حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 268-276

أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَمِنْهُمُ الْحَكِيمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَرَّاقُ الْبَلْخِيُّ لَهُ الْكُتُبُ فِي الْمُعَامَلَاتِ

صفحات 268-276

خَتَنَ الْجُنَيْدِ يَقُولَانِ: سَمِعْنَا الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «الْوَرَعُ فِي الْكَلَامِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الِاكْتِسَابِ»

أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مِقْسَمٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرٍ خَتَنُ الْجُنَيْدِ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: [البحر الطويل] تَحَمَّلْ عَظِيمَ الْجُرْمِ مِمَّنْ تُحِبُّهُ ... وَإِنْ كُنْتَ مَظْلُومًا فَقُلْ أَنَا ظَالِمٌ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي: أُنَاسُ أَمَّنَّاهُمْ فَنَمُّوا حَدِيثَنَا ... فَلَمَّا كَتَمْنَا السِّرَّ عَنْهُمْ تَقَوَّلُوا وَلَمْ يَحْفَظُوا الْوُدَّ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا ... وَلَا حِينَ هَمُّوا بِالْقَطِيعَةِ أَجْمَلُوا

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ الْمُطَرِّزِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «لَا تَسْكُنْ إِلَى نَفْسِكَ وَإِنْ دَامَتْ طَاعَتَهَا لَكَ فِي طَاعَةِ رَبِّكَ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النَّقَّاشِيَّ الصُّوفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «مَتَى أَرَدْتَ أَنْ تَشَرَّفَ، بِالْعِلْمِ وَتُنْسَبَ إِلَيْهِ وَتَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَ الْعِلْمَ مَالَهُ عَلَيْكَ احْتَجَبَ عَنْكَ نُورُهُ وَبَقِيَ عَلَيْكَ وَسْمُهُ وَظُهُورُهُ، ذَلِكَ الْعِلْمُ عَلَيْكَ لَا لَكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ يُشِيرُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ وَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلِ الْعِلْمُ فِي مَرَاتِبِهِ رَحَلَتْ بَرَكَاتُهُ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النَّقَّاشِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «الْإِنْسَانُ لَا يُعَابُ بِمَا فِي طَبْعِهِ إِنَّمَا يُعَابُ إِذَا فَعَلَ بِمَا فِي طَبْعِهِ»

أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مِقْسَمٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: [البحر البسيط] هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى حَبِيبٍ ... أَوْقَفَنِي مَوْقِفَ الْعَبِيدِ وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ بَدَأَنِي ... بِكُلِّ ضَرْبٍ مِنَ الصُّدُودِ مَا كَانَ لِي مِنْ هَوَاهُ بُدٌّ ... وَلَوْ تَقَطَّعْتُ بِالْوُجُودِ

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْحَفَّارَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: «تَوْبَةٌ تَحُلَّ الْإِصْرَارَ وَخَوْفٌ يُزِيلُ الْغِرَّةَ وَرَجَاءٌ مُزْعِجٌ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرَاتِ وَمُرَاقَبَةُ اللَّهِ فِي خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ»

سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ

، يَقُولُ، وَسَأَلَهُ سَائِلٌ: الْعِنَايَةُ قَبْلَ أُمِّ الْبِدَايَةِ فَقَالَ: «الْعِنَايَةُ قَبْلَ الطِّينِ وَالْمَاءِ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: «يَا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ اجْعَلْنِي مِنْ بَعْضِ شَأْنِكَ»

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «الْمُرِيدُ الصَّادِقُ غَنِيٌّ عَنْ عُلُومِ الْعُلَمَاءِ، يَعْمَلُ عَلَى بَيَانٍ يَرَى وَجْهَ الْحَقِّ مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ وَيَتَوَقَّى وُجُوهَ الشَّرِّ مِنْ وُجُوهِ الشَّرِّ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «اعْتَلَلْتُ بِمَكَّةَ فَقَوِيَ عَلَيَّ فِيهَا الْوُجُودُ حَتَّى لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ»

قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: «مَكَثْتُ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا يَقْدَمُ أَحَدٌ الْبَلَدَ مِنَ الْفُقَرَاءِ إِلَّا سُلِبْتُ حَالِي وَدُفِعْتُ إِلَى حَالِهِ فَأَطْلُبُهُ حَتَّى إِذَا وَجَدْتُهُ تَكَلَّمْتُ بِحَالِهِ وَكُنْتُ لَا أَرَى فِي النَّوْمِ شَيْئًا إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي الْيَقَظَةِ»

سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «لَيْسَ يَتَبَشَّعُ عَلَيَّ مَا يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الْعَالَمِ؛ لِأَنِّي قَدْ أَصَّلْتُ أَصْلًا وَهُوَ أَنَّ الدَّارَ دَارُ هَمٍّ وَغَمٍّ وَبَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ وَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ شَرٌّ وَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَتَلَقَّانِي بِكُلِّ مَا أَكْرَهُ فَإِنْ تَلَقَّانِي بِكُلِّ مَا أُحِبُّ فَهُوَ فَضْلٌ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْجَهْضَمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيَّ، يَقُولُ: وَقَفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ عَلَى الْجُنَيْدِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، قَالَ الْجُنَيْدُ: " سَنُقْرِئُكَ التِّلَاوَةَ فَلَا تَنْسَى الْعَمَلَ، وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: 169]، قَالَ: تَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ، فَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: حَرُجَتْ أُمَّةٌ أَنْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا لَا تُفَوِّضُ أَمْرَهَا إِلَيْكَ، قَالَ: وَوَقَفَ الشِّبْلِيُّ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فِيمَنْ وُجُودُهُ حَقِيقَةٌ لَا عِلْمٌ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَكَابِرِ النَّاسِ سَبْعُونَ قَدَمًا أَدْنَاهَا أَنْ تَنْسَى نَفْسَكَ "

حَدَّثَنَا الْجَهْضَمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ بُرْدَانُ الْهَاوَنْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: جِئْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ السُّدِّيِّ يَوْمًا فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: جُنَيْدٌ، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ مُسْتَوْفِزٌ وَكَانَ مَعِي أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: أَبْشِرْ فَإِنَّكَ تُفْلِحُ فَإِنِّي

احْتَجْتُ إِلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، فَقُلْتُ: «اللَّهُمَّ ابْعَثْهَا إِلَيَّ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ يُفْلِحُ عِنْدَكَ»

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا جَعْفَرٌ الدُّئِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «الْبَلَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَلَى الْمُخْلِطِينَ عُقُوبَاتٌ وَعَلَى الصَّادِقِينَ تَمْحِيصُ جِنَايَاتٍ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ صِدْقِ الِاخْتِيَارَاتِ»

سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: حَضَرَ الْجُنَيْدُ أَبُو الْقَاسِمِ مَوْضِعًا فِيهِ قَوْمٌ يَتَوَاجَدُونَ عَلَى سَمَاعٍ يَسْمَعُونَهُ وَهُوَ مُطْرِقٌ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا نَرَاكَ تَتَحَرَّكُ، قَالَ: " ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرٌّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88] "

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: " يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَلَّا يُفْقَدَ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: مَوْطِنٌ يَعْرِفُ فِيهِ حَالَهُ أَمُزَادٌ أَمْ مُنْتَقَصٌ؟ وَمَوْطِنٌ يَخْلُو فِيهِ بِتَأْدِيبِ نَفْسِهِ وَإِلْزَامِهَا مَا يَلْزَمُهَا وَيَتَقَصَّى فِيهِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا وَمَوْطِنٌ يَسْتَحْضِرُ عَقْلَهُ بِرُؤْيَتِهِ مَجَارِيَ التَّدْبِيرِ عَلَيْهِ وَكَيْفَ تُقَلُّبُ فِيهِ الْأَحْكَامُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ؟ وَلَنْ يَصْفُوَ عَقْلٌ لَا يَصْدِرُ إِلَى فَهْمِ هَذَا الْحَالِ الْأَخِيرِ إِلَّا بِإِحْكَامِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ إِصْلَاحِ الْحَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فَأَمَّا الْمَوْطِنُ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ فِيهِ حَالَهُ أَمُزَادٌ هُوُ أَمْ مُنْتَقَصٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَوَاضِعَ الْخَلْوَةِ لِكَيْ لَا يُعَارِضَهُ مُشْغِلٌ فَيُفْسِدُ مَا يُرِيدُ إِصْلَاحَهُ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى مُوَافَقَةِ مَا أُلْزِمَ مِنْ تَأْدِيَةِ الْفَرْضِ الَّذِي لَا يَزْكُو حَالَ قُرْبِهِ إِلَّا بِإِتْمَامِ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرَائِضِ ثُمَّ يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ عَبْدٍ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَا أُمِرَ بِتَأْدِيَتِهِ فَحِينَئِذٍ تُكْشَفُ لَهُ خَفَايَا النُّفُوسِ الْمُوَارِيَةِ فَيَعْلَمُ أَهُوَ مِمَّنْ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يؤَدِّ؟ ثُمَّ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ حَتَّى يُوقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِبُرْهَانِ مَا اسْتَكْشَفَهُ بِالْعِلْمِ فَإِنْ رَأَى خَلَلًا أَقَامَ عَلَى إِصْلَاحِهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ إِلَى عَمَلِ سِوَاهُ، وَهَذِهِ أَحْوَالُ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ﴿وَاللَّهُ يؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وَأَمَّا الْمَوْطِنُ الَّذِي يَخْلُو فِيهِ بِتَأْدِيبِ نَفْسِهِ وَيَتَقَصَّى فِيهِ حَالَ مَعْرِفَتِهَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَأَرَادَ الْمُنَاصَحَةَ فِي الْمُعَامَلَةِ فَإِنَّ

النُّفُوسَ رُبَّمَا خَبَتْ فِيهَا مِنْهَا أَشْيَاءُ لَا يَقِفُ عَلَى حَدِّ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ تَصَفَّحَ مَا هُنَالِكَ فِي حِينِ حَرَكَةِ الْهَوَى فِي مَحَبَّةِ فِعْلِ الْخَيْرِ الْمَأْلُوفِ فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا أَلِفَتْ فِعْلَ الْخَيْرِ صَارَ خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِهَا وَسَكَنَتْ إِلَى أَنَّهَا مَوْضِعٌ لِمَا أُهِّلَتْ لَهُ وَتَرَى أَنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهَا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ فِيهَا هِيَ لَهُ أَهْلٌ وَيَرْصُدُهَا الْعَدُوُّ الْمُقِيمُ بِفِنَائِهَا الْمَجْعُولُ لَهُ السَّبِيلُ عَلَى مَجَارِي الدَّمِ فِيهَا فَيَرَى هُوَ بِكَيْدِهِ خَفِيَ غَفْلَتِهَا فَيَخْتَلِسُ مِنْهَا بِمُسَاءَلَةِ الْهَوَى مَا لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَى اخْتِلَاسِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ فَإِنْ تَأَلَّمَ لَوَكْزَتِهِ مِنْهُ وَعَرَفَ طَعْنَتَهُ أَسْرَعَ بِالْأَمَانَةِ إِلَى مَنْ لَا تَقَعُ الْكِفَايَةُ مِنْهُ إِلَّا بِهِ فَاسْتَقْصَى مِنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الْحَالِ الَّتِي مِنْهَا وَصَلَ عَدُوُّهُ إِلَيْهِ فَحَرَسَهَا بِلِيَاذَةِ اللَّجَأَ وَإِلْقَاءِ الْكَنَفِ وَشِدَّةِ الِافْتِقَارِ وَطَلَبِ الِاعْتِصَامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ابْنُ النَّبِيِّ ابْنِ النَّبِيِّ، الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ كَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، وَعَلِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ كَيِدَ الْأَعْدَاءِ مَعَ قُوَّةِ الْهَوَى لَا يَنْصَرِفُ بِقُوَّةِ النَّفْسِ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 34]، وَأَمَّا الْمَوْطِنُ الَّذِي يَسْتَحْضِرُ فِيهِ عَقْلَهُ لِرُؤْيَةِ مَجَارِي الْأَحْكَامِ، وَكَيْفَ يُقَلِّبُهُ التَّدْبِيرُ؟ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَمَاكِنِ وَأَعْلَى الْمَوَاطِنِ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ أَنْ يُوَاصِلُوا عِبَادَتَهُ وَلَا يَسْأَمُوا خِدْمَتَهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فَأَلْزَمَهُمْ دَوَامَ عِبَادَتِهِ وَضَمِنَ لَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْعَاجِلِ الْكِفَايَةَ وَفِي الْأُخْرَى جَزِيلَ الثَّوَابِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وَهَذِهِ كُلُّهَا تَلْزَمُ كُلَّ الْخَلْقِ، وَوَقَفَ لِيرَى كَيْفَ تُصَرَّفُ الْأَحْكَامُ؟ وَقَدْ عَرَضَ لِرَفِيعِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، أَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]؟، يَعْنِي شَأْنَ الْخَلْقِ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْوَاقِفُ أَتَرَى أَنَّكَ مِنَ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ فِي شَأْنِهِمْ؟ أَوْ تَرَى شَأْنَكَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ؟ وَلَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى اسْتِحْضَارِ عَقْلِهِ إِلَّا بِانْصِرَافِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا عَنْهُ وَخُرُوجِهَا مِنْ قَلْبِهِ فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّنْيَا وَبَادَتْ وَبَادَ أَهْلُهَا وَانْصَرَفَتْ عَنِ الْقَلْبِ خَلَا بِمُسَامَرَةِ

رُؤْيَةِ التَّصَرُّفِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ وَتَفْصِيلِ الْأَقْسَامِ وَلَنْ يَرْجِعَ قَلْبُ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي هَذِهِ الَّتِي عَنْهَا خَرَجَ وَلَهَا تَرَكَ وَمِنْهَا هَرَبَ أَلَا تَرَى إِلَى حَارِثَةَ حِينَ يَقُولُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي بِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ وَكَأَنِّي وَهَذِهِ بَعْضُ أَحْوَالِ الْقَوْمِ "

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «كَانَ يُعَارِضُنِي فِي بَعْضِ أَوْقَاتِي أَنْ أَجْعَلَ نَفْسِي كَيُوسُفَ وَأَكُونَ أَنَا كَيَعْقُوبَ فَأَحْزَنَ عَلَى نَفْسِي لِمَا فَقَدْتُ مِنْهَا كَمَا حَزِنَ يَعْقُوبُ عَلَى فَقْدِهِ لِيُوسُفَ فَمَكَثْتُ أَعْمَلُ مُدَّةً فِيمَا أَجِدُهُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ»

أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، فِي كِتَابِهِ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ السَّرِيِّ بْنِ الْمُغَلِّسِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِمِئْزَرٍ، وَكُنَّا خَالِيَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جَسَدِهِ كَأَنَّهُ جَسَدٌ سَقِيمٌ دَنِفٌ مُضْنًى وَأَجْهَدُ مَا يَكُونُ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى جَسَدِي هَذَا فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ إِنَّ مَا بِي هَذَا مِنَ الْمَحَبَّةِ كَانَ كَمَا أَقُولُ، وَكَانَ وَجْهُهُ يَصْفَرُّ ثُمَّ اشْرَأَبَّ حُمْرَةً حَتَّى تَوَرَّدَ ثُمَّ اعْتَلَّ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ أَعُودُهُ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَشْكُو مَا بِي إِلَى طَبِيبِي؟ وَالَّذِي أَصَابَنِي مِنْ طَبِيبِي، فَأَخَذْتُ الْمِرْوَحَةَ أُرَوِّحُهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجِدُ رَوْحَ الْمِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُهُ يَحْتَرِقُ مِنْ دَاخِلٍ؟ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر البسيط] الْقَلْبُ مُحْتَرِقٌ وَالدَّمْعُ مُسْتَبِقُ ... وَالْكَرْبٌ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ كَيْفَ الْقَرَارُ عَلَى مَنْ لَا قَرَارَ لَهُ؟ ... مِمَّا جَنَاهُ الْهَوَى وَالشَّوْقُ وَالْقَلَقُ يَا رَبِّ إِنْ كَانْ شَيْءٌ فِيهِ لِي فَرَجٌ ... فَامْنُنْ عَلَيَّ بِهِ مَا دَامَ لِي رَمَقُ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفِيدُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «أَعْلَى دَرَجَةِ الْكِبْرِ وَشَرُّهَا أَنْ تَرَى نَفْسَكَ، وَدُونَهَا وَأَدْنَاهَا فِي الشَّرِّ أَنْ تَخْطُرَ بِبَالِكَ»

أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْغَلَّابَ

، يَقُولُ: قِيلَ لِلْجُنَيْدِ: هَلْ عَايَنْتَ أَوْ شَاهَدْتَ؟ قَالَ: «لَوْ عَايَنْتُ تَزَنْدَقْتُ، وَلَوْ شَاهَدْتُ تَحَيَّرْتُ وَلَكِنْ حَيْرَةٌ فِي تِيهٍ وَتِيهٌ فِي حَيْرَةٍ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «حَرَّمَ اللَّهُ الْمَحَبَّةَ عَلَى صَاحِبِ الْعَلَاقَةِ»

قَالَ: وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنِ الدُّنْيَا، مَا هِيَ؟ قَالَ: «مَا دَنَا مِنَ الْقَلْبِ وَشَغَلَ عَنِ اللَّهِ»

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي كِتَابِهِ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى سَرِيٍّ السَّقَطَيِّ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ هَمًّا فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ أَرَى عَلَيْكَ هَمًّا فَقَالَ: السَّاعَةَ دَقَّ عَلَيَّ دَاقٌّ الْبَابَ فَقُلْتُ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ عَلَيَّ شَابٌّ فِي حُدُودِ الْإِرَادَةِ فَسَأَلَنِي عَنْ مَعْنَى التَّوْبَةِ، فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي عَنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ، فَأَنْبَأْتُهُ فَقَالَ: هَذَا مَعْنَى التَّوْبَةِ وَهَذَا شَرْطُهَا، فَمَا حَقِيقَتُهَا؟ فَقُلْتُ: حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ عِنْدَكُمْ أَنْ لَا تَنْسَى مَا مِنْ أَجْلِهِ كَانَتِ التَّوْبَةُ فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ: حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ أَلَا تَذْكُرَ مَا مِنْ أَجْلِهِ كَانَتِ التَّوْبَةُ، وَأَنَا أَفَكِّرُ فِي كَلَامِهِ، قَالَ الْجُنَيْدُ: فَقُلْتُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا جُنَيْدُ، وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: يَا أَسْتَاذُ إِذَا كُنْتُ مَعَكَ فِي حَالِ الْجَفَاءِ وَنَقَلْتَنِي مِنْ حَالِ الْجَفَاءِ إِلَى حَالِ الصَّفَاءِ فَذِكْرِي لِلْجَفَاءِ فِي حَالِ الصَّفَاءِ غَفْلَةٌ، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ هَمًّا فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ أَرَاكَ مَشْغُولَ الْقَلْبِ، فَقَالَ: أَمْسِ كُنْتُ فِي الْجَامِعِ فَوَقَفَ عَلَيَّ شَابٌّ وَقَالَ لِي: أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَيَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَبِلَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: بَلَى يَعْلَمُ، وَقَالَ لِي ثَانِيًا: بَلَى يَعْلَمُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَوَفَّقَنِي لِكُلِّ طَاعَةٍ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ قَبِلَنِي "

أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ بَعْدَ أَنْ أَدَّيْتُ، وِرْدِي وَوضِعْتُ جَنْبِي؛ لِأَنَامَ كَأَنَّ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي: إِنَّ شَخْصًا يَنْتَظِرُكَ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا شَخْصٌ وَاقِفٌ فِي سَوَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَتَى تَصِيرُ النَّفْسُ دَاؤُهَا دَوَاؤُهَا؟ قُلْتُ: إِذَا خَالَفَتْ هَوَاهَا صَارَ دَاؤُهَا دَوَاءَهَا، قَالَ: قُلْتُ هَذَا لِنَفْسِي، فَقَالَتْ: لَا أَقْبَلُ مِنْكَ حَتَّى تَسْأَلَ

عَنْهُ الْجُنَيْدَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ الْجِنِّيُّ، وَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ مِنَ الْمَغْرِبِ "

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «لَا تَكُونُ عَبْدَ اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى لَا تَبْقَى عَلَيْكَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ بَقِيَّةٌ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «لَا تَكُونُ عَبْدَ اللَّهِ حَقًّا وَأَنْتَ لِشَيْءٍ سِوَاهُ مُسْتَرَقًّا»

حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ أَبَا الْأَزْهَرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " دَخَلْتُ الْبَادِيَةَ بِعَقْدِ التَّوَكُّلِ فِي وَسَطِ السَّنَةِ فَمَضَتْ عَلَيَّ أَيَّامٌ فَانْتَهَيْتُ إِلَى مَجْمَعِ مَاءٍ وَخُضْرَةٍ فَتَوَضَّأْتُ وَمَلَأْتُ رِكْوَتِي وَقُمْتُ أَرْكَعُ فَإِذَا بِشَابٍّ قَدْ أَقْبَلَ بِزِيِّ التُّجَّارِ كَأَنَّهُ قَدْ غَدَا مِنْ بَيْتِهِ إِلَى سُوقِهِ أَوْ يَرْجِعُ مِنْ سُوقِهِ إِلَى بَيْتِهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقُلْتُ: الشَّابُّ مُنْ أَيْنَ؟ فَقَالَ: مِنْ بَغْدَادَ، فَقُلْتُ: مَتَى خَرَجْتَ مِنْ بَغْدَادَ؟ قَالَ: أَمْسِ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَكُنْتُ قَدْ مَضَتْ عَلَيَّ أَيَّامٌ حَتَّى بَلَغْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَجَلَسَ يُكَلِّمُنِي وَأُكَلِّمُهُ فَأَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ كُمِّهِ يَأْكُلُهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَطْعِمْنِي مِمَّا تَأْكُلُ، فَوَضَعَ فِي يَدِي حَنْظَلَةً فَأَكَلْتُهُ فَوَجَدْتُ طَعْمَهُ كَالرُّطَبِ، وَمَضَى وَتَرَكَنِي فَلَمَّا دَخَلْتُ مَكَّةَ بَدَأْتُ بِالطَّوَافِ فَجَذَبَ ثَوْبِي مِنْ وَرَائِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ كَالشَّنِّ الْبَالِي عَلَيْهِ قِطْعَةُ عَبَاءٍ وَعَلَى عَاتِقِهِ بَعْضُهُ فَقُلْتُ لَهُ: زِدْنِي فِي الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: أَنَا الشَّابُّ الَّذِي أَطْعَمْتُكَ الْحَنْظَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ذَرَءُونَا حَتَّى أَوْقَعُونَا، قَالُوا: اسْتَمْسِكْ "

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ وَحَدَّثَنِي عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سُئِلَ الْجُنَيْدُ أَيُّمَا أَتَمُّ اسْتِغْرَاقُ الْعِلْمِ فِي الْوُجُودِ أَوِ اسْتِغْرَاقُ الْوُجُودِ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: " اسْتِغْرَاقُ الْعِلْمِ فِي الْوُجُودِ لَيْسَ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ كَالْوَاجِدِينَ لَهُ قَالَ: وَسَأَلَهُ الْحَرِيرِيُّ عَنْ قَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، قَالَ: هُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَعْلَمُ مَا أَنَا لَكَ عَلَيْهِ وَمَا لَكَ عِنْدِي وَلَا أَعْلَمُ مَا لِي عِنْدَكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ وَأَطْلَعْتَنِي عَلَيْهِ فَهَذَا مَعْنَاهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ الطَّبَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ يَسِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: " الْأَقْوَاتُ ثَلَاثَةٌ: فَقُوتٌ

بِالطَّعَامِ وَهُوَ مَوْلِدٌ لِلْأَعْرَاضِ، وَقُوتٌ بِالذِّكْرِ فَهَذَا يُشْمِمُهُمُ الصِّفَاتِ، وَقُوتٌ بِرُؤْيَةِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الَّذِي يَفْنَى وَيَبِيدُ، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ: [البحر الطويل] إِذَا كُنْتَ قُوتَ النَّفْسِ ثُمَّ هِجَرْتَهَا ... فَلَمْ تَلْبَثِ النَّفْسُ الَّتِي أَنْتَ قُوتُهَا

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفِيدُ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنَا عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَبْلَ أَنْ لَقِيتُهُ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَبَلِيُّ قَالَ: كَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمَارِسْتَانِيُّ: " يَا أَخِي، كَيْفَ أَنْتَ فِي تَرِكْ مُوَاصَلَةِ مَنْ عَرَّضَكَ لِلتَّقْصِيرِ وَدَعَاكَ إِلَى النَّقْصِ وَالْفُتُورِ؟ وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُبَايَنَتُكَ لَهُ وَهُجْرَانُكَ؟ وَكَيْفَ إِعْرَاضُ سِرِّكَ وَنُبُوُّ قَلْبِكَ وَعُزُوفُ ضَمِيرِكَ عَنْهُ؟ حَقِيقٌ عَلَيْكَ عَلَى مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَخَصَّكَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ الْجَلِيلِ وَالْمُنْزِلِ الشَّرِيفِ أَنْ تَكُونَ عَنِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الدُّنْيَا مُعْرِضًا وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ بِسِرِّكَ وَجَهْرِكَ قَالِيًا، وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ فِي بَلَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ شَافِعًا، فَذَلِكَ بَعْضُ حَقِّكَ لَكَ وَحَرِيٌّ بِكَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُذْنِبِينَ ذَائِدًا وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ بِفَهْمِ الْخِطَابِ إِلَى اللَّهِ رَائِدًا وَفِي اسْتِنْقَاذِهِمْ وَافِدًا فَتِلْكَ حَقَائِقُ الْعُلَمَاءِ وَأَمَاكِنُ الْحُكَمَاءِ وَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ، وَأَعَمُّهُمْ نَفْعًا لِجُمْلَةِ خَلْقِهِ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ أَخَصِّ مَنْ أَخْلَصَهُ بِالْإِخْلَاصِ إِلَيْهِ وَأَقْرَبِهِمْ فِي مَحَلِّ الزُّلْفَى لَدَيْهِ أَيَحْسُنُ بِالْعَاقلِ اللَّبِيبِ وَالْفَهِمِ الْأَدِيبِ الطَّالِبِ الْمَطْلُوبِ الْمُحِبِّ الْمَحْبُوبِ الْمُكْلَأِ الْمُعَلَّمِ، الْمُزَلَّفِ الْمُقَرَّبِ الْمَجَالِسِ الْمُؤَانِسِ أَنْ يُعِيرَ الدُّنْيَا طَرْفَهُ أَوْ يوَافِقَهَا بِلَحْظِهِ وَقَدْ سَمِعَ سَيِّدَهُ وَمَوْلَاهُ وَهُوَ يَقُولُ لِأَجَلِّ أَصْفِيَائِهِ وَسَيِّدِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ: ﴿وَلَا تُمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زُهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنِفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]، الْآيَةَ، أَفَشَاهِدٌ أَنْتَ لِفَهْمِ الْخِطَابِ وَإِمْكَانِ رَدِّ الْجَوَّابِ؟ فَتَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ مِمَّا فَاتَهُ، وَمُصَافَاتُهُ وَمُكَافَأَتُهُ وَمَكَانُهُ مِنْهُ وَمُوَالَاتُهُ أَنْ يُوَادَّ مَنْ لَا يُوَادُّهُ أَوْ يَأْلَفَ مَنْ لَا يُوَافِقُهُ، غُضَّ يَا أَخِي بَصَرَ سِرِّكَ وَبَصِيرَةَ قَلْبِكَ عَنِ الْإِيمَاءِ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْهِمْ دُونَ الْمُوَاصَلَةِ لَهُمْ وَصُنْ بِالْمَضْمُونِ مِنْ ضَمِيرِكَ عَنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ بِالْقَوْمِ مُؤَالَفَةٌ، فَوَاللَّهِ لَا وَالَى اللَّهُ مَنْ يُحَادُّهُ وَلَا أَقْبَلَ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُ وَلَا عَظَّمَ مَنْ يُعَظِّمُ مَا صَغَّرَهُ وَقَلَّلَهُ إِلَّا أَنْ يَنْزِعَ عَنْ ذَلِكَ فَكُنْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ وَكُنْ لِأَمَاكِنِ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ

الْحَقِّ مُسْتَهِينًا، وَبَعْدُ يَا أَخِي فَتَفَضَّلْ بِاحْتِمَالِي إِنْ غَلُظَ عَلَيْكَ مَقَالِي وَتَجَشَّمِ الصَّبْرَ عَلَى أَنْ يُوَافِقَ قَلْبُكَ مَا فِي كِتَابِي فَإِنَّ الْمُنَاصَحَةَ وَالْمُفَاصَحَةَ خَيْرٌ مِنَ الْإِغْضَاءِ مَعَ الْمُتَارَكَةِ وَإِنِّي أَخْتِمُ كِتَابِي وَأَسْتَدْعِي جَوَابِي بِقَوْلِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا "

جارٍ التحميل