أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَمِنْهُمُ الْحَكِيمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَرَّاقُ الْبَلْخِيُّ لَهُ الْكُتُبُ فِي الْمُعَامَلَاتِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
الْفَرَجِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى أَبُو طَاهِرٍ، ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ»
عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ وَمِنْهُمُ الْعَارِفُ الْبَصِيرُ وَالْعَالِمُ الْخَبِيرُ لَهُ اللِّسَانُ الشَّافِي، وَالْبَيَانُ الْكَافِي، مَعْدُودٌ فِي الْأَوْلِيَاءِ مَحْمُودٌ فِي الْأَطِبَّاءِ، أَحْكَمَ الْأُصُولَ وَأَخْلَصَ فِي الْوُصُولِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ، سَاحَ فِي الْبِلَادِ وَبَاحَ بِالْوِدَادِ وَصَحِبَ الْأَصْفِيَاءَ مِنَ الْعُبَّادِ
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْمَكِّيَّ، وَأَمْلَى عَلَيَّ فِي جَوَابِ مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا، يُخَاطِبُ السَّائِلَ: " أَقِمْ عَلَى نَفْسِكَ الْمُوَازَنَةَ بِعَقْلِكَ فِي تَفَقُّدِ حَالِكَ وَمَقَامِكَ هَذَا، إِنَّ كُلَّ مَا عَارَضَكَ مِنَ الْأَشْغَالِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَعْنِي مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، أَزَالَكَ عَنْ مَقَامِكَ هَذَا بِانْصِرَافِ الْيَسِيرِ مِنْ عَقْلِكَ فَذَلِكَ كُلُّهُ عُذْرٌ فَاهْرَبْ وَافْزَعْ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ اعْتِرَاضِ الْخَوَاطِرِ وَسَوْرَةِ الْعَوَارِضِ وَحِيرَةِ الْهَوَى إِلَى مَوْلَاكَ وَسِيِّدِكَ، وَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ ضُرُّكَ وَنَفْعُكَ الَّذِي خَلُصَتْ فِي نَفْسِكَ وَحْدَانِيَّتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَتَفْرِيدُ سُلْطَانِهِ وَتَفْرِيدُ فِعْلِ رُبُوبِيَّتِهِ إِذْ لَا قَابِضَ وَلَا بَاسِطَ وَلَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ وَلَا مَعِينَ وَلَا نَاصِرَ وَلَا عَاصِمَ وَلَا عَاضِدَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَهَذَا أَوَّلُ مَقَامٍ قَامَهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْ تَصْحِيحِ الْقُدْرَةِ فِي إِخْلَاصِ تَفْرِيدِ أَفْعَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَقَامٍ قَامَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَوَّلُ مَقَامٍ قَامَهُ الْمُخْلِصُونَ وَأَوَّلُ مَقَامٍ قَامَهُ الْمُتَوَكِّلُونَ فِي تَصْحِيحِ الْعِلْمِ الْمَعْقُودِ بِشَرْطِ التَّوَكُّلِ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ الْأَعْمَالِ، وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَا تَوَهَّمَهُ قَلْبُكَ أَوْ رَسَخَ فِي مَجَارِي فِكْرَتِكَ أَوْ خَطَرَ فِي مُعَارَضَاتِ قَلْبِكَ مِنْ حُسْنٍ أَوْ بَهَاءٍ، أَوْ إِشْرَافٍ أَوْ ضِيَاءٍ أَوْ جَمَالٍ، أَوْ شَبْحٍ مَاثِلٍ، أَوْ شَخْصٍ مُتَمَثِّلٍ، فَاللَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ بَلْ هُوَ تَعَالَى أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْمَلُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]؟، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، أَيْ لَا شَبَهَ وَلَا نَظِيرَ وَلَا مَسَاوِيَ وَلَا مِثْلَ، وَقَفَ عِنْدَ خَبَرِهِ عَنْ نَفْسِهِ مُسْلِمًا مُسْتَسْلِمًا
مُذْعِنًا مُصَدِّقًا بِلَا مُبَاحَثَةِ التَّنْفِيرِ وَلَا مُفَاتَشَةِ التَّفْكِيرِ جَلَّ اللَّهُ وَعَلَا الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ خَالِصُ التَّفْكِيرِ وَلَا تُحْوِيهِ صِفَةُ التَّقْدِيرِ، السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ سُلْطَانًا وَقُدْرَةً، وَالْبَاطِنُ لِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَخِبْرَةً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَلَا عِبْرَةٍ وَلَا تَرَدُّدٍ وَلَا فِكْرَةٍ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا أَقَامَ لِقُلُوبِ الْمُوقِنِينَ مَدًّا يُمْسِكُهُ التَّسْلِيمُ عَنِ التِّيهِ، فِي بِحُورِ الْغُيوبِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ ذِي الْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ، فَشَكَرَ لَهُمْ تَسْلِيمَهُمْ وَاعْتِرَافَهُمْ بِالْجَهْلِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ وَسَمَّى ذَلِكَ مِنْهُمْ رُسُوخًا وَرَبَّانِيَّةً وَإِيمَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، وَمَا خَبَّرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ، إِذْ قَالُوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]، عَجَزَتِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أَنْ تَحُدَّ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ أَوْ تُكَيِّفَ صِفَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَهُمْ خُشُوعٌ خُضُوعٌ خُنُوعٌ فِي حُجُرَاتِ سُرَادِقَاتِ الْعَرْشِ مَحْبُوسُونَ أَنْ يَتَأَمَّلُوا سَاطِعَ النُّورِ الْأَوْهَجِ فَهُمْ يَضِجُّونَ حَوْلَ عَرْشِهِ بِالتَّقْدِيسِ ضَجِيجًا وَيَعِجِّوُنَ بِالتَّسْبِيحِ عَجِيجًا بَاهِتُونَ رَاهِبُونَ خَائِفُونَ مُشْفِقُونَ وَجِلُونَ لِمَا بَدَا لَهُمْ مِنْ عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَلِمَا أَيْقَنُوا بِهِ وَسَلَّمُوا لَهُ مِنْ شُمُوخِ الرِّفْعَةِ، فَكَيْفَ تُطْمِعُ يَا أَخِي نَفْسَكَ أَوْ تُطْلِقُ فِكْرَكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الِاحْتِوَاءِ عَلَى صِفَةِ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ؟ وَقَانَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ اعْتِرَاضَ الشُّكُوكِ وَعَصَمَنَا وَإِيَّاكَ فِي كَنَفِ تَأْيِيدِهِ مِنَ التَّخَطِّي بِالْأَفْهَامِ إِلَى اكْتِنَاهِ مَنْ لَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ الظُّنُونُ وَلَا تَلْحَقُهُ فِي الْعَاجِلَةِ الْعُيونُ، جَلَّ وَتَعَالَى عَنْ خَطَرَاتِ الْهَفَوَاتِ، وَعَنْ ظُنُونِ الشُّبُهَاتِ، عُلُوًّا كَبِيرًا، فَبِهَذَا فَاعْرِفْ رَبَّكَ وَمَوْلَاكَ وَمَنْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ فَيَكُونَ سِلَاحَكَ، وَعَظِّمْ عُدَّتَكَ وَمُجَاهَدَتَكَ وَجُنَّتَكَ مِنْ عَدُوِّكَ عِنْدَ مَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ فِي خَالِقِكَ، فَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ فَإِلَيْهِ فَالْتَجِئْ وَبِهِ فَاسْتَمْسِكْ ثُمَّ عُدْ إِلَيْهِ بَمَلَقِ اللَّوَذَانِ وَاسْتِكانةِ الْخُضُوعِ أَنْ يَعْصِمَكَ اللَّهُ وَيُثَبِّتَكَ فَهُوَ الْمُثَبِّتُ لِقُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ بِصِحَّةِ الْيَقِينِ مِنَ الزَّوَالِ كَمَا أَمْسَكَ أَرْضَهُ بِالْجِبَالِ مِنَ الزِّلْزَالِ، وَالسَّلَامُ "
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ
: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الِاخْتِبَارَ مَوْصُولًا بِالِاخْتِيَارِ، وَالْإِجَابَةَ مُؤَدَّاةً إِلَى الْأَبْرَارِ بِتَوْفِيقِ هِدَايَتِهِ وَابْتِدَاءِ رَأْفَتِهِ وَجَعَلَ رَحْمَتَهُ مِفْتَاحًا لِكُلِّ خَيْرٍ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، فَكَانَ مِمَّا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ عِبَادًا اتَّخَذَهُمْ لِنَفْسِهِ وَرَضِيَهُمْ لِعِبَادَتِهِ وَاصْطَنَعَهُمْ لِخِدْمَتِهِ وَاجْتَبَاهُمْ لِمَحَبَّتِهِ وَنَصَبَهُمْ لِدَعْوَتِهِ وَأَبْرَزَهُمْ لِإِجَابَتِهِ وَاسْتَعَمَلَهُمْ بِمَرْضَاتِهِ فَأَلَطْفَ لَهُمْ فِي الدَّعْوَةِ بِاخْتِصَاصِ الْمِنَّةِ فَأَظْهَرَ دَعْوَتَهُ فِي قُلُوبِهِمْ بِإِظْهَارِ صُنْعِهِ وَصَنَعَائِهِ وَمَا غَذَّاهُمْ بِهِ مِنْ لُطْفِهِ وَأَلْطَافِهِ وَبِرِّهِ وَنَعْمَائِهِ فَوَطَّأَ لَهُمُ الطَّرِيقَ وَكَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَسَارَعَتْ قُلُوبُهُمْ بِإِجَابَةِ التَّحْقِيقِ وَذَلِكَ لَمَّا عَرَفُوا وَاسْتَبَانُوا مِمَّا بِهِ اللَّهَ دَانُوا مِمَّا تَعَرَّفَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتُّحَفِ وَالْكَرَامَاتِ وَالطُّرَفِ وَالْفَوَائِدِ السَّنِيَّةِ وَالْمَوَاهِبِ الْهَنِيَّةِ فَسَارَعَتْ لِإِجَابَتِهِ بِخَالِصِ مُوَافَقَتِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ مُخَالَفَتِهِ وَالْعَطْفِ عَلَى كُلِّ مَا عَطَفَ بِهِ عَلَيْهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى كُلِّ مَا دَعَاهَا إِلَيْهِ بِلَا تَثَبُّطٍ فِي مَسِيرٍ وَلَا الْتِفَاتٍ فِي جَدٍّ وَلَا تَشْمِيرٍ فَوَصَلُوا الْغُدُوَّ بِالتَّبْكِيرِ وَقَطَعُوا فِيهَا الْعَلَائِقَ وَانْفَرَدُوا بِهِ دُونَ الْخَلَائِقِ فَسَارُوا سَيْرَ مُتَقَدِّمِينَ وَجَدُّوا جِدَّ مُعْتَزِمِينَ وَحَثُّوا حَثَّ مُبَادِرِينَ وَدَامُوا مُدَاوَمَةَ مُلَازِمِينَ وَانْتَصَبُوا انْتِصَابَ خَائِفِينَ لِلْفَوْتِ وَالْحِرْمَانِ، وَخَوْفَ السَّلَبِ لِمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْإِحْسَانِ فعَبَدُوهُ بِأَبْدَانٍ خِفَافٍ وَعَامَلُوهُ بِفِطَنٍ لِطَافٍ وَقَصَدُوهُ بِإِرَادَاتٍ صَادِقَةٍ وَهِمَمٍ خَالِصَةٍ وَرَغَبَاتٍ طَامِحَةٍ وَقُلُوبٍ صَافِيَةٍ فَابْتَدَءُوا مِنْ مُعَامَلَةِ اللَّهِ فِيمَا بِهِ ابْتَدَأَهُمْ حِينَ دَعَاهُمْ إِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، فَطَلَبُوا طَيِّبَ الْحَيَاةِ بِإِخْلَاصِ الْإِجَابَةِ وَعَمِلُوا فِي الظَّفَرِ بِالْحَيَاةِ إِذَا دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهَا وَنَبَهَّهُمْ بِلُطْفِهِ عَلَيْهَا فَجَعَلُوا إِقَامَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ وَأَمَلَهُمِ وَمُنَاهُمُ الظَّفَرَ بِالْحَيَاةِ فَعَمِلُوا فِي تَحْقِيقِ مُوجِبَاتِهَا فِي الْأَحْوَالِ الْوَارِدَةِ بِهِمْ عَلَيْهَا "
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْمَكِّيَّ، يَقُولُ فِي وَصْفِ سِيَاسَةِ النُّفُوسِ قَالَ: " يَبْتَدِئُ بَعْدَ الْإِجَابَةِ بِتَوْفِيقِ النُّفُوسِ لِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَلِكِ وَمَعْصِيَةَ الْجَبَّارِ فَأَلْزَمَهَا التَّوْبَةَ وَالتَنَصُّلَ وَالِاعْتِذَارَ وَتَكْرِيرَ الِاسْتِغْفَارِ، وَالِاجْتِهَادَ فِي حَلِّ الْإِصْرَارِ بِاللَّجَأَ وَالِاسْتِئْجَارِ وَالِاعْتِصَامِ بِمَلِيكِهِمُ الْجَبَّارِ فَوَافَقُوهَا مُوَافَقَةً عَلَى مَوَازَنَةٍ وَعَاتَبُوهَا مُعَاتَبَةً عَلَى مُحَاضَرَةٍ
وَوَبَّخُوهَا بِمَا فَرَطَ مِنْهَا مِنَ الْجَهْلِ وَالتَّضْيِيعِ وَالشُّرُورِ وَالتَّمَادِي وَالتَّمَرُّدِ فِي رُكُوبِ الْمَعَاصِي فَوَبَّخُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَاتَبُوهَا مُعَاتَبَةَ مَنْ قَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ وَقَرَّرُوهَا تَقْرِيرَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَجَرَّعُوهَا مَا تَوَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ ثُمَّ أَقَامُوهَا مَقَامَ الْخِزْيِ فَأَبْدَلُوهَا بِحَالِ الرَّفَاهَاتِ الْقَشَفَ وَالتَّقَشُّفَ وَالضُّرَ وَالتَّخَفُّفَ، فَأَبْدَلُوهَا بِالشِّبَعِ جُوعًا وَبِالنَّوْمِ سَهَرًا وَبِالرَّاحَةِ تَعَبًا وَبِالْقُعُودِ نَصَبًا وَبِطَيِّبِ الْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَ الْخَشِنَ، وَبِلِينِ الْمَلَابِسِ الْخَشِنَ الْجَافِي وَبِأَمْنِ الْوَطَنِ خَوْفَ الْبَيَاتِ، ثُمَّ أَزْعَجُوهَا عَنْ تَوَطُّنِ مَا بِهِ أَلْزَمُوهَا فَمَنَعُوهَا اسْتِوَاءَ الْأَوْقَاتِ فِي بَذْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَخَذُوهَا بِدَائِمِ الِازْدِيَادِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَازَنَةِ وَأَقَامُوهَا مَقَامَ التَّصَفُّحِ وَالتَّفْتِيشِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ وَخَطْرَةٍ وَهَمَّةٍ وَلَفْظَةٍ وَفِكْرَةٍ وَأُمْنِيَةٍ وَشَهْوَةٍ وَإِرَادَةٍ وَمَحَبَّةٍ فَهَكَذَا أَبَدًا دَأْبُهُمْ وَفِي هَذِهِ أَبَدًا حَالُهُمْ عَلَى هَذِهِ السَّيَاسَةِ بِشَرْطِ هَذِهِ الْمُجَاهَدَةِ وَانْتِصَابِ هَذِهِ الْمُكَابَدَةِ وَإِحَاطَةِ هَذِهِ الْمُرَاوَضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَالْهَرَبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا وَالِاعْتِضَادُ بِاللَّهِ عَلَيْهَا وَالتَّأَوِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهَا وَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ عَلَى كَيْدِهَا وَالصُّرَاخِ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ شُرُودِهَا، وَاسْتَغْثِ بِالْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ صَرِيخُ الْأَخْيَارِ وَمُنَجِّي الْأَبْرَارِ وَمُلْتَجَأُ الْمُتَّقِينَ وَنَاصِرُ الصَّالِحِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا شَكَرَ لِوَلِيِّهِ عَظِيمَ مَا جَاهَدَ وَجَسِيمَ مَا كَابَدَ وَمَشَقَّةَ مَا احْتَمَلَ وَجَهْدَ مَا انْتَصَبَ تَوَلَّاهُ بِالنُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْعِزِّ وَالتَّأْيِيدِ، وَمَنْ نَصَرَهُ لَمْ يُخْذَلْ وَمَنْ أَعَزَّهُ لَمْ يُقْهَرْ وَمَنْ تَوَلَّاهُ لَمْ يُذَلَّ، فَرَوَّحَهَا رَوْحَ الْيَقِينِ وَأَضَاءَ لَهَا عَلَامَاتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالْقَبُولِ وَأَنَارَتْ لَهَا عَلَامَاتُ التَّحْقِيقِ وَتَوَالَتْ عَلَيْهَا مُدَاوَمَةُ الْمَزِيدِ وَعَادَتْ عَلَيْهَا تِكْرَارُ التُّحَفِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَامَاتِ، وَعَطَفَتْ عَلَيْهَا عَوَاطِفُ الْفَضْلِ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَذْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْمُبْتَدِئُ عَبْدَهُ بِمَا ابْتَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ بَذْلٍ فِي قُرْبَةٍ أَوْ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي وَسِيلَةٍ أَوْ مِنْ مُنَافَسَةٍ فِي فَضِيلَةٍ أَوْ مِنْ مُسَارَعَةٍ إِلَى خِدْمَةٍ أَوْ مِنْ إِخْلَاصٍ فِي نِيَّةٍ أَوْ مِنْ تَكَامُلٍ فِي رَغْبَةٍ أَوْ مِنْ تَحْقِيقٍ فِي مَحَبَّةٍ، فَاللَّهُ الْمُبْتَدِئُ لَهَا بِذَلِكَ بِمَا بِهِ أَقَامَهَا وَبِمَا بِهِ إِلَيْهَا دَعَاهَا، فَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَةُ الْحَيَاةِ وَمَشَارِبِهَا وَانْبِجَاسِ أَحْوَالِهَا وَتَشَعُّبِ مَذَاقَاتِهَا بِكُلِّ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ غَمٍ وَسُرُورٍ
وَرَاحَةٍ وَجَهْدٍ وَرَفَاهَةٍ وَتَعَبٍ وَمُوَافَقَةٍ وَنَصَبٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ وَخَوْفٍ وَكَمَدٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي دَعَا اللَّهُ إِلَيْهَا وَنَبَّهَ قُلُوبَهُمْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: " الْمُخْلِصُونَ مِنَ الْوَرِعِينَ هُمُ الَّذِينَ تَفَقَّدُوا قُلُوبَهُمْ بِالْأَعْمَالِ وَالنِّيَّاتِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسُكُونِهِمْ مُوَاظِبِينَ لِلِاسْتِقَامَةِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَلَهُ مُحَافِظِينَ وَمِنْ دُخُولِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ مُشْفِقِينَ فَأَوْرَثَهُمُ اللَّهُ مُرَاقَبَتَهُ فَهُنَالِكَ تَنْتَصِبُ قُلُوبُهُمْ بِمُدَاوَمَةِ الْمُحَافَظَةِ لِنَظَرِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَنَظَرِهِ إِلَى سَرَائِرِهِمْ، وَعِلْمِهِ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسُكُونِهِمْ فَهُنَالِكَ تَقِفُ الْقُلُوبُ بِعِلْمِ اللَّهِ فَلَا تَنْبَعِثْ بِحَظْرَةٍ وَلَا هَمَّةٍ وَلَا إِرَادَةٍ وَلَا مَحَبَّةٍ وَلَا شَهْوَةٍ إِلَّا حَفِظُوا عِلْمَ اللهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَبْرُزْ حَرَكَاتُ الضَّمِيرِ إِلَى تَحْرِيكِ الْجَوَارِحِ إِلَّا بِالتَّحْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61]، فَإِذَا انْتَصَبَتِ الْمُرَاقَبَةُ بِدَوَامِ انْتِصَابِ الْقُلُوبِ بِهَا فَهُنَالِكَ يَكُونُ تَمَامُ الْإِخْلَاصِ وَالْحَيْطَةِ فِي الْعَمَلِ وَهُنَالِكَ يوَرِّثْهُمُ اللَّهُ الْحَيَاءَ فَدَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ يُفْشِي الْحَيَاءَ وَيَمُدُّهُ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَالْحَيَاءُ يَعْمَرُ الْقُلُوبَ بِدَوَامِ الطَّهَارَةِ وَيُخْرِجُ مِنَ الْقُلُوبِ حَلَاوَةَ الْمَاءِ ثُمَّ حَلَاوَةَ الشَّهَوَاتِ، وَدَوَامُ الْحَيَاءِ يُوجِبُ عَلَى الْقُلُوبِ إِعْظَامَ حُرُمَاتِ اللَّهِ بِإِعْظَامِ مَقَامَ اللَّهِ حَيَاءً مِنْ جَلَالِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ إِجْلَالَ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ غَاسِلٌ لِلْقُلُوبِ بِمَاءِ الْحَيَاةِ الْوَارِدِ عَلَيْهَا مَنْ فَوَائِدِ اللَّهِ فَتَخْلُقُ الدُّنْيَا في قُلُوبِهِمْ وَتَصْغُرُ الْأَشْيَاءُ فِيهَا وَتَقْوَى حَرَكَاتُ الْيَقِينِ بِصَفَاءِ النَّظَرِ إِلَى الْمَوْعُودِ فَيُوصِلُهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا الْيَقِينُ بِالتَّوْبِيخِ فِي إِعْظَامِ الدُّنْيَا وَالسَّعْيِ لَهَا وَلِجَمْعِهَا "
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ حَدَّ الشُّكْرِ، فِي الْقُلُوبِ خَارِجٌ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْفَرَحِ عَلَى النِّعَمِ وَالِاشْتِغَالِ بِبَهْجَتِهَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ شَرِّهَا عَلَيْهَا وَعَظِيمِ حَظِّهَا فِيهَا فَالشُّكْرُ خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا مَا حَلَّ بِالْقُلُوبِ زَهَرَاتُ النِّعَمِ وَرَوْنَقُ صَفْوِهَا وَخَفْضُ الْعَيْشِ فِيمَا هَاجَ فِي الْقُلُوبِ
ذَكَرَ الْمُنْعِمَ بِهَا وَالْمُتَوَلِّي لِلِامْتِنَانِ بِهَا فَاتَّصَلَ فَرَحُهُمْ بِشُكْرِهِ وَأَوْصَلَتْهُمُ النِّعْمَةُ إِلَى الِابْتِهَاجِ بِالْمُنْعِمِ وَالذِّكْرِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَهَذَا حَدُّ الشُّكْرِ فِيمَا ذَاقَتْهُ الْقُلُوبُ، فَلَمَّا صُرِفَتِ الْأَفْرَاحُ عَنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ، إِلَى مَوَاضِعِ الشُّكْرِ ابْتِهَاجًا بِالْمُنْعِمِ دُونَ حَظِّ النُّفُوسِ بِالنِّعْمَةِ، خَلُصَتْ تِلْكَ الْأَفْرَاحُ رِضَاءً عَنِ اللَّهِ، وَبَشَاشَةُ الْقُلُوبِ لِمَا يَرْضَاهُ، وَاخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ بِمُخَالَفَةِ الْمَحَابِّ، وَالسُّرُورُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ وَيَكُونُ السُّرُورُ مَقْرُونًا بِالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ الَّتِي هِيَ مَعْقُودَةٌ فِي عُقُودِ الْإِيمَانِ وَمَوْجُودَةٌ فِي أَصْلِ الْعِرْفَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثِ حَالَاتٍ: إِخْلَاصٌ لِتَوْحِيدِهِ، وَرِضًا بِهِ أَنَّهُ رَبٌّ، وَمَحَبَّةً لَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِذْ هُوَ إِلَهُهُ وَمَالِكُ ضُرِّهِ وَنَفْعِهِ وَرَفْعِهِ وَوَضْعِهِ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ، فَوَلِهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ بِضُرِّ الْفَاقَةِ فَهَذَا مَعْنَى الْمَحَبَّةِ الْمُفْتَرَضَةِ فِي عُقُودِ الْإِيمَانِ كَفَرْضِ الْإِيمَانِ " قَالَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حُظُوظُهُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ غَزِيرَةٌ وَتَصَانِيفُهُ بِالْمَسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتِ شَهِيرَةٌ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَكُلٌّ عَلَى خَيْرٍ وَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ فَاتَكَ شَيْءٌ فَقُلْ كَذَا قُدِّرَ وَكَذَا كَانَ وَإِيَّاكَ وَلَوْ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ
رُوَيْمُ بْنُ أَحْمَدَ وَمِنْهُمُ الْفَطِنُ الْمَكِينُ، لَهُ الْبَيَانُ وَالتَّبْيِينُ وَالرَّأْيُ الْمَتِينُ رُوَيْمُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَمِينُ، كَانَ بِالْقُرْآنِ عَالِمًا وَبِالْمَعَانِي عَارِفًا وَعَلَى الْحَقَائِقِ عَاكِفًا قُلِّدَ بِفَصْلِ الْخَطَّابِ وَلَمْ تُؤْثَرْ فِيهِ الْعِلَلُ وَالْأَسْبَابُ، كَانَ سَمِيَ جَدِّهِ رُوَيْمِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ الرَّاوِي عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ
أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْفَقِيهُ الْأَسْفِيدَفَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رُوَيْمًا يَقُولُ: «الْإِخْلَاصُ ارْتِفَاعُ رُؤْيَتِكَ عَنْ فِعْلِكَ، وَالْفُتُوَّةُ، أَنْ تَعْذُرَ إِخْوَانَكَ فِي زَلَلِهِمْ وَلَا تُعَامِلَهُمْ بِمَا يُحْوِجُكَ إِلَى الِاعْتِذَارِ مِنْهُمْ»
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ فَارِسٍ، يَقُولُ: حَضَرْتُ رُوَيْمًا وَسَأَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَدَّادُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الصَّحْوُ أَوِ السُّكْرُ؟ فَانْزَعَجَ رُوَيْمٌ كَالْمُغْضَبِ فَقَالَ: " لَا وَاللَّهِ أَوْ تَهْدَأُ هُدُوءُ الصَّخْرِ فِي قُعُورِ الْبِحَارِ فَإِنْ هَدَأَتِ اسْتَوْدَعَكَ وَإِنِ انْزَعَجَتْ طَالَبَكَ أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98]؟ وَسَأَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُوصِيَهُ بِوَصِيَّةٍ فَقَالَ: لَيْسَ إِلَّا بَذْلُ الرُّوحِ وَإِلَّا فَلَا تَشْتَغِلْ بِتُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ فَإِنَّ أَمْرَهَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأُصُولِ "
سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ يَقُولُ: كَانَ رُوَيْمٌ يَقُولُ: " السُّكُونُ إِلَى الْأَحْوَالِ اغْتِرَارٌ، وَكَانَ يَقُولُ: رِيَاءُ الْعَارِفِينَ أَفْضَلُ مِنْ إِخْلَاصِ الْمُرِيدِينَ "
أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ أَبُو عَمْرٍو الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رُوَيْمَ بْنَ أَحْمَدَ الْمُقْرِئَ، يَقُولُ: " لَمَّا رَأَيْتُ الطَّالِبِينَ قَدْ تَحَيَّرُوا وَالْمُرِيدِينَ قَدْ فَتُرُوا وَالْمُتَعَبِّدِينَ وَالْعُلَمَاءَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانِ الْهَوَى قَدْ سَكِرُوا لَمَّا رَأَوُا الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى عِلْمِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى طَبَقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَقَامَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ مِنَ اسْتِصْغَارِ الْأَحْوَالِ وَأَهْلِهَا وَالتَّرَاخِي عَنِ الْأَعْمَالِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا تَسَوَّرُوا عَلَى ذُرًى قَصُرَتْ عَنْهَا مَقَامَاتُهُمْ عَجْزًا عَنْ بُلُوغِهَا وَاغْتِرَارًا بِمَا سَمِعُوهُ مِنْ عُلُوِّهَا احْتَجْتُ أَنْ، أَعْلَمَ السَّبَبَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَأَوْقَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ قَبْلَ أَوَانِهَا وَالِاسْتِحَقَارِ لِلنُّزُولِ فِيهَا قَبْلَ حِينِهَا فَرَأَيْتُهُ سَبَبَيْنِ كُلُّ سَبَبٍ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا اسْتِعْجَالُ الْمَنْزِلَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا عَجْزًا عَمَّا عَمِلَ فِيهِ الصَّادِقُونَ وَبَذَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَالْآخَرُ الْجَهْلُ بِطَرِيقِ السَّالِكِينَ إِلَيْهَا، وَإِغْفَالُ التَّقْوَى عَمَّا لَهَا وَعَلَيْهَا، رَضِيَ مِنْهُمْ بِاسْمٍ لَا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ تَأْوِيهِمْ وَلَا مَكَانَ مِنْهُ يُغْنِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ دَعَانِي دَاعٍ إِلَى التَّبْيِينِ لِأُمُورِهِمْ وَالنِّدَاءِ لِمَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ وَالْكَشْفِ عَنْ سَبَبِهِمْ وَالتَّحْذِيرِ عَنْ مِثْلِ غِرَّتِهِمْ وَمِنْ أَيْنَ أَتَوْا؟ وَعَلَى مَاذَا عَوَّلُوا؟ وَبِمَاذَا تَعَلَّقُوا فِيمَا إِلَيْهِ ذَهَبُوا فَنَقَّبْتُ عَنْ سَرَائِرَهُمْ، بِالْمُسَاءَلَةِ لِكُبَرَائِهِمْ وَالْمُبَاحَثَةِ لِأَئِمَّتِهِمْ فِي تَكْوِينِ الْمُكَوِّنَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْمَقَامَاتِ عَلَى أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ تُمْسِكُ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِأَصْلٍ، فَفِرْقَةٌ قَالَتْ: لَمَّا رَأَيْتُ كُلَّ حَادِثَةٍ تَحْتَ الْكَوْنِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَجْسَامِ
وَالْأَعْرَاضِ لَا تَخْلُوَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا مُحْدَثٌ ظَهَرَ إِلَى الْكَوْنِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا سَبَبٍ جَعَلَهُ مُقَدِّمًا لِإِجْرَائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُحْدَثُ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ حَدَثُهَا ظَهَرَ عَنْ عِلَّةٍ وَسَبَبٍ تَقَدَّمَهَا فَرَأَيْتُ مَدَارَ قَوْلِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ فِيمَا بِهِ تَعَلَّقَتْ وَإِلَيْهِ رَجَعَتْ أَنَّ الْمُخْتَرَعَاتِ أَفْعَالُهَا وَأَقْوَالُهَا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فَلَمْ أَدْفَعِ الْأَصْلَ فِيمَا إِلَيْهِ أَشَارَتْ، وَدَخَلَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْهُدَى لِمَنِ اهْتَدَى وَالْغَيِّ لِمَنْ غَوَى فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ مِنَ الْمُخْتَلِفَاتِ مِنْ أَفْعَالِهِ الْمُحْدَثَاتِ بَيْنَ ذَوَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَالْعَذْبِ الْفُرَاتِ وَالْمِلْحِ الْأُجَاجِ وَالْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَالْعَدْلِ وَالْجَوْرِ وَالْخَبِيثِ وَالطِّيبِ، وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: 53] سَائِغٌ شَرَابُهُ ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: 50]، وَقَالَ: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]؟، وَقَالَ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: 24]، وَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطِّيبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: 100]، فَرَأَيْتُ اللَّهَ وَإِنْ كَانَ هُوَ مُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ قَدْ فَضَّلَ خَلْقَهُ بَيْنَ مُنْشَآتِهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي آيَاتِهِ فَذَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْفِرْقَةِ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ عَلَى بَعْضٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ قَدْ نَفَذَ فِيهِ حُكْمُهُ وَبَرِئَ مِنْ عَارِهِ وَإِثْمِهِ وَغَابَ عَنْهَا إِحْدَاثُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَى طَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَدَوَاعٍ مُتَبَايِنَةٍ، إِذْ طَبْعُ النُّفُوسِ أَرَضِيَّةً بَشَرِيَّةٌ مُطَالِبَةٌ بِحَاجَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا وَطَبْعُ الرُّوحِ نُزْهَةٌ تُطَالِبُ بِصَفَائِهَا وَتَقْتَضِي شَرَفَ عُلُوِّهَا، وَجَعَلَ الْعَقْلَ سِرَاجًا بَيْنَهُمَا كُلٌّ يُنَازِعُهُ وَيَجْذِبُهُ إِلَيْهِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ حَظِّهِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى مِلْكِ الْقَلْبِ فَمَتَى مَلَكَ الْقَلْبَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَأْثِيرُ الْعَقْلِ انْقَادَتْ لَهُ الْجَوَارِحُ، ثُمَّ رَأَيْتُ النَّفْسَ وَإِنْ كَانَ طَبْعُهَا الْعَاجِلَةَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ بِهَا تَأْثِيرًا لَهَا وَمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ قَبُولِ الِانْفِعَالِ، وَكَذَلِكَ لِلرُّوحِ تَأْثِيرُ انْفَعَالِهَا فِيمَا فَعَلَ فِيهِ، وَرَأَيْتُ سُلْطَانَ النَّفْسِ الْهَوَى وَوَزِيرَهَا الْجَهْلَ وَفِعْلَهَا الْجَوْرَ، وَرَأَيْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ التَّدْبِيرِ وَسُلْطَانِ الْقَهْرِ خَارِجًا مِنَ الْجَبْرِ
مُمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ وَالتَّصَفُّحِ وَالْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ سَبَبًا لِلْبَلَاءِ وَمُجْرًي لِلِاخْتِبَارِ الْمُوجِبِ لِلْوِلَايَةِ الْمُظْهِرِ لِلْعَدَاوَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمَقَامَاتِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةً وَالْأَحْوَالَ مُتَبَايِنَةً وَالْمَعَارِفَ مُتَفَاوِتَةً، فَمِنْ بَيْنَ مُقَصِّرٍ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ رُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ وَاعْتَرَفَ بِتَخَلُّفِهِ وَأَزْرَى عَلَى نَفْسِهِ، وَبَيْنَ سَابِقٍ قَدْ بَذَلَ فِي الْعِبَادَةِ لِلَّهِ جَهَدَهُ فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْ ذَلِكَ إِرْبَهُ مُتَعَلِّقٍ بِعِبَادَتِهِ نَاظِرٍ إِلَى مُجَاهَدَتِهِ وَتَحْصِيلِ مُحَاسَبَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَآخَرَ مَعَ جَهَدِهِ مَأْخُوذٌ عَنْ أَحْوَالِهِ وَقَدْ وَصَلَ بِهِ آمَالُهُ وَصِدْقُهُ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلَصَ فِي قَصْدِهِ وَاسْتَفْرَغَ جَهَدَهُ فَبَلَغَ مِنْ ذَلِكَ حَظَّهُ فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ أَجْمَعِينَ وَفِرْقَةٌ أُخْرَى مِنَ الْعَارِفِينَ أَشْرَفْتُ عَلَى عَجَائِبِهِمْ فِي مَقَامَاتِهِمْ وَعَظِيمِ طُرُقِهِمْ فِي سَيْرِهِمْ وَسِيَرِهِمْ وَقَطْعِ مَفَاوِزِهِمْ فِي تِيهِ مَضَلَّةِ الْعُقُولِ وَتَنَسُّمِ عِقَابِ الْحَيْرَةِ وَقَطْعِ لُجَّةِ الْهَلَكَةِ وَصِرَاطِ الِاسْتِقَامَةِ فَرَأَيْتُهُمْ بِعَيْنٍ لَا يَسْتَتِرُ عَنْهَا مُتَوَارٍ فِي حِجَابِهِ قَدْ خُدِعَ الْمَغْرُورُ مِنْهُمْ بِمَكَانِهِ فَمِنْ بَيْنِ صَرِيعٍ تَحْتَ إِشَارَتِهِ فِي بَحْرٍ عَمِيقٍ بَيْنَ عِلْمِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، فَرَأَيْتُهُ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ وَفِرْقَةٌ أُخْرَى قَدْ أَنِسَ بِالْفَنَاءِ فِي مَكَانِهِ وَاسْتَبْطَنَ الْبَقَاءَ مَعَ أَهْلِ زَمَانِهِ فَلَا هُوَ بِعِلْمِ الْفِنَاءِ يَقُومُ، وَلَا عَلَى رُوحِ الْبَقَاءِ يَدُومُ فَعَمَّهُ فِي طُغْيَانِهِ وَلَمْ تَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ وَلَمْ يعْرَفِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ وَلَا الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَلَا الْفِعْلِ مِنَ الِانْفِعَالِ وَلَا تَمَيَّزَ لَهُ الظَّاهِرُ مِنَ الْبَاطِنِ وَلَا الْعَاجِزُ مِنَ الْقَادِرِ فَكَانَ كَمَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَفِرْقَةٌ مِنْهُمْ رَأَتْ أَنَّهُ مُكِّنَ فِي مَقَامِهِ وَلَاحَتْ لَهُ الْأَحْكَامُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لَهَا مَكَانٌ إِلَّا مَا عُلِّقَ مِنْهَا عَلَى الْخَلْقِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ عِنْدَهُمْ مُعَلَّقَةً عَلَى الْخَلْقِ لِرُؤْيَةِ آثَارِهِمْ وَحُضُورِ إِرَادَاتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَالْمُشَاهَدَةِ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْنِ عَقْلٍ مَتِينٍ وَهَوًى مَائِلٍ؛ فَلِذَلِكَ عُلِّقَ عَلَيْهِمْ لَأَمْرِهِ عِنْدَهُمْ وَقُصِدُوا بِالنَّهْيِ وَبُعِثَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ فَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الْجَهْلُ وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمُ الْعَجَبُ فَلَمْ يُمْكِنْ
فِيهَا عِلَاجُ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا لَطِيفُ حِكْمَةِ الْحُكَمَاءِ، لِتَعَلُّقِهِمْ بِفَقْدٍ مِنَ الْوَجْدِ وَلَوْ حَلَّتْ مِنْ وُجُودِ الْحَقِّ هَذَا الْمَحَلَّ لَأَجْرَتِ الْأَحْكَامَ مَجَارِيَهَا وَسَلِمَتْ مِنْ سَكْرَةِ الْمَعْرِفَةِ وَدَوَاهِيهَا وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الَّتِي عَلَتْ بِهَا الْإِشَارَةُ إِلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ فَهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الْأَحْوَالَ فِي أَوْقَاتِهَا بِالْوَفَاءِ، وَالْأَعْمَالَ بِالْإِخْلَاصِ وَالصَّفَاءِ فَلَمْ يَرْتَقُوا إِلَى مَقَامٍ قَبْلَ إِحْكَامِ الْمَقَامِ قَبْلَهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِعِلْمٍ لَمْ يَحِلُّوا مِنْهُ مَقَامَ أَهْلِهِ وَيَنْزِلُوهُ نُزُولَ الْمُتَحَقِّقِينَ لَهُ حَتَّى يَعْلُوَ إِلَى غَايَةِ الْأَحْوَالِ الزَّاكِيَةِ وَتَفَقَّهُوا بِعِلْمِهَا إِلَى أَنْ أَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ الْمَعْرِفَةِ فَأَذْعَنُوا لِلَّهِ إِذْعَانَ الْمُحَقِّقِينَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ خَالُونَ مِنْهَا بِعَلَاقَةِ الْحَقِّ الَّتِي عَنْهَا نَشَأَتِ الْعُلُومُ الزَّاكِيَةُ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الْحَقِيقَةُ فِي كُلِّ مَا أَثْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَفْعَالِ فَلَمْ يَحِلُّوا مِنْهَا مِنْ مَقَامٍ رَفِيعٍ وَنَفْسٍ مُخْتَلِسَةٍ وَطَبْعٍ مُنْتَزَعٍ إِلَّا بِعَلَاقَةِ الْحَقِيقَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ بِمَا مُنِحَتْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُوَّةِ وَأُعْطِيَتْ فِيهِ مِنَ الصَّفْوَةِ وَتَجْدِيدِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَفَنَاءِ الْبَشَرِيَّةِ فَكَانَتِ الْعُلُومُ فِيهِ وَالِاخْتِيَارَاتُ بِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ الْمُبِدِيَةِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَبْدَعَتِ الْحَقَّ فَأَحَقَّتِ الْحَقَّ وَأَبْطَلَتِ الْبَاطِلَ وَبِذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ إِذْ يَقُولُ: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: 8]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18] فَلَمْ يَتَجَرَّدِ الْحَقُّ عَلَى حَقِيقَةٍ لِوَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَلَا صَفِيٍّ مِنْ أَصْفِيَائِهِ إِلَّا ظَهَرَ بِهِ عَلَى كُلِّ بَاطِلٍ فَقَهَرَهُ وَدَفَعَهُ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ أَبْدَعَهُ وَاخْتَرَعَهُ فَلَمْ يَكُنِ الْحَقُّ فِي مَكَانٍ فَيَبْقَى فِيهِ أَثَرٌ لِبَاطِلٍ أَوْ سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ مَنْ أَفْنَى الْحَقُّ حَرَكَاتِهِ الْبَشَرِيَّةَ وَنَفْسَهُ الطَّبِيعِيَّةَ وَأَهْوَاءَهُ النَّفْسَانِيَّةَ وَأَوْهَامَهُ الْآرَائِيَّةَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي عَنَى عَنْهَا وَبِهَا كَانَ التَّصَرُّفُ وَالِاخْتِيَارُ وَالْإِقْدَامُ وَالْإِحْجَامُ وَالسُّكُونُ وَالْحَرَكَاتُ فَلَهُ عَلَامَةٌ مُوجِبَةٌ بِصِحَّةِ مَقَامِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَلَا تَضْطَرِبُ عَلَيْهِ الْأَقْوَالُ وَلَا تَتَفَاوَتُ مِنْهُ الْأَفْعَالُ كَاخْتِلَافِهَا عَلَى مَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ فِي أَفْعَالِهِ وَغَلَبَ هَوَاهُ بَهَاءَهُ فَأَسَرَ عَقْلُهُ جَهْلَهُ فَهُوَ مَغْرُورٌ بِمَا تَعَلَّقَ مِنِ اعْتِقَادِ عُلُومٍ لَمْ يَسَعْهُ بِالنُّزُولِ فِي حَقَائِقَهَا وَلَا تَلْحَظْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِمَّا رَوَى مِنْهَا أَهْلُهَا مِنْ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَمَذَاقِ التَّجْرِيدِ وَهُوَ غَيْرُ مُوَحِّدٍ وَطَمِعَ فِي التَّجْرِيدِ وَهُوَ غَيْرُ مُجَرَّدٍ، قَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ
هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ طَمَعًا فِيمَا لَمْ يَسْعَدْ بِهِ بِحَقِيقَةٍ، هَيْهَاتَ إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ نَاسٌ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ هِمَّةٌ تُومِئُ إِلَى ذِكْرِ فِعْلٍ مَذْمُومٍ دُونَ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ إِذْ كَانَتْ حَرَكَاتُهُمْ عَنِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا تَعْتَرِضُهَا خَوَاطِرُ الْبَشَرِيَّةِ وَلَا يَلِيقُ فِيهَا فِعْلُ الْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَنْطِقُونَ عَنِ الْهَوَى، بِذَلِكَ، أَخْبَرَنَا عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 4] فَأَمَّا الْفِرْقَةُ الَّتِي اغْتَرَّتْ بِمَا لَمْ تُؤْتَ وَلَمْ تُفَارِقِ الْعِلَلَ الْمُسْتَوْلِيَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حَرَكَاتِ طِبَاعِهِمِ الدَّاعِيَةِ إِلَى حَاجَتِهَا وَشَهَوَاتِهَا فَأُولَئِكَ مَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضُ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 36]، وَقَوْلُهُ: فَـ ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أَوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93] فَهُمْ رَهَائِنُ أَعْمَالِهِمْ، لَزِمَ كُلَّ عَبْدٍ مِنْهُمِ طَائِرُهُ فِي عُنُقِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]، الْآيَةَ وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: 38]، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَهُمْ أَهْلُ الْقُوَّةِ "
وَفِيمَا كَتَبَ إِليَّ جَعْفَرٌ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ رُوَيْمًا يَقُولُ: " الصَّبْرُ تَرْكُ الشَّكْوَى، وَالرِّضَاءُ اسْتِلْذَاذَ الْبَلْوَى، وَالْيَقِينُ الْمُشَاهَدَةُ، وَالتَّوَكُّلُ إِسْقَاطُ رُؤْيَةِ الْوَسَائِطِ، وَالتَّعَلُّقُ بِأَعْلَى الْوَثَائِقِ، وَالْأُنْسُ أَنْ تَسْتَوْحِشَ مَنْ سِوَى مَحْبُوبِكَ، وَسُئِلَ عَنِ الْمَحَبَّةِ، فَقَالَ: الْمُوَافَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَأَنْشَدَ: وَلَوْ قُلْتَ لِي مُتْ مُتُّ سَمْعًا وَطَاعَةً وَقُلْتُ لِدَاعِي الْمَوْتِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ دِينُهُ هَوَاهُ وَهِمَّتُهُ شَقَاؤُهُ لَيْسَ بِصَالِحٍ نَقِيٍّ وَلَا عَارِفٍ تَقِيٍّ " قَالَ الشَّيْخُ: ذَكَرْنَا لِجَدِّهِ حَدِيثًا مُسْنِدًا لِمُوَافَقَةِ اسْمِهِ اسْمَهُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، ثنا رُوَيْمُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَمْشِي قُدَّامَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: «يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَمْشِي قُدَّامَ رَجُلٍ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ خَيْرٍ مِنْهُ؟» قَالَ: فَمَا رُئِيَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بَعْدَ هَذَا يَمْشِي إِلَّا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ " حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْأَخْرَمُ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ نَاصِحٍ الْمُخَرِّمِيُّ، ثنا رُوَيْمُ بْنُ يَزِيدَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ وَمِنْهُمُ الْعَامِلُ الَظَّرِيفُ وَالْكَامِلُ النَّظِيفُ كَانَ مُودَعُ الْقُرْآنِ شِعَارَهُ وَظَاهِرُ الْبَيَانِ دِثَارَهُ لَهُ اللِّسَانُ الْمَبْسُوطُ وَالْبَيَانُ بِالْحَقِّ مَرْبُوطٌ، أُوقِفَ عَلَى مَرَاتِبِ الْمَأْسُورِينَ وَمَقَامَاتِ أَهْلِ الْبَلَاءِ مِنَ الْمَأْخُوذِينَ فَتَمَنَّى مَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الصَّفَاءِ وَالِاعْتِلَاءِ فَعُومِلَ بِمَا تَمَنَّى مِنَ الْمِحَنِ
وَالِابْتِلَاءِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَطَاءٍ
سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ صَاحِبُ الْجُنَيْدِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: صَحِبْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ عِدَّةَ سِنِينَ مُتَأَدِّبَا بِآدَابِهِ وَكَانَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةٌ، وَفِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثُ خَتْمَاتٍ وَبَقِيَ فِي خَتْمِهِ يَسْتَنْبِطُ مُودَعَ الْقُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْتَرْوِحُ إِلَى مَعَانِي مُودَعِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتِمَهَا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: 96]، فَقَالَ فِي الْبَيْتِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَفِي الْقَلْبِ آثَارُ رَبِّ إِبْرَاهِيمَ وَلِلْبَيْتِ أَرْكَانٌ وَلِلْقَلْبِ أَرْكَانٌ فَأَرْكَانُ الْبَيْتِ الصُّمُّ مِنَ الصُّخُورِ وَأَرْكَانُ الْقَلْبِ مَعَادِنُ النُّورِ "
سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الرَّازِيَّ، بِنَيْسَابُورَ صَاحِبُ يُوسُفَ بْنِ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: «مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ آدَابَ السُّنَّةِ غَمَرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا مَقَامَ أَشْرَفُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْحَبِيبِ فِي أَوَامِرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنِيَّةً وَعَقْدًا»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: " قُرِنَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ بِثَلَاثٍ، قُرِنَتِ الْفِتْنَةُ بِالْمَنِيَّةِ وَقُرِنَتِ الْمِحْنَةُ بِالِاخْتِيَارِ، وَقُرِنَتِ الْبَلْوَى بِالدَّعَاوَى، وَسُئِلَ: إِلَامَ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ؟ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]؛ لِأَنَّ فِي بِسْمِ اللَّهِ هَيْبَتُهُ، وَفِي اسْمِهِ الرَّحْمَنِ عَوْنُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَفِي اسْمِهِ الرَّحِيمِ مَوَدَّتُهُ وَمَحَبَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي لَطَافَتِهَا فِي هَذِهِ الْأَسَامِي فِي غَوَامِضِهَا "
سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَتْ نَفْسُكَ غَيْرَ نَاظِرَةٍ لِقَلْبِكَ فَأَدِّبْهَا بِمُجَالَسَةِ الْحُكَمَاءِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَضِيءَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ فَلْيُلَاقِ بِهَا أَهْلَ الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الْقَلْبُ إِذَا اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ هَدَايَا الْجَنَّةِ وَهِيَ الْمَكْرُوهُ؛ لِأَنَّ الْمَكَارِهَ هَدَايَا الْجَنَّةِ إِلَى أَبْدَانِ الصَّادِقِينَ وَمَنْ فَرَّ بِنَفْسِهِ إِلَى حِصْنِ الْمَكْرُوهِ رَحَلَتْ شَهَوَاتُ الطَّمَعِ عَنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ: مِنْ عَلَامَةِ الصِّدْقِ رِضَا الْقَلْبِ بِحُلُولِ الْمَكْرُوهِ "
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ: «مَنْ تَأَدَّبَ بِآدَابِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبِسَاطِ الْكَرَامَةِ وَمَنْ تَأَدَّبَ بِآدَابِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبِسَاطِ الْقُرْبَةِ وَمَنْ تَأَدَّبَ بِآدَابِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِبِسَاطِ الْأُنْسِ وَالِانْبِسَاطِ»
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ: «لَمْ تَزَلِ الشَّفَقَةُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى أَوْفَدَتْهُ عَلَى خَيْرِ أَحْوَالِهِ وَلَمْ تَزَلِ الْغَفْلَةُ بِالْفَاجِرِ حَتَّى أَوْفَدَتْهُ عَلَى شَرِّ أَحْوَالِهِ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: «أَدْنِ قَلْبَكَ مِنْ مُجَالَسَةِ الذَّاكِرِينَ لَعَلَّهُ يَنْتَبِهُ عَنْ غَفْلَتِهِ وَأَقِمْ شَخْصَكَ فِي خِدْمَةِ الصَّالِحِينَ لَعَلَّهُ يَتَعَوَّدُ بِبَرَكَتِهَا طَاعَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ»
قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَأَنَا حَاضِرٌ عَنْ أَقْرَبِ شَيْءٍ إِلَى مَقْتِ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَقَالَ: " رُؤْيَةُ النَّفْسِ وَأَفْعَالِهَا وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مُطَالَبَةُ الْأَعْوَاضِ عَنْ أَفْعَالِهَا، وَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ عَلَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ أَرْبَعَةٌ: صِيَانَةُ سَرِّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَحِفْظُ جوَارِحِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ، وَمُدَارَاتُهُ مَعَ الْخَلْقِ عَلَى تَفَاوُتِ عُقُولِهِمْ "
سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: " مَنْ شَاهَدَ الْحَقَّ بِالْحَقِّ انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا وَمَا دَامَ مُلَاحِظًا لِشَيْءٍ فَهُوَ
غَيْرُ مَشَاهِدٍ لِحَقِيقَةِ الْحَقِّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ صَفَتْ لَهُ الْوَلَايَةُ، فَلَمْ يَحْجُبْ عَنْهُ الْمُنْتَهَى وَالْغَايَةَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16]، فَقَالَ: الْمُضْطَجِعُونَ عَلَى مَرَاتِبَ: مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، وَمُضْطَجِعُ فِي نَفْسِهِ وَمُضْطَجِعٌ فِي دُنْيَاهُ، فَالْمُضْطَجِعُ عَلَى فِرَاشِهِ فَهُوَ الظَّالِمُ مَتَى انْتَبَهَ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أُعْطِيَ ثَوَابَهُ عَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، وَالْمُضْطَجِعُ فِي دُنْيَاهُ فَهُوَ الْمُقْتَصِدُ مَتَى انْتَبَهَ وَجِلَ مِنْ مُطَالَعَةِ الدُّنْيَا وَاسْتَغْفَرَ أُعْطِيَ ثَوَابَهُ سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ، وَأَمَّا الْمُضْطَجِعُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ السَّابِقُ مَتَى شَاهِدَ نَفْسَهُ وَرَأَى ضَلَالَتَهَا ظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْهَالِكِينَ، حِينَئِذٍ يَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ بِطَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ نَفْسِهِ فَهَذَا مِمَّنْ ثَوَابُهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] "
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: «ذِكْرُ الثَّوَابِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ غَفْلَةٌ عَنِ اللَّهِ»
أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَطَاءٍ: [البحر البسيط] بِاللَّهِ أَبْلُغُ مَا أَسْعَى وَأُدْرِكُهُ ... لَا بِي وَلَا بِشَفِيعٍ إِلَى النَّاسِ إِذَا يَئِسْتُ وَكَادَ الْيَأْسُ يَقْتُلُنِي ... جَاءَ الْغِنَى عَجَبًا مِنْ جَانِبِ الْيَأْسِ قَالَ ابْنُ حُبَيْشٍ: فَزِدْتُهُ ثَالِثًا بَيْنَ يَدَيْهِ: [البحر البسيط] أَعُوذُ فِي كُلِّ أَمْرٍ جَلَّ مَطْلَبُهُ ... عِنْدِي إِلَى كَاشِفِ الضُّرِّ وَالْبَاسِ