَا يَحُطُّونَ رِحَالَ الْهَمِّ إِلَّا بِفَنَاءِ مَحْبُوبِهِمْ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ لَرَأَيْتَ قَوْمًا أَزْعَجَهُمُ الْهَمُّ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَثَبَتَتِ الْأَحْزَانُ فِي أَسْرَارِهِمْ فَهِمَمُهُمْ إِلَيْهِ سَائِرَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الشَّوْقِ طَائِرَةٌ، فَقَدْ أَضْجَعَهُمُ الْخَوْفُ عَلَى فُرُشِ الْأَسْقَامِ، وَذَبَحَهُمُ الرَّجَاءُ بِسَيْفِ الِانْتِقَامِ، وَقَطَعَ نِيَاطَ قُلُوبِهِمْ كَثْرَةُ بُكَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَزَهَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْوَلَهِ إِلَيْهِ، قَدْ هَدَّ أَجْسَامَهُمُ الْوَعِيدُ، وَغَيَّرَ أَلْوَانَهُمُ السَّهَرُ الشَّدِيدُ إِلَى الْهَرَبِ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْأَعْلَاقِ إِلَى أَنْ تَفَرَّقُوا فِي الشَّوَاهِقِ وَالْمَغَائِصِ وَالْآكَامِ، أَكْلُهُمُ الْحَشِيشُ، وَشُرْبُهُمُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ، يَتَلَذَّذُونَ بِكَلَامِ الرَّحْمَنِ يَنُوحُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ نُواحَ الْحَمَامِ، فَرِحِينَ فِي خَلَوَاتِهِمْ لَا يَفْتُرُ لَهُمْ جَارِحَةٌ فِي الْخَلَوَاتِ، وَلَا تَسْتَرِيحُ لَهُمْ قَدَمٌ تَحْتَ سُتُورِ الظُّلُمَاتِ، فَيَا لَهَا نُفُوسٌ طَاشَتْ بِهِمَمِهَا وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَحَبَّتِهَا لِمَا أَمَّلَتْ مِنِ اتِّصَالِ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهَا، فَنَظَرَتْ فَآنَسَتْ وَوَصَلَتْ فَأَوْصَلَتْ، وَعَرَفَتْ مَا أَرَادَ بِهَا فَرَكِبَتِ النُّجُبَ وَفَتَقَتِ الْحُجُبَ حَتَّى كَشَفَتْ
عَنْ هَمِّهَا الْكُرَبُ، فَنَظَرَتْ بِهِمَمِ مَحَبَّتِهَا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، ثُمَّ أَنْشَأَ ذُو النُّونِ يَقُولُ: [البحر الطويل] رِجَالٌ أَطَاعُوا اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ ... فَمَا بَاشَرُوا اللَّذَّاتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ أُنَاسٌ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ أُنْزِلَتْ ... فَظَلُّوا سُكُونًا فِي الْكُهُوفِ وَفِي الْقَفْرِ يُرَاعُونَ نَجْمَ اللَّيْلِ مَا يَرْقُدُونَهُ ... فَبَاتُوا بِإِدْمَانِ التَّهَجُّدِ وَالصَّبْرِ فَدَاخَلَ هُمُومَ الْقَوْمِ لِلْخَلْقِ وَحْشَةٌ ... فَصَاحَ بِهِمْ أُنْسُ الْجَلِيلِ إِلَى الذِّكْرِ فَأَجْسَادُهُمْ فِي الْأَرْضِ هَوْنًا مُقِيمَةٌ ... وَأَرْوَاحِهِمْ تَسْرِي إِلَى مَعْدِنِ الْفَخْرِ فَهَذَا نَعِيمُ الْقَوْمِ إِنْ كُنْتَ تَبْتَغِي ... وَتَعْقِلُ عَنْ مَوْلَاكَ آدَابَ ذَوِي الْقَدْرِ "
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى يَأْنَسُ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ؟ قَالَ: «إِذَا خَافَهُ أَنِسَ بِهِ، إِنَّمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَنْ وَاصَلَ الذُّنُوبَ نُحِّيَ عَنْ بَابِ الْمَحْبُوبِ»
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: " بَلَغَنِي أَنَّ ذَا النُّونِ، يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَخَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ قَاصِدًا إِلَيْهِ حَتَّى وَافَيْتُهُ فِي جِيزَةِ مِصْرَ، فَأَوَّلُ مَا بَصُرَ بِي وَرَآنِي وَأَنَا طَوِيلُ اللِّحْيَةِ وَفِي يَدِي رَكْوَةٌ طَوِيلَةٌ مُتَّزِرٌ بِمِئْزَرٍ وَعَلَى كَتِفَيَّ ِمِئْزَرٌ، وَفِي رِجْلِي نَامُوسَةٌ فَاسْتَشْنَعَ مَنْظَرِي، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ ازْدَرَانِي وَلَمْ أَرَ مِنْهُ تِلْكَ الْبَشَاشَةَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا تَدْرِي مَعَ مَنْ وَقَعْتَ؟ قَالَ: فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَبْرَحْ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُتُكَلِّمِينَ فَنَاظَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ فَاسْتَظْهَرَ عَلَى ذِي النُّونِ وَعَلَيْهِ، فَاغْتَنَمْتُ ذَلِكَ وَبَرَكْتُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا وَاسْتَلَبْتُ الْمُتَكَلِّمَ إِلَيَّ وَنَاظَرْتُهُ حَتَّى قَطَعْتُهُ.
ثُمَّ نَاظَرْتُهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامِي، قَالَ: فَتَعَجَّبَ ذُو النُّونِ - وَكَانَ شَيْخًا وَأَنَا شَابٌّ - قَالَ: فَقَامَ مِنْ مَكَانِهِ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيَّ وَقَالَ: اعْذُرْنِي فَإِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَحَلَّكَ مِنَ الْعِلْمِ وَأَنْتَ آثَرُ النَّاسِ عِنْدِي.
قَالَ فَمَا زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يُجِلُّنِي وَيُكْرِمُنِي وَيَرْفَعُنِي عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَقِيتُ عَلَى ذَلِكَ سَنَةً، فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا أَسْتَاذُ أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ، وَقَدِ اشْتِقْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدْ خَدَمْتُكَ سَنَةً، وَقَدْ وَجَبَ حَقِّي عَلَيْكَ وَقِيلَ لِي إِنَّكَ تَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ
الْأَعْظَمَ وَقَدْ جَرَّبْتَنِي وَعَرَفْتَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ فَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ فَعَلِّمْنِي إِيَّاهُ.
قَالَ: فَسَكَتُّ ذُو النُّونِ عَنِّي وَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ وَأَوْهَمَنِي أَنَّهُ لَعَلَّهُ يَقُولُ لِي وَيُعَلِّمُنِي ثُمَّ سَكَتَ عَنِّي سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا يَعْقُوبَ أَلَيْسَ تَعْرِفُ فُلَانًا صَدِيقَنَا بِالْفُسْطَاطِ الَّذِي يَجِيئُنَا - وَسَمَّى رَجُلًا -؟ فَقُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَأَخْرَجَ إِلَيَّ مِنْ بَيْتِهِ طَبَقًا فَوْقَهُ مِكَبَّةٌ مَشْدُودٌ بِمِنْدِيلٍ، فَقَالَ لِي: أَوْصِلْ هَذَا إِلَى مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ بِالْفُسْطَاطِ.
قَالَ فَأَخَذْتُ الطَّبَقَ لِأُوَدِّيَهُ فَإِذَا طَبَقٌ خَفِيفٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا بَلَغْتُ الْجِسْرَ الَّذِي بَيْنَ الْفُسْطَاطِ وَالْجِيزَةِ قُلْتُ فِي نَفْسِي: ذُو النُّونِ يُوَجِّهُ إِلَى رَجُلٍ بِهَدِيَّةٍ وَهَذَا أَرَى طَبَقًا خَفِيفًا لَأُبْصِرَنَّ أَيَّ شَيْءٍ فِيهِ.
قَالَ: فَحَلَلْتُ الْمِنْدِيلَ وَرَفَعْتُ الْمَكَبَّةَ فَإِذَا فَأْرَةٌ قَدْ قَفَزَتْ مِنَ الطَّبَقِ فَمَرَّتْ.
قَالَ: فَاغْتَظْتُ وَقُلْتُ إِنَّمَا سَخِرَ بِي ذُو النُّونِ وَلَمْ يَذْهَبْ وَهْمِي إِلَى مَا أَرَادَ فِي الْوَقْتِ، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا مُغْضَبٌ فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ وَعَرَفَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ: يَا مَجْنُونُ ائْتَمَنْتُكَ فِي فَأْرَةٍ فَخُنْتَنِي أَأَئتَمِنُكَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، قُمْ عَنِّي فَارْتَحِلْ وَلَا أَرَاكَ بَعْدَ هَذَا "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَذَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ، يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ زرافةَ، صَاحِبِ الْمُتَوَكِّلِ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ ذُو النُّونِ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ دَخَلَ عَلَيَّ لِيُوَدِّعَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: اكْتُبْ لِي دَعْوَةً.
فَفَعَلَ فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ جَامَ لَوْزَيَنْجَ فَقُلْتُ لَهُ: كُلْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَرْزِنُ الدِّمَاغَ وَيَنْفَعُ الْعَقْلَ.
فَقَالَ: «يَنْفَعُهُ غَيْرُ هَذَا».
قُلْتُ: وَمَا يَنْفَعُهُ قَالَ: " اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ نَهْيِهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ» فَقُلْتُ: أَكْرِمْنِي بِأَكْلِهِ، فَقَالَ: «أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا».
قُلْتُ: وَأَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: «هَذَا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُلْوَ وَلَا يَعْرِفُ أَكْلَهُ، وَإِنَّ أَهْلَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ يَتَحَذَّرُونَ خِلَافَ هَذَا اللَّوْزَيَنْجِ».
قُلْتُ: لَا أَظُنُّ أَحَدًا فِي الدُّنْيَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَّخِذَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا مِنْ مَطْبَخِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ: «أَنَا أَصِفُ لَكَ لَوْزَيَنْجَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ».
قُلْتُ: هَاتِ لِلَّهِ أَبُوكَ.
قَالَ: «خُذْ لُبَابَ مَكْنُونٍ مَحْضِ طَعَامِ الْمَعْرِفَةِ وَاعْجِنْهُ بِمَاءِ الِاجْتِهَادِ وَانْصُبْ أَثْفِيَةَ الِانْكِمَادِ، وَطَابِقْ صَفْوَ الْوِدَادِ، ثُمَّ اخْبِزْ خُبْزَ لَوْزَيَنْجَ الْعُبَّادِ بِحَرِّ نِيرَانِ نَفْسِ الزُّهَّادِ، وَأَوْقِدْهُ بِحَطَبِ الْأَسَى حَتَّى تَرْمِيَ نِيرَانَ وُفُودِهَا بِشَرَرِ الضَّنَا ثُمَّ احْشُ ذَلِكَ بِقَيْدِ الرِّضَا وَلَوْزِ الشَّجَا مِنْ ضَوْضَانَ بِمِهْرَاسِ الْوَفَا، مُطَيِّبًا بِطِينَةِ رِقَّةِ عِشْقِ الْهَوَى، ثُمَّ اطْوِهِ طَيَّ الْأَكْيَاسِ لَلْأَيَّامِ بِالْعَرَا، وَقَطِّعْهُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ فِي جَوْفِ الدُّجَا، وَارْفُضْ لَذِيذَ الْكَرَا وَنَضِّدْهُ عَلَى جَامَاتِ الْقَلَقِ وَالسَّهَرِ، وَانْتَثِرْ عَلَيْهِ سُكَّرًا بِعَسَلٍ مِنْ زَفَرَاتِ الْحُرَقِ ثُمَّ كُلْهُ بِأَنَامِلِ التَّفْويِضِ فِي وَلَائِمِ الْمُنَاجَاةِ بِوِجْدَانِ خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَفْرِيجُ كُرَبِ الْقُلُوبِ، وَمَحَلُّ سُرُورِ الْمُحِبِّ بِالْمَلَكِ الْمَحْبُوبِ ثُمَّ وَدَّعَنِي»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، - فِي كِتَابِهِ وَقَدْ رَأَيْتُهُ - وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: أَنْشِدْنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ لِذِي النُّونِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: « [البحر البسيط] الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا نَفَادَ لَهُ ... حَمْدًا يَفُوتُ مَدَى الْإِحْصَاءِ وَالْعَدَدِ وَيُعْجِزُ اللَّفْظَ وَالْأَوْهَامَ مَبْلَغُهُ ... حَمْدًا كَثِيرًا كَإِحْصَاءِ الْوَاحِدِ الصَّمَدِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ مُذْ خُلِقَتْ ... وَوَزْنَهُنَّ وَضِعْفُ الضِّعْفِ فِي الْعَدَدِ وَضِعْفُ مَا كَانَ وَمَا قَدْ يَكُونُ إِلَى ... بَعْدَ الْقِيَامَةِ أَوْ يَفْنَى مَدَى الْأَبَدِ وَضِعْفُ مَا دَارَتِ الشَّمْسُ الشُّرُوقَ بِهِ ... وَمَا اخْتَفَى فِي سَمَاءٍ أَوْ ثَرًى جُرْدِ وَضِعْفُ أَنْعُمِهِ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ ... وَكُلِّ نَفْسَةِ نَفْسٍ وَاكْتِسَابِ يَدِ شُكْرًا لِمَا خَصَّنَا مِنْ فَضْلِ نِعْمَتِهِ ... مِنَ الْهُدَى وَلَطِيفِ الصُّنْعِ وَالرَّفَدِ رَبِّ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ يُحِيطُ بِهِ ... وَهُوَ الْمُحِيطُ بِنَا فِي كُلِّ مُرْتَصَدِ لَا الْأَيْنَ وَالْحَيْثُ وَالْكَيْفُ يُدْرِكُهُ ... وَلَا يُحَدُّ بِمِقْدَارٍ وَلَا أَمَدِ وَكَيْفَ يُدْرِكُهُ حَدُّ وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ ... وَلَيْسَ لَهُ فِي الْمِثْلِ مِنْ أَحَدِ أَمْ كَيْفَ يَبْلُغُهُ وَهْمٌ بِلَا شَبَهٍ ... وَقَدْ تَعَالَى عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْوَلَدِ مَنْ أَنْشَأَ قَبْلَ الْكَوْنِ مُبْتَدِعًا ... مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قَدِيمٍ كَانَ فِي الْأَبَدِ وَدَهَرَ الدَّهْرَ وَالْأَوْقَاتَ وَاخْتَلَفَتْ ... بِمَا يَشَاءُ فَلَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدِ إِذْ لَا سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا شَبَحٌ ... فِي الْكَوْنِ سُبْحَانَهُ مِنْ قَاهِرٍ صَمَدِ
مَا ازْدَادَ بِالْخَلْقِ مُلْكًا حِينَ أَنْشَأَهُمْ ... وَلَا يُرِيدُ بِهِمْ دَفْعًا لِمُضْطَهِدِ وَكَيْفَ وَهْوَ غَنِيٌّ لَا افْتِقَارَ بِهِ ... وَالْخَلْقُ تُضْطَرُّ بِالتَّصْرِيفِ وَالْأَوَدِ وَلَمْ يَدَّعِ خَلْقَ مَا لَمْ يُبْدِ خَلَقْتَهُ ... عَجْزًا عَلَى سُرْعَةٍ مِنْهُ وَلَا تُؤَدِ إِحَاطَةً بِجَمِيعِ الْغَيْبِ عَنْ قَدَرٍ ... أَحْصَى بِهَا كُلَّ مَوْجُودٍ وَمُفْتَقَدِ وَكُلُّهُمْ بِافْتِقَارِ الْفَقْرِ مُعْتَرِفٌ ... إِلَى فَوَاضِلِهِ فِي كُلِّ مُعْتَمَدِ الْعَالِمُ الشَّيْءَ فِي تَصْرِيفِ حَالَتِهِ ... وَمَا عَادَ مِنْهُ وَمَا يَمْضِي فَلَمْ يَعُدِ وَيَعْلَمُ السِّرَ مِنْ نَجْوى الْقُلُوبِ ... وَمَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَفِيٌّ جَالَ فِي خَلَدِ وَيَسْمَعُ الْحِسَّ مِنْ كُلِّ الْوَرَى وَيَرَى ... مَدَارِجَ الذَّرِّ فِي صَفْوَانِهِ الْجَلْدِ وَمَا تَوَارَى مِنَ الْأَبْصَارِ فِي ظُلَمٍ ... تَحْتَ الثَّرَى وَقَرَارِ الْغَمِّ وَالثَّمَدِ الْأَوَّلُ الْآخَرُ الْفَرْدُ الْمُهَيْمِنُ لَمْ ... يَعْزُبْ وَلَمْ يَدَّكِرْ قُرْبٌ وَلَا بُعْدِ عَالٍ عَلِيٌّ عَلِيمٌ لَا زَوَالَ لَهُ ... وَلَمْ يَزَلْ أَزَلِيًّا غَيْرَ ذِي فَقَدِ وَجَلَّ فِي الْوَصْفِ عَنْ كُنْهِ الصِّفَاتِ ... وَعَنْ مَقَالِ ذِي الشَّكِّ وَالْإِلْحَادِ وَالْعَنَدِ مَنْ لَا يُجَازَى بِنُعْمًى مِنْ فَوَاضِلِهِ ... وَلَمْ يَنَلْهُ بِمَدْحٍ وَصْفُ مُجْتَهِدِ وَكُلُّ فِكْرَةِ مَخْلُوقٍ إِذَا اجْتَهَدَتْ ... بِمَدْحِهِ لَمْ تَنَلْ إِلَّا إِلَى الْأَبَدِ مُسَبَّحٌ بِلُغَاتِ الْعَارِفَاتِ بِهِ ... لَمْ تَدْرِ مَا غَيْرُهُ رَبًّا وَلَمْ تَجِدِ الْفَالِقُ النُّورَ وَالظَّلْمَاءَ وَهْيَ عَلَى ... مَا تَقَاذَفَ بِالْأَمْوَاجِ وَالزَّبَدِ إِذَا مَدَّهَا فَوْقَ الرِّيحِ مُنْشِئُهَا ... فَسَبَّحَتْ وَهْيَ فَوْقَ الْمَاءِ فِي مَيَدِ وَشَدَّهَا بِالْجِبَالِ الصُّمِّ فَاضْطَأَدَتْ ... أَرْكَانُهَا بِشِدَادِ الصَّخْرِ وَالْجَلَدِ بَرَا السَّمَوَاتِ سَقْفًا ثُمَّ أَنْشَأَهَا ... سَبْعًا طِبَاقًا بِلَا عَوْنٍ وَلَا عُمُدِ تُقُلُّهُنَّ مَعَ الْأَرَضِينَ قُدْرَتُهُ ... وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَثْقُلْ وَلَمْ يَؤُدِ وَبَثَّ فِيهَا صُنُوفًا مِنْ بَدَائِعِهِ ... مِنَ الْخَلَائِقِ مِنْ مَثْنًى وَمِنْ وَهَدِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بَرَا أَصْنَافَهُ وَذَرَا ... أَشْبَاحَهُ بَيْنَ مَكْسُورٍ وَمُنْجَرِدِ فِيهَا الْمَلَائِكُ بِالتَّسْبِيحِ خَاضِعَةٌ ... لَا يَسْأَمُونَ لِطُولِ الدَّهْرِ وَالْأَمَدِ فَمِنْهُمْ تَحْتَ سُوقِ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ ... كَالثَّوْرِ وَالنَّسْرِ وَالْإِنْسَانِ وَالْأَسَدِ فَكُلُّ ذِي خِلْقَةٍ يَدْعُو لِمُشْبِهِهِ ... فِي الْخَلْقِ بِالْعِيشَةِ الْمُرْضِيَّةِ الرَّغَدِ
بَرَا السَّمَاءَ بُرُوجًا مِنْ كَوَاكِبِهَا ... تَجْرِينَ مِنْ فَلَكِ الْأَفْلَاكِ فِي كَبَدِ مِنْهَا جِوَارٍ وَمِنْهَا رَاكِدٌ أَبَدًا ... وَالْقُطْبُ فِي مَرْكَزٍ مِنْهُنَّ كَالْوَتَدِ وَالشُّهْبُ تُحْرِقُ فِيهَا يَبْنِينَ إِلَى ... قَذْفِ الشَّيَاطِينِ مِنْ جِنَّاتِهَا الْمُرُدِ وَكُلُّ مُسْتَرِقٍ لِلسَّمْعِ يَتْبَعُهُ ... مِنْهَا شِهَابُ نُجُومٍ دَائِمُ الرَّصَدِ وَيَرْفَعُ الْغَيْمَ إِعْصَارُهَا فَتَرَى ... فِيهَا الصَّوَاعِقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْبَرَدِ عَلَى هَوَاءٍ رَقِيقٍ فِي لَطَافَتِهِ ... يُحْيِي بِهِ كُلَّ ذِي رُوحٍ وَذِي جَسَدِ وَصَيَّرَ الْمَوْتَ فَوْقَ الْخَلْقِ لَا لَجَأٌ ... مِنْهُ وَلَا هَرَبٌ إِلَى سَنَدِ فَالْمَوْتُ مَيِّتٌ وَكُلٌّ هَالِكُونَ خَلَا ... وَجْهَ الْإِلَهِ الْكَرِيمِ الدَّائِمِ الصَّمَدِ أَفْنَى الْقُرُونَ وَأَفْنَى كُلَّ ذِي عُمُرِ ... كَعُمْرِ نُوحٍ وَلُقْمَانَ أَخِي لَبَدِ يَا رَبِّ إِنَّكَ ذُو عَفْوٍ وَمَغْفِرَةٍ ... فَنَجِّنَا مِنْ عَذَابِ الْمَوْقِفِ النَّكِدِ وَاجْعَلْ إِلَى جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ مَوْئِلَنَا ... مَعَ النَّبِيِّينَ وَالْأَبْرَارِ فِي الْخُلْدِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزِّ مِنْ مَلِكٍ ... مَنِ اهْتَدَى بِهُدَى رَبِّ الْعَالَمِينَ هُدِي»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: « [البحر الطويل] أَمُوتُ وَمَا مَاتَتْ إِلَيْكَ صَبَابَتِي ... وَلَا رَوَيْتُ مِنْ صِدْقِ حُبِّكَ أَوْطَارِي مُنَادِي الْمُنَا كُلَّ الْمُنَا أَنْتَ لِي مُنًى ... وَأَنْتَ الْغَنِيُّ كُلَّ الْغِنَى عِنْدَ إِقْصَارِي وَأَنْتَ مَدَى سُؤْلِي وَغَايَةُ رَغْبَتِي ... وَمَوْضِعُ شَكْوَايَ وَمَكْنُونُ إِضْمَارِي تَحَمَّلَ قَلْبِي فِيكَ مَا لَا أَبُثُّهُ ... وَإِنْ طَالَ سَقَمِي فِيكَ أَوْ طَالَ إِضْرَارِي وَبَيْنَ ضُلُوعِي مِنْكَ مَا لَوْلَاكَ قَدْ بَدَا ... وَلَمْ يَبْدُ بَادِيَةٌ لِأَهْلِي وَلَا جَارِي وَبِي مِنْكَ فِي الْأَحْشَاءِ دَاءٌ مُخَامِرٌ ... فَقَدْ هَدَّ مِنِّي الرُّكْنَ وَأَثْبَتُّ أَسْرَارِي أَلَسْتَ دَلِيلَ الرَّكْبِ إِنْ هُمْ تَحَيَّرُوا ... وَمُنْقِذَ مَنْ أَشْفَى عَلَى جُرُفٍ هَارِي أَنَرْتَ الْهُدَى لِلْمُهْتَدِينَ وَلَمْ يَكُنْ ... مِنَ النُّورِ فِي أَيْدِيهِمْ عُشْرُ مِعْشَارِي فَنَلْنِي بِعَفْوٍ مِنْكَ أَحْيَى بِقُرْبِهِ ... وَاغْشَ بِيُسْرٍ مِنْكَ فَقْرِي وَإِعْسَارِي»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي إِسْرَافِيلُ: أَنْشَدَنِي ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: « [البحر الطويل]
مَجَالُ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِرَوْضَةٍ ... سَمَاوِيَّةٍ مِنْ دُونِهَا حُجُبِ الرَّبِ مُعَسْكَرُهَا فِيهَا مَجْنَى ثِمَارِهَا ... تَنَسَّمُ رُوحُ الْأُنْسِ لِلَّهِ مِنْ قُرْبِ يَكْنِفُهَا مِنْ عَالِمِ السِّرِّ قُرْبُهُ ... فَلَوْ قَدَّرَ الْآجَالَ ذَابَتْ مِنَ الْحَبِّ وَأَرْوَى صَدَاهَا صَرْفُ كَاسَاتِ حُبِّهِ ... وَبَرْدُ نَسِيمٍ جَلَّ عَنْ مُنْتَهَى الْخَطْبِ فَيَا لِقُلُوبٍ قُرِّبَتْ فَتَقَرَّبَتْ ... لِذِي الْعَرْشِ مِمَّنْ زَيَّنَ الْمُلْكَ بِالْقُرْبِ رَضَاهَا فَأَرْضَاهَا فَحَازَتْ مَدَى الرِّضَى ... وَحَلَّتْ مِنَ الْمَحْبُوبِ بِالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ لَهَا مِنْ لَطِيفِ الْحُبِّ عَزْمٌ سَرَتْ بِهِ ... وَيُهْتَكُ بِالْأَفْكَارِ مَا دَاخِلَ الْحُجُبِ فَإِنْ فَقَدَتْ خَوْفَ الْفِرَاقِ لِإِلْفِهَا ... أَدَامَتْ حَنِينًا تَطْلُبُ الْأُنْسَ بِالْقُرْبِ سَرَى سِرُّهَا بَيْنَ الْحَبِيبِ وَبَيْنَهَا ... فَأَضْحَى مَصُونًا مِنْ سِوَى الرَّبِّ فِي الْقَلْبِ»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ، يَقُولُ: قَالَ ذُو النُّونِ: " حَقِيقَةُ السَّخَاءِ أَنْ تَلْزَمَ الْبَخِيلَ فِي مَنْعِهِ إِيَّاكَ لَوْمًا لِأَنَّكَ إِنَّمَا لُمْتَهُ وَاشْتَغَلْتَ بِهِ لِوُقُوعِ مَا مَنَعَكَ فِي قَلْبِكَ، وَلَوْ هانَ ذَلِكَ عَلَيْكَ لَمْ تَشْتَغِلْ بِلَوْمِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] كَرِيمٌ كَصَفْوِ الْمَاءِ لَيْسَ بِبَاخِلٍ ... بِشَيْءٍ وَلَا مُهْدٍ مَلَامًا لِبَاخِلِ "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمُذَكِّرَ، يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ عَنْ ذِي النُّونِ، قَالَ: " صَحِبْتُ زِنْجِيًّا فِي التِّيهِ وَكَانَ مُفْلَفْلَ الشَّعْرِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ ابْيَضَّ فَوَرَدَ عَلَيَّ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقُلْتُ: لِمَ يَا هَذَا إِنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ تَحَوَّلَ لَوْنُكَ وَانْقَلَبَتْ عَيْنَاكَ؟ قَالَ: فَجَعَلَ يَخْطِرُ فِي التِّيهِ وَيَقُولُ:
ذَكَرْنَا وَمَا كُنَّا لِنَنْسَى فَنَذْكُرُ ... وَلَكِنْ نَسِيمَ الْقُلُوبِ يَبْدُو فَيَظْهَرُ
فَأُحْيِي بِهِ عَنِّي وَأَحْيِي بِهِ لَهُ إِذِ الْحَقُّ عَنْهُ مُخْبِرٌ وَمُعَبِّرُ قَالَ ذُو النُّونِ: فَمَا طَرَقَ سَمْعِي مِثْلُ حِكْمَةِ ذَلِكَ الزَّنْجِيِّ، فَعَلِمْتُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادًا تَعْلُو قُلُوبُهُمْ بِالْأَذْكَارِ كَمَا تَعْلُو الْأَطْيَارُ فِي الْأَوْكارِ، لَوْ فَتَّشْتَ مِنْهُمُ الْقُلُوبَ لَمَا وَجَدْتَ فِيهَا غَيْرَ حُبِّ الْمَحْبُوبِ.
قَالَ ثُمَّ بَكَى ذُو النُّونِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
وَأَذْكُرُ أَصْنَافًا مِنَ الذِّكْرِ حَشْوُهَا ... وِدَادٌ وَشَوْقٌ يَبْعَثَانِ عَلَى الذِّكْرِ
فَذِكْرُ أَلِيفِ الْحَبِّ مُمْتَزِجٌ بِهَا ... يَحِلُّ مَحَلَّ الرُّوحِ فِي طَرَفِهَا يَسْرِي
وَذِكْرٌ يُعِزُّ النَّفْسَ مِنْهَا لِأَنَّهُ ... لَهَا مُتْلِفٌ مِنْ حَيْثُ يَدْرِي وَلَا تَدْرِي وَذِكْرٌ عَلَا مِنِّي الْمَفَاوِزَ وَالذُّرَى ... يَجِلُّ عَنِ الْأَوْصَافِ بِالْوَهْمِ وَالْفِكْرِ "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، - فِي كِتَابِهِ - وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ أَبَا الْفَيْضِ، وَسَأَلْتُهُ قُلْتُ: مَتَى تَخْلُصُ لِلَّهِ صَلَاتِي؟ قَالَ: «إِذَا سَكَّنْتَ مَعَادِنَ الْأَنْوَارِ مِنْ قَلْبِكَ، وَنَفَذْتَهُ فِي مَلَكُوتِ هَمِّكَ».
قُلْتُ: مَتَى يَتِمُّ زُهْدِي بَعْدَ وَرَعِي؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الْفَرْضَ لَكَ مُعَلِّمًا، وَأَقَمْتَ الطَّاعَةَ لَكَ مُفَهِّمًا».
قُلْتُ: فَمَتَى أَوْ مِنْ؟ قَالَ: «إِذَا اشْتَمَلَ الْفَرْضُ عَلَى أَمْرِكَ وَمَلَكْتَ الطَّاعَةَ عَلَى نَفْسِكَ» قُلْتُ: فَمَتَى أَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «الْيَقِينُ إِذَا تَمَّ سُمِّيَ تَوَكُّلًا» قُلْتُ: مَتَى يُتِمُّ حُبِّي لِرَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا سَمَجَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِكَ، وَقَذَفْتَ أَمَلَكَ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْكَ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَخَافُ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا سَرَّحْتَ بَصَرَكَ فِي عَظَمَتِهِ، وَمَثَّلْتَ لِنَفْسِكَ أَمْثَالَ نِقْمَتِهِ».
قُلْتُ: فَمَتَى يَتِمُّ صَوْمِي؟ قَالَ: «إِذَا جَوَّعْتَ نَفْسَكَ مِنَ الْبَغْضَاءِ، وَأَمَتَّ لِسَانَكَ مِنَ الْفَحْشَاءِ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَعْرِفُ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ لَكَ جَلِيسًا، وَلَمْ تَرَ لِنَفْسِكَ سِوَاهُ أَنِيسًا»، قُلْتُ: فَمَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ مَا أَسْخَطَهُ عِنْدَكَ أَمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ» قُلْتُ: فَمَتَى أَشْتَاقُ إِلَى رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الْآخِرَةَ لَكَ قَرَارًا وَلَمْ تُسَمِّ الدُّنْيَا لَكَ مَسْكَنًا وَدَارًا»، قُلْتُ: فَمَتَى يُشْتَدُّ فِي بُغْضِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الدُّنْيَا طَرِيقَ مَخَافَةٍ لَا تَتَلَفَّتْ إِلَى مَا قَطَعْتَ مِنْهَا، وَجَعَلْتَ الْآخِرَةَ سَاحَةً مَأْمُونَةً لَا تَأْمَنُ إِلَّا بِالنُّزُولِ فِيهَا».
قُلْتُ: فَمَتَى أُحِبُّ لِقَاءَ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ تُقْدِمُ عَلَى حَبِيبٍ وَتَصِيرُ عَنْ أَمَرٍ قَرِيبٍ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَسْتَلِذُّ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «إِذَا جَعَلْتَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِكَ وَجَعَلْتَ الْآخِرَةَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَتَّقِي شَهَوَاتِ مَطَاعِمِ الْأَرْضِ؟ قَالَ: «إِذَا خَالَطَ قَلْبَكَ الْمَلَكُوتُ وَمُزِجَ فِي سَرَائِرِ الْجَبَرُوتِ»، قُلْتُ: فَمَتَى تَطِيبُ مَعْرِفَتِي، قَالَ: «إِذَا اسْتَوْحَشْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَاشْتَدَّ فَرَحُكَ بِنُزُولِ الْبَلَاءِ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَسْتَقْبِحُ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ زِينَتَهَا فَسَادُ كُلِّ مَعْنًى، وَأَنَّ مَحَاسِنَهَا تُفْضِي إِلَى كُلِّ حَسْرَةٍ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَكْتَفِي بِأَهْوَنِ الْأَغْذِيَةِ؟ قَالَ: «إِذَا عَرَفْتَ هَلَاكَ الشَّهَوَاتِ وَسُرْعَةَ انْقِطَاعِ عُذُوبَةِ اللَّذَّاتِ».
قُلْتُ: فَمَتَى قُنُوعُ التَّمَامِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ زُخْرُفُ الدُّنْيَا عِنْدَكَ صَغِيرًا، وَكَانَ خَوْفُ الْآخِرَةِ لَكَ ذِكْرًا».
قُلْتُ: فَمَتَى أسْتَحِقُّ تَرْكَ الْجَمْعِ؟ قَالَ: «إِذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ مَنْقُولٌ إِلَى مَعَادٍ، وَأَنَّكَ مَأْخُوذٌ بِتَبِعَاتِ الْعِبَادِ».
قُلْتُ: فَمَتَى آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ شَفَقَتُكَ عَلَى غَيْرِكَ، وَخَالَفْتَ الْعِبَادَ لِمَحَبَّةِ رَبِّكَ».
قُلْتُ: فَمَتَى أُوثِرُ اللَّهَ وَلَا أُوثِرُ عَلَيْهِ سِوَاهُ؟ قَالَ: «إِذَا أَبْغَضْتَ فِيهِ الْحَبِيبَ وَجَانَبْتَ فِيهِ الْقَرِيبَ».
قُلْتُ: فَمَتَى أَفْزَعُ إِلَى ذِكْرِهِ وَآنَسُ بِشُكْرِهِ؟ قَالَ: «إِذَا سُرِرْتَ بِبَلَائِهِ، وَفَرِحْتَ بِنُزُولِ قَضَائِهِ»
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «الْمُسْتَأْنِسُ بِاللَّهِ فِي وَقْتِ اسْتِئْنَاسِهِ يَسْتَأْنِسُ بِجَمِيعِ مَا يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُحِسُّ بِهِ فِي مَلَكُوتِ رَبِّهِ، وَالْمُهِيبُ لَهُ يَهَابُ جَمِيعَ مَا يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُحِسُّ بِهِ فِي مُلْكِ رَبِّهِ وَيَسْتَأْنِسُ بِالذَّرِّ فَمَا دُونَهُ وَيَهَابُهُ»
قَالَ: وَقَالَ ذُو النُّونِ: " ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ: النَّظَرُ لِأَهْلِ الْمِلَّةِ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِمُسِيئِهِمْ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِيمَانِ: إِسْبَاغُ الطَّهَارَاتِ فِي الْمَكَارِهِ، وَارْتِعَاشُ الْقَلْبِ عِنْدَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَالتَّوْبَةُ عِنْدَ كُلِّ ذَنْبٍ خَوْفًا مِنَ الْإِصْرَارِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّوْفِيقِ: الْوقُوعُ فِي الْأَعْمَالِ بِلَا اسْتِعْدَادٍ لَهُ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الذَّنْبِ مَعَ الْمَيْلِ وَقِلَّةِ الْهَرَبِ مِنْهُ، وَاسْتِخْرَاجُ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْخُمُولِ: تَرْكُ الْكَلَامِ لِمَنْ يَكْفِيهِ الْكَلَامُ، وَتَرْكُ الْحِرْصِ فِي إِظْهَارِ الْعِلْمِ عِنْدَ الْقُرَنَاءِ، وَوِجْدَانُ الْأَلَمِ لِكَرَاهَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُحَاوَرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْحِلْمِ: قِلَّةُ الْغَضَبِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الرَّأْيِ، وَالِاحْتِمَالُ عَنِ الْوَرَى إِخْبَاتًا لِلرَّبِّ، وَنِسْيَانُ إِسَاءَةِ الْمُسِيءِ عَفْوًا عَنْهُ وَاتِّسَاعًا عَلَيْهِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّقْوَى: تَرْكُ الشَّهْوَةِ المَذْمُومَةِ مَعَ الِاسْتِمْكَانِ مِنْهَا، وَالْوَفَاءُ بِالصَّالِحَاتِ مَعَ نُفُورِ النَّفْسِ مِنْهَا، وَرَدُّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الِاتِّعَاظِ بِاللَّهِ: الْهَرَبُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَسُؤَالُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالدَّلَالُ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَيْهِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الرَّجَاءِ: الْعِبَادَةُ بِحَلَاوَةِ الْقَلْبِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِرُؤِيَةِ الثَّوَابِ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بِخَالِصِ التَّنَافُسِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ
: بَذْلُ الشَّيْءِ لِصَفَاءِ الْوُدِّ، وَتَعْطِيلُ الْإِرَادَةِ لِإِرَادَةِ اللَّهِ، وَالسَّخَاءُ بِالنَّفْسِ وَالْمُشَارَكَةُ فِي مَحْبُوبِهِ وَمَكْرُوهِهِ بِصِفَةِ العَقْدِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْحَيَاءِ: وَزْنُ الْكَلَامِ قَبْلَ التَّفَوُّهِ بِهِ، وَمُجَانَبَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِذَارِ مِنْهُ، وَتَرْكُ إِجَابَةِ السَّفِيهِ حِلْمًا عَنْهُ.
فَأَمَّا الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَا قَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنْ لَا تَنْسَى الْمَقَابِرَ وَالْبِلَا، وَأَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَأَنْ تَتْرُكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْأَفْضَالِ: صِلَةُ الْقَاطِعِ، وَإِعْطَاءُ الْمَانِعِ، وَالْعَفْوُ عَنِ الظَّالِمِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الصِّدْقِ: مُلَازَمَةُ الصَّادِقِينَ، وَالسُّكُونُ عِنْدَ نَظَرِ الْمَنْفُوسِينَ، وَوِجْدَانُ الْكَرَاهَةِ لِاطِّلَاعِ الْخَلْقِ عَلَى السَّرَائِرِ اسْتِقَامَةً عَلَى الْحَقِّ سِرًّا وَجَهْرًا، لِإِيثَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَقْدِيمُ الْعِلْمِ، وَتَلْقِينُ الْحِكَمِ، وَتَأْلِيلُ الْفَهْمِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْمُرُوءَةِ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَنَشْرُ الْحُسْنِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّوَدُّدِ: التَّأَنِّي فِي الْأَحْدَاثِ، وَالتَّوَقُّرُ فِي الزَّلَالِ، وَالتَّرَفُّقُ فِي الْمَقَالِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الرُّشْدِ: حُسْنُ الْمُجَاوَرَةِ، وَالنُّصْحُ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ، وَالْبِرُّ فِي الْمُجَاوَرَةِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ السَّعَادَةِ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَالتَّيْسِيرُ لِلْعَمَلِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي السَّعْيِ "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى النَّيْسَابُورِيُّ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ سُوَيْدٍ الْوَرَّاقِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُوَارِزْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، وَسُئِلَ، عَنِ الْمَحَبَّةِ، فَقَالَ: «أَنْ تُحِبَّ مَا أَحَبَّ اللَّهُ، وَتُبْغِضَ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ، وَتَفْعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَتَرْفُضَ كُلَّ مَا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ مَعَ الْعَطْفِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْغِلْظَةِ لِلْكَافِرِينَ، وَاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ شَاذَانَ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ لِي مُطِيعًا كُنْتُ لَهُ وَلِيًّا، فَلْيَثِقْ بِي، وَلْيَحْكُمْ عَلَيَّ، فَوَعِزَّتِي لَوْ سَأَلَنِي زَوَالَ الدُّنْيَا لَأَزَلْتُهَا لَهُ "
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، - فِي كِتَابِهِ - وَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ
، يَقُولُ: «الْأُنْسُ بِاللَّهِ مِنْ صَفَاءِ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ، وَالتَّفَرُّدُ بِاللَّهِ الِانْقِطَاعُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ يُوسُفَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «لَئِنْ مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْكَ دَاعِيًا لَطَالَمَا كَفَيْتَنِي سَاهِيًا، فَلَا أَقْطَعُ مِنْكَ رَجَائِي بِمَا عَمِلَتْ يَدَايَ، حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُكَ بِي»
قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مَنْ أَنَسِ بِالْخَلْقِ فَقَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْ بِسَاطِ الْفَرَاعِنَةِ، وَمَنْ غُيِّبَ عَنْ مُلَاحَظَةِ نَفْسِهِ فَقَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْ مُجَانَبَةِ الْإِخْلَاصِ، وَمَنْ كَانَ حَظُّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ هَوَاهُ لَا يُبَالِي مَا فَاتَهُ مِمَّا هُوَ دُونَهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مَنْ تَزَيَّنَ بِعَمَلِهِ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتٍ»
وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «الصِّدْقُ سَيْفُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَا وَضَعَهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا قَطَعَهُ»
قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «أَدْنَى مَنَازِلِ الْأُنْسِ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ فَلَا يَغِيبُ هَمُّهُ عَنْ مَأْمُولِهِ»
سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ أَبِي نَصْرٍ، يَقُولُ: قَالَ ذُو النُّونِ: «الْخَوْفُ رَقِيبُ الْعَمَلِ، وَالرَّجَاءُ شَفِيعُ الْمِحَنِ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ الْفِكْرَةُ، وَعَلَامَةُ الْهَوَى مُتَابَعَةُ الشَّهَوَاتِ، وَعَلَامَةُ التَّوَكُّلِ انْقِطَاعُ الْمَطَامِعِ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ حَمْزَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِنَّ الْعَارِفَ لَا يَلْزَمُ حَالَةً وَاحِدَةً إِنَّمَا يَلْزَمُ رَبَّهُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ فَارِسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ الْمُرِيدِينَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الطَّرِيقَ فَلْيلْقَ الْعُلَمَاءَ بِالْجَهْلِ، وَالزُّهَّادَ بِالرَّغْبَةِ، وَأَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالصَّمْتِ»
سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ هَانِئٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: كَانَ ذُو النُّونِ يَقُولُ فِي مُنَاجَاتِهِ: يَا وَاهِبَ الْمَوَاهِبِ وَمُجْزِلَ الرَّغَائِبِ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النُّزُولِ بَعْدَ الْوُصُولِ وَمِنَ الْكَدَرِ بَعْدَ الصَّفَا، وَمِنَ الشَّوْقِ بَعْدَ الْأُنْسِ، وَمِنَ طَائِفِ الْحَسْرَةِ لِعَارِضِ الْفَتْرَةِ، وَمِنْ تَغَيُّرِ الرِّضَا وَمِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الْحَادِي لَحْظَةً أَوِ الْإِيمَانِ دُونَ الْعِلْمِ، وَمِنَ مَوْقِعِ حَذَرٍ يُوجِبُ لِلْعَقْلِ بُطْئًا يَا رَبِّ حَتَّى تَكْمُلَ النِّعَمُ عِنْدِي وَرِقَّ فِي ذُرَى الْكَرَامَةِ مُهْجَتِي وَنَضَّرِ اللَّهُمَّ بِالْكَمَالِ لَدَيْكَ بَهْجَتِي وَعَزِّفْ عَنِّي الدَّوَرَانَ وَوَارِ عِلْمِي عَنِ الْخَاطِرِ يَا مَنْ مَنَحَ الْأَصْفِيَاءَ مَنَازِلَ الْحَقِّ وَمَدَى الْغَايَاتِ أَصْفِ هِدَايَتِي مِنْ دَنَسِ الْعَارِضِ وَأَحْسِمْ عَدُوِّي عَنْ مُلَاحَظَتِي وَأَخْلِصْنِي بِكَمَالِ رَغْبَتِي وَبِمَا لَا يَبْلُغُهُ سُؤَالِي إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ، أَسْنَدَ ذُو النُّونِ رَحِمَهُ اللَّهُ غَيْرَ حَدِيثٍ عَنِ الْأَئَمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْفَضْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَابْنِ لَهِيعَةَ