حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 349-360

مَضَاءُ بْنُ عِيسَى وَمِنْهُمْ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى الشَّامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ، اجْتَذَبَهُ الْحُبُّ وَاسْتَلَبَهُ الْخَوْفُ

صفحات 349-360

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّوْقَ لِنُورِهِ السَّمَاوَاتِ، وَأَنَّى لِوَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ؟ وَحَجَبَهُ بِجَلَالَتِهِ عَنِ الْعُيُونِ، وَوَصَلَ بِهَا مَعَارِفَ الْعُقُولِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبْصَارَ الْقُلُوبِ، وَنَاجَاهُ عَلَى عَرْشِهِ أَلْسِنَةُ الصُّدُورِ؟ إِلَهِي لَكَ تُسَبِّحُ كُلُّ شَجَرَةٍ، وَلَكَ تُقَدِّسُ كُلُّ مَدَرَةٍ بَأَصْوَاتٍ خَفِيَّةٍ وَنَغَمَاتٍ زَكِيَّةٍ، إِلَهِي قَدْ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْكَ قَدَمِي، وَرَفَعْتُ إِلَيْكَ بَصَرِي، وَبَسَطْتُ إِلَى مَوَاهِبِكَ يَدِي، وَصَرَخَ إِلَيْكَ صَوْتِي وَأَنْتَ الَّذِي لَا يُضْجِرُهُ النِّدَا ولَاَ تُخَيِّبُ مَنْ دَعَاكَ، إِلَهِي هَبْ لِي بَصَرًا يَرْفَعُهُ إِلَيْكَ صِدْقُهُ، فَإِنَّ مَنْ تَعَرَّفَ إِلَيْكَ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَمَنْ يَلُوذُ بِكَ غَيْرُ مَخْذُولٍ، وَمَنْ يَبْتَهِجُ بِكَ مَسْرُورٌ وَمَنْ يَعْتَصِمُ بِكَ مَنْصُورٌ

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدٌ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ خَالِصَةً مِنْ عِبَادِهِ، وَنُجَبَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَصَفْوَةً مِنْ بَرِيَّتِهِ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ، أَرْوَاحُهَا فِي الْمَلَكُوتِ مُعَلَّقَةٌ، أُولَئِكَ نُجَبَاءُ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، وَأُمَنَاءُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْوَسِيلَةُ إِلَى دِينِهِ، هَيْهَاتَ بَعُدُوا وَفَاتُوا، وَوَارَتْهُمْ بُطُونُ الْأَرْضِ وَفِجَاجُهَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ فِيهَا بِحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَيْنَ؟ أَولَئِكَ قَوْمٌ حَجَبَهُمُ اللَّهُ مِنْ عُيُونِ خَلْقِهِ، وَأَخْفَاهُمْ عَنْ آفَاتِ الدُّنْيَا وَفِتَنِهَا، أَلَا وَهُمُ

الَّذِينَ قَطَعُوا أَوْدِيَةَ الشُّكُوكِ بِالْيَقِينِ، وَاسْتَعَانُوا عَلَى أَعْمَالِ الْفَرَائِضِ بِالْعِلْمِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ أَعْمَالِهِمْ بِالْمَعْرِفَةِ، وَهَرَبُوا مِنْ وَحْشَةِ الْغَفْلَةِ وَتَسَرْبَلُوا بِالْعِلْمِ لِاتِّقَاءِ الْجَهَالَةِ، وَاحْتَجَزُوا عَنِ الْغَفْلَةِ بِخَوْفِ الْوَعِيدِ، وَجَدُّوا فِي صِدْقِ الْأَعْمَالِ لِإِدْرَاكِ الْفَوْتِ، وَخَلَوْا عَنْ مَطَامِعِ الْكَذِبِ وَمُعَانَقَةِ الْهَوَى، وَقَطَعُوا عُرَى الِارْتِيَابِ بَرَوْحِ الْيَقِينِ وَجَاوَزُوا ظُلَمَ الدُّجَا وَدَحَضُوا حَجِيجَ الْمُبْتَدِعِينَ بِاتِّبَاعِ السُّنَنِ، وَبَادَرُوا إِلَى الِانْتِقَالِ عَنِ الْمَكْرُوهِ قَبْلَ فَوْتِ الْإِمْكَانِ، وَسَارَعُوا فِي الْإِحْسَانِ تَعْرِيضًا لِلْقُعُودِ عَنِ الْإِسَاءَةِ وَلَاقَوُا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ اسْتِجْلَالًا لِمَزِيدِهِ، وَجَعَلُوهُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ عِنْدَ خَوَاطِرِ الْهِمَمِ وَحَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَغُرُورِهَا، فَزَهِدُوا فِيهَا عَلَانًا، وَأَكَلُوا مِنْهَا قَصْدًا وَقَدَّمُوا فَضْلًا، وَأَحْرَزُوا ذُخْرًا، وَتَزَوَّدُوا مِنْهَا التَّقْوَى، وَشَمَّرُوا فِي طَلَبِ النَّعِيمِ بِالسَّيْرِ الْحَثِيثِ وَالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ بَلْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَقَلُوا فَعَرَفُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَتَفَكَّرُوا فَاعْتَبَرُوا حَتَّى أَبْصَرُوا، فَلَمَّا أَبْصَرُوا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ طُرُقَاتُ أَحْزَانِ الْآخِرَةِ، فَقَطَعَ بِهِمُ الْحُزْنُ حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ هَيٍّ خَوْفًا مِنَ التَّزْيِينِ فَيَسْقُطُوا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، فَأَمْسَكُوا وَأَصْبَحُوا فِي الدُّنْيَا مَغْمُومِينَ وَأَمْسَوْا فِيهَا مَكْرُوبِينَ، مَعَ عُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وَيَقِينٍ ثَابِتٍ، وَقُلُوبٍ شَاكِرَةٍ، وَأَلْسُنٍ ذَاكِرَةٍ وَأَبْدَانٍ صَارَّةٍ وَجَوَارِحَ مُطِيعَةٍ، أَهْلُ صِدْقٍ وَنُصْحٍ وَسَلَامَةٍ وَصَبْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرِضًا وَإِيمَانٍ، عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ فَشَغَلُوا الْجَوَارِحَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ، وَذِكْرٍ وَحَيَاءٍ، وَقطَعُوا الدُّنْيَا بِالصَّبْرِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَهَجَرُوا الْهَوَى بِدَلَّاتِ الْعُقُولِ وَتَمَسَّكُوا بِحُكْمِ التَّنْزِيلِ وَشَرَائِعِ السُّنَنِ وَلَهُمْ فِي كُلِّ ثَارَةٍ مِنْهَا دَمْعَةٌ وَلَذَّةٌ وَفِكْرٌ وَعِبْرَةٌ، وَلَهُمْ مَقَامٌ عَلَى الْمَزِيدِ لِلزِّيَادَةِ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّالِحِينَ " قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَعْرِفَةِ مُدَّعِيًا وَتَكُونَ بِالزُّهْدِ مُحْتَرِفًا وَتَكُونَ بِالْعِبَادَةِ مُتَعَلِّقًا، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَسِّرْ لَنَا ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ إِذَا أَشَرْتَ فِي الْمَعْرِفَةِ إِلَى نَفْسِكَ بِأَشْيَاءَ وَأَنْتَ مُعَرًّى مِنْ حَقَائِقِهَا كُنْتَ مُدَّعِيًا؟ وَإِذَا كُنْتَ فِي الزُّهْدِ مَوْصُوفًا بِحَالَةٍ وَبِكَ دُونَ الْأَحْوَالِ كُنْتَ مُحْتَرِفًا وَإِذَا عَلَّقْتَ بِالْعِبَادَةِ قَلْبَكَ وَظَنَنْتَ أَنَّكَ تَنْجُو مِنَ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ لَا بِاللَّهِ كُنْتَ بِالْعِبَادَةِ مُتَعَلِّقًا لَا بِوَلِيِّهَا وَالْمَنَّانِ عَلَيْكَ؟ " قَالَ: وَسَمِعْتُ

ذَا النُّونِ يَقُولُ: «مُعَاشَرَةُ الْعَارِفِ كَمُعَاشَرَةِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ عَنْكَ وَيَحْلُمُ عَنْكَ تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ الْجَمِيلَةِ»، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «أَهْلُ الذِّمَّةِ يَحْمِلُونَ عَلَى الْحَالِ الْمَحْمُودَةِ وَالْمُبَاحِ مِنَ الْفِعْلِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَنِيفِيِّ، الْحَنِيفِيُّ أَوْلَى بِالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ وَالِاحْتِمَالِ»

حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي الْفَيْضِ ذِي النُّونِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ تَعِبًا إِنْ نَفَعَنِي تَعَبِي وَالْمَوْتُ يَجِدُّ فِي طَلَبِي وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مُقِيمًا عَلَى ذَنْبٍ وَنِعْمَةٍ، فَلَا أَدْرِي مِنَ الذَّنْبِ أَسْتَغْفِرُ أَمْ عَلَى النِّعْمَةِ أَشْكُرُ، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ بَطَّالًا عَنِ الْعِبَادَةِ مُتَلَوِّثًا بِالْمَعَاصِي أَتَمَنَّى مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ وَأَعْمَلُ عَمَلَ الْأَشْرَارِ، وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «إِلَهِي لَوْ أَصَبْتُ مُوْئِلًا فِي الشَّدَائِدِ غَيْرَكَ أَوْ مَلْجَأً فِي الْمَنَازِلِ سِوَاكَ لَحَقَّ لِي أَنْ لَا أَعْرِضَ إِلَيْهِ بِوَجْهِي عَنْكَ، وَلَا أَخْتَارَهَ عَلَيْكَ، لِقَدِيمِ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ وَحَدِيثِهِ، وَظَاهِرِ مِنَّتِكَ عَلَيَّ وَبَاطِنِهَا، وَلَوْ تَقَطَّعْتُ فِي الْبِلَادِ إِرَبًا إِرَبًا، وَأُنْصِبْتُ عَلَى الشَّدَائِدِ صَبًّا صَبًّا، وَلَا أَجِدُ مُشْتَكًى غَيْرَكَ، وَلَا مَفْرَجًا لِمَا بِي عَنْ سِوَاكَ فَيَا وَارِثَ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَيَا بَاعِثَ جَمِيعَ مَنْ فِيهَا، وَرِّثْ أَمَلِي فِيكَ مِنِّي أَمَلِي، وَبَلِّغْ هَمِّي فِيكَ مُنْتَهَى وَسَائِلِي»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: يَا خُرَاسَانِيُّ احْذَرْ أَنْ تَنْقَطِعَ عَنْهُ فَتَكُونَ مَخْدُوعًا قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْمَخْدُوعَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى عَطَايَاهُ فَيَنْقَطِعَ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِالنَّظَرِ إِلَى عَطَايَاهُ، ثُمَّ قَالَ: تَعَلَّقَ النَّاسُ بِالْأَسْبَابِ وَتَعَلَّقَ الصِّدِّيقُونَ بِوَلِيِّ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَامَةُ تَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِالْعَطَايَا طَلَبُهُمْ مِنْهُ الْعَطَايَا، وَمِنْ عَلَامَةِ تَعَلُّقِ قَلْبِ الصِّدِّيقِ بَوَلِي الْعَطَايَا انْصِبَابُ الْعَطَايَا عَلَيْهِ وَشغْلُهُ عَنْهَا بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَكُنِ اعْتِمَادُكَ عَلَى اللَّهِ فِي الْحَالِ لَا عَلَى الْحَالِ مَعَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اعْقِلْ فَإِنَّ هَذَا مِنْ صَفْوَةِ التَّوْحِيدِ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحًمَّدٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ

، ثنا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيَم الْخَوَّاصُ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ طَرِيقَ الْآخِرَةِ فَلْيُكْثِرْ مَسْأَلَةَ الْحُكَمَاءِ وَمشَاوَرَتَهُمْ، وَلَكِنْ أَوًّلُ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالْعَقْلِ، وَمَتى أَرَدْتَ الْخِدْمَةَ لِلَّهِ فَاعْقِلْ لِمَ تَخْدُمُ ثُمُّ أَخْدِمْ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَحْمَدُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ذَا النُّونِ فَسَأَلَهُ: مَتَى تَصِحُّ لِي عُزْلَةُ الْخَلْقِ؟ قَالَ: إِذَا قَوِيتَ عَلَى عُزْلَةِ نَفْسِكَ، قَالَ: فَمَتَى يَصِحُّ طَلَبِي لِلزُّهْدِ؟ قَالَ: إِذَا كُنْتَ زَاهِدًا فِي نَفْسِكَ هَارِبًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَشْغَلُكَ عَنِ اللَّهِ لَأَنَّ جَمِيعَ مَا شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ هِيَ دُنْيَا قَالَ يُوسُفُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِطَاهِرٍ الْقُدْسِيِّ فَقَالَ: هَذَا نُزُلُ أَخْبَارِ الْمُرْسَلِينَ

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ وَسُئِلَ أَيُّ الْحِجَابِ أَخْفَى الَّذِي يَحْتَجِبُ بِهِ الْمُرِيدُ عَنِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ: مُلَاحَظَةُ النَّفْسِ وَتَدْبِيرُهَا، وَقَالَ ذُو النُّونِ وَقاَلَ بَعْضُهُمْ: عَلِمَ الْقَوْمِ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُمْ عَلَى حَالِ فَاحْتَرَزُو لِلَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَقَالَ لَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الزُّهَّادِ وَكَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِهِ، يُقَالُ لَهُ طَاهِرٌ - يَا أَبَا الْفَيْضِ رَحِمَكَ اللَّهُ بَلْ نَظَرُوا بِعَيْنِ الْيَقِينِ إِلَى مَحْبُوبِ الْقُلُوبِ فَرَأَوْهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مَوْجُودًا، وَفِي كُلِّ لَمْحَةٍ وَلَحْظَةٍ قَرِيبًا بِكُلِّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ عَلِيمًا، وَعَلَى كُلِّ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ شَهِيدًا، وَعَلَى مَكْرُوهٍ وَمَحْبُوبٍ قَائِمًا، وَعَلى تَقْرِيبِ الْبَعِيدِ وَتَبْعِيِدِ الْقَرِيبِ مُقْتَدِرًا وَلَهُمْ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ سَائِسًا، وَلِمَا يُرِيدُهُمْ بِهِ مُوَفِّقًا، فَاسْتَغْنَوْا بِسَيَاسَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْوِيَتِه عَنْ تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ، وَخَاضُوا الْبِحَارَ وَقَطَعُوا الْقِفَارَ بِرَوْحِ النَّظَرِ إِلَى نَظَرِهِ الْبَهِيجِ، وَخَرَقُوا الظُّلُمَاتِ بِنُورِ مُشَاهَدِتِه، وَتَجَرَّعُوا الْمَرَارَاتِ بِحَلَاوَةِ وُجُودِهِ، وَكَابَدُوا الشَّدَائِدَ وَاحْتَمَلُوا الْأَذَى فِي جَنْبِ قُرْبِهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَاطَرُوا بِالنُّفُوسِ فِيمَا يَعْلَمُونَ وَيَحْمِلُونَ ثِقَةً مِنْهُمْ بِاجْتِيَازِهِ، وَرَضُوا بِمَا يَضَعُهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ مَحَبَّةً مِنْهُمْ لِإِرَادَتِهِ وَمُوَافَقَةً لِرِضَاهُ سَاخِطِينَ عَلَى أَنُفُسِهِمْ مَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِحَقِّهِ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْعُقُوبَةِ

بِعَدْلِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَدَّاهُمْ ذِلِكَ إِلَى الِابْتِلَاءِ مِنْهُ فَلَمْ تَسَعْ عُقُولُهُمْ وَمَفَاصِلُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ مَحَبَّةً لِغَيْرِهِ، وَلَمْ تَبْقَ زِنَةُ خَرْدَلَةٍ مِنْهُمْ خَالِيَةً مِنْهُ وَلَا بَاقِيًا فِيهِمْ سِوَاهُ، فَهُمْ لَهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، وَهُوَ لَهُمْ حَظُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَحَبَّهُمْ فَأَحَبُّوهُ، وَكَانُوا لَهُ وَكَانَ لَهُمْ، وَآثَرُوهُ وَآثَرَهُمْ، وَذَكَرُوهُ فَذَكَرَهُمْ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22] فَصَاحَ عِنْدَ ذَلِكَ ذُو النُّونِ وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ؟ وَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ وَكَيْفَ الْمَسْلَكُ؟ فَصَاحَ بِه: يَا أَبَا الْفَيْضِ الطَّرِيقُ مُسْتَقِيمٌ، وَالْحُجَّةُ وَاضِحَةٌ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتُ وَاللَّهِ يَا أَخِي، فَالْهَرَبَ إِلَيْهِ وَلَا تُعَرِّجْ إِلَى غَيْرِهِ

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: وَيْحَكَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى حَقِيقَةٍ نَسِيَ فِي حُبِّهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ نَسِيَ فِي حُبِّهِ كُلَّ شَيْءٍ حَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ وَكَانَ لَهُ عِوَضًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَيْضِ دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصِّدْقِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: يَا أَخِي أَدِّ إِلَى اللَّهِ صِدْقَ حَالَتِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا تَرْقَ حَيْثُ لَمْ نَرْقَ فَتَزِلَّ قَدَمُكَ فَإِنَّهُ إِذَا زَلَّ بِكَ لَمْ تَسْقُطْ، وَإِذَا ارْتَقَيْتَ أَنْتَ تَسْقُطُ وَإِيَّاكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَاهُ يَقِيناً لِمَا تَرْجُوهُ شَكًّا، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ وَسُئِلَ: مَتَى يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولُ: أَرَانِي اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ: أَكْثَرُ النَّاسِ إِشَارَةً إِلَى اللَّهِ فِي الظَّاهِرِ أَبْعَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَأَرْغَبُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْفَاهُمْ لَهَا طَلَبًا أَكْثَرُهُمْ لَهَا ذَمًّا عِنْدَ طِلَابِهَا، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كُلَّتْ أَلْسِنَةُ الْمُحَقِّقِينَ لَكَ عَنِ الدَّعَاوَى وَنَطَقَتْ أَلْسِنَةُ الْمُدَّعِينَ لَكَ باِلدَّعَاوَى قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: لَا يَزَالُ الْعَارِفُ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْفَخْرِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ افْتَخَرَ وَإِذَا ذَكَرَ نَفْسَهُ افْتَقَرَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ وَسُئِلَ: بِمَ عَرَفَ الْعَارِفُونَ رَبَّهُمْ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ بِشَيْءٍ فَبِقَطْعِ الطَّمَعِ وَالْإِشْرَافِ مِنْهُمْ عَلَى الْيَأْسِ مَعَ التَّمَسُّكِ مِنْهُمْ باِلْأَحْوَالِ التَّي أَقَامَهُمْ عَلَيْهَا وَبَذَلَ الْمَجهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ وَصَلُوا بَعْدُ إِلَى اللَّهِ بِاللَّهِ

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ

يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ وَذُكِرَ يَوْمًا عُلُوُّ الْمَرَاتِبِ وَقُرْبُ الْأَوْلِيَاءِ وَفَوَائِدُ الْأَصْفِيَاءِ وَأُنْسُ الْمُحِبِّينَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: « [البحر الخفيف] وَمُحِبُّ الْإِلَهِ فِي غَيْبِ أُنْسِ ... مَلِكِ الْقَدَرِ خَادِمُ الزِّيِّ عَبْدُ هُوَ عَبْدٌ وَرَبُّهُ خَيْرُ رَبٍّ ... مَا لِقَلْبِ الْفَتَى عَنِ اللَّهِ ضِدُّ»

وَقَالَ يُوسُفُ: وَسَأَلْتُ ذَا النُّونِ: مَا " عِلَاقَةُ الْآخِرَةِ فِي اللَّهِ، قَالَ: ثَلَاثٌ: الصَّفَاءُ، وَالتَّعَاوُنُ، وَالْوَفَاءُ.
فَالصَّفَاءُ فِي الدِّينِ، وَالتَّعَاوُنُ فِي الْمُوَاسَاةِ، وَالْوَفَاءُ فِي الْبَلَاءِ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيَّ، يَقُولُ: سُئِلَ ذُو النُّونِ عَنْ سَمَاعِ الْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالنَّغَمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَقَالَ: " مَزَامِيرُ أُنْسٍ فِي مَقَاصِيرِ قُدْسٍ بِأَلْحَانِ تَوْحِيدٍ فِي رِيَاضِ تَمْجِيدٍ بِمُطْرِبَاتِ الْغَوَانِي فِي تِلْكَ الْمَعَانِي الْمُؤَدِّيَةِ بِأَهْلِهَا إِلَى النَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا لَهُمُ الْخَبَرُ فَكَيْفَ طَعْمُ النَّظَرِ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ يَوْمًا وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي فَقَالَ: «بِمَ أُوصِيكَ؟ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ قَدْ أُيِّدَ مِنْهُ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ بِصِدْقِ التَّوْحِيدِ فَقَدْ سَبَقَ لَكَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا دُعَاءُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ وَصِيَّتِي لَكَ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَنْ يَنْفَعَكَ النِّدَاءُ»

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ عَلَى شَاطِئِ نِيلِ مِصْرَ إِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ، عَلَيْهَا دُبَّاءُ شَعْتِ الْكَلَالِ، وَإِذَا الْقَلْبُ مِنْهَا مُتَعَلِّقٌ بِحُبِّ الْجَبَّارِ، وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ فِي نِيلِ مِصْرَ وَهُوَ يَضْطَرِبُ بِأَمْوَاجِهِ، فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى حُوتٍ يَنْسَابُ بَيْنَ الْوَجْبَتَيْنِ فَرَمَتْ بِطَرَفِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَبَكَتْ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: لَكَ تَفَرَّدَ الْمُتَفَرِّدُونَ فِي الْخَلَوَاتِ وَلِعَظِيمِ رَجَاءِ مَا عِنْدَكَ سَبَّحَ الْحِيتَانُ فِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَاتِ، وَلِجَلَالِ هَيْبَتِكَ تَصَافَيَتِ الْأَمْوَاجُ فِي الْبُحُورِ الْمُسْتَفْحِلَاتِ، وَلِمُؤَانَسَتِكَ اسْتَأْنَسَتْ

بِكَ الْوحُوشُ فِي الْفَلَوَاتِ، وَبِجُودِكَ وَكَرَمِكَ قُصِدَ إِلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْبِرِّ وَالْمُسَامَحَاتِ، ثُمَّ وَلَّتْ عَنِّي وَهِيَ تَقُولُ: [البحر السريع] يَا مُؤْنِسَ الْأَبْرَارِ فِي خَلَوَاتِهِمْ ... يَا خَيْرَ مَنْ حَطَّتْ بِهِ النُّزَّالُ مَنْ نَالَ حُبَّكَ لَا يَنَالُ تَفَجُّعًا ... الْقَلْبُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يفْنَى مُحَالُ ثُمَّ غَابَتْ عَنِّي فَلَمْ أَرَهَا، فَانْصَرَفْتُ وَأَنَا حَزِينُ الْقَلْبِ، ضَعِيفُ الرَّأْيِ "

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ، بَيْنَ جِبَالِ الشَّامِ، إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ، عَلَى تَلْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ قَدْ تَسَاقَطَتْ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ كِبَرًا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ أَنْشَأَ وَهُوَ يَقُولُ بِصَوْتٍ عَلِيلٍ: " يَا مَنْ دَعَاهُ الْمُذْنِبُونَ فَوَجَدُوهُ قَرِيبًا، وَيَا مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ الزَّاهِدُونَ فَوَجَدُوهُ حَبِيبًا، وَيَا مَنِ اسْتَأْنَسَ بِهِ الْمُجْتَهِدُونَ فَوَجَدُوهُ سَرِيعًا مُجِيبًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الكامل] وَلَهُ خَصَائِصُ مُصْطَفَيْنَ لِحُبِّهِ ... اخْتَارَهُمْ فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ اخْتَارَهُمْ مِنْ قَبْلِ فِطْرَةِ خَلْقِهِ ... فَهُمْ وَدَائِعُ حِكْمَةٍ وَبَيَانِ ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ "

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: إِنَّ «لِلَّهِ عِبَادًا فَتَّقُوا الْحُجُبَ، وَعَلَوُا النُّجُبَ حَتَّى كُشِفَ لَهُمُ الْحُجُبُ فَسَمِعُوا كَلَامَ الرَّبِّ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: إِنَّ «لِلَّهِ عِبَادًا عَلَى الْآرَائِكِ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ إِذَا كَلَّمَ الْمُحِبِّينَ فِي الْمَشْهَدِ الْأَعْلَى، لِأَنَّهُمْ عَبَدُوهُ سِرًّا فَأَوْصَلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ طَرَائِفَ الْبِرِّ، عَمِلُوا بِبَعْضِ مَا عَلِمُوا فَلَمَّا وَقَفُوا فِي الظَّلَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ هَدَى قُلُوبَهُمْ إِلَى مَا يَعْلَمُونَ فَحَسِرَتْ أَلْبَابُهُمْ لِمَعْرِفَةِ الْوقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «لِكُلِّ قَوْمٍ عُقُوبَةٌ وَعُقُوبَةُ الْعَارِفِ انْقِطَاعُهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ: سُئِلَ ذُو النُّونِ: " مَنْ أَدْوَمُ النَّاسِ عَنَاءً؟ قَالَ: أَسْوَؤُهُمْ

خُلُقًا، قِيلَ: وَمَا عَلَامَةُ سُوءِ الْخُلُقِ، قَالَ: كَثْرَةُ الخِلَافِ

قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ السَّفَلَةِ، فَقَالَ: «مَنْ لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ فِيهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، ثنا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مُتَعَبِّدَةٍ، فَقُلْتُ لَهَا: كَيْفَ أَصْبَحْتِ؟ قَالَتْ: «أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى فَنَاءٍ، مُبَادَرَةً لِلْجِهَازِ، مُتَأَهِّبَةً لِهَوْلِ يَوْمِ الْجَوَازِ، أَعْتَرِفُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِتَقْصِيرِي عَنْ شُكْرِهَا، وَأُقِرُّ بِضَعْفِي عَنْ إِحْصَائِهَا وَشُكْرِهَا، قَدْ غَفَلَتِ الْقُلُوبُ عَنْهُ وَهُوَ مُنْشِئُهَا، وَأَدْبَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ وَهُوَ يُنَادِيهَا، فَسُبْحَانَهُ مَا أَمْهَلُهُ لِلْأَنَامِ مَعَ تَوَاتُرِ الْأَيَادِي وَالْإِنْعَامِ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنا أَسِيرُ فِي بِلَادِ الشَّامِ إِذَا أَنَا بِعَابِدٍ خَرَجَ مِنْ بَعْضِ الْكُهُوفِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ اسْتَتَرَ بَيْنَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَ سَيِّدِي مِمَّنْ يَشْغَلُنِي عَنْكَ يَا مَأْوَى الْعَارِفِينَ وَحَبِيبَ التَّوَّابِينَ وَمُعِينَ الصَّادِقِينَ.
وَغَايَةَ أَمَلِ الْمُحِبِّينَ.
ثُمَّ صَاحَ: وَاغَمَّاهُ مِنْ طُولِ الْبُكَاءِ وَاكَرْبَاهُ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ أَذَاقَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِهِ حَلَاوَةَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ فَلَا شَيْءَ أَلَذُّ عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْخَلْوَةِ بِمُنَاجَاتِهِ، ثُمَّ مَضَى وَهُوَ يَقُولُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ.
فَنَادَيْتُهُ: أَيُّهَا الْعَابِدُ قِفْ لِي، فَوَقَفَ لِي وَهُوَ يَقُولُ: اقْطَعْ عَنْ قَلْبِي كُلَّ عِلَاقَةٍ وَاجْعَلْ شُغْلَهُ بِكَ دُونَ خَلْقِكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلْتُهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِي فَقَالَ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكَ مُؤَنَ نَصَبِ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَدَلَّكَ عَلَى رِضَاهُ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عِلَاقَةٌ، ثُمَّ سَعَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ كَالْهَارِبِ مِنَ السَّبْعِ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُذَكِّرِ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَالَ ذُو النُّونِ لِفَتًى مِنَ النُّسَّاكِ: يَا فَتًى، خُذْ لِنَفْسِكَ بِسِلَاحِ الْمَلَامَةِ، وَاقْمَعْهَا بَرَدِّ الْظَلَامَةِ تَلْبَسْ غَدًا سَرَابِيلَ السَّلَامَةِ، وَاقْصُرْهَا فِي رَوْضَةِ الْأَمَانِ وَذَوِّقْهَا مَضَضَ فَرَائِضِ الْإِيمَانِ تَظْفَرْ بِنَعِيمِ الْجِنَّانِ، وَجَرِّعْهَا كَأْسَ الصَّبْرِ، وَوَطِّنْهَا عَلَى الْفَقْرِ حَتَّى تَكُونَ تَامَّ الْأَمْرِ.
فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: وَأَيُّ نَفْسٍ تَقْوَى عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: نَفْسٌ عَلَى الْجُوعِ صَبَرَتْ، وَفِي سِرْبَالِ الظَّلَامِ خَطَرَتْ، نَفْسٌ

ابْتَاعَتِ الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا بِلَا شَرْطٍ وَلَا ثُنْيَا، نَفْسٌ تَدَرَّعَتْ رَهْبَانِيَّةَ الْقَلَقِ، وَرَعَتِ الدُّجَى إِلَى وَاضِحِ الْفَلَقِ، فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْسٍ فِي وَادِي الْحَنَادِسِ سَلَكَتْ وَهَجَرَتِ اللَّذَّاتِ فَمَلَكَتْ، وَإِلَى الْآخِرَةِ نَظَرَتْ، وَإِلَى الْعَيْنَاءِ أَبْصَرَتْ وَعَنِ الذُّنُوبِ أَقْصَرَتْ، وَعَلَى الذَّرِّ مِنَ الْقُوتِ اقْتَصَرَتْ، وَلِجُيُوشِ الْهَوَى قَهَرَتْ، وَفِي ظُلَمِ الدَّيَاجِي سَهِرَتْ، فَهِيَ بِقِنَاعِ الشَّوْقِ مُخْتَمِرَةٌ وَإِلَى عَزِيزِهَا فِي ظُلَمِ الدُّجَا مُشْتَمِرَةٌ، قَدْ نَبَذَتِ الْمَعَايِشَ وَرَعَتِ الْحَشَايِشَ، هَذِهِ نَفْسٌ خَدُومٌ عَمِلَتْ لِيَوْمِ الْقُدُومِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِذِي النُّونِ: صِفْ لَنَا مِنْ خِيَارِ مَنْ رَأَيْتَ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: " رَكِبْنَا مَرَّةً فِي الْبَحْرِ نُرِيدُ جُدَّةَ وَمَعَنَا فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، قَدْ أُلْبِسَ ثَوْبًا مِنَ الْهَيْبَةِ، فَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُكَلِّمَهُ فَلَمْ أَسْتَطِعْ.
بَيْنَمَا نَرَاهُ قَارِئًا، وَبَيْنَمَا نَرَاهُ صَائِمًا، وَبَيْنَمَا نَرَاهُ مُسَبِّحًا، إِلَى أَنْ رَقَدَ ذَاتَ يَوْمٍ وَوَقَعَتْ فِي الْمَرْكَبِ تُهْمَةٌ فَجَعَلَ النَّاسُ يُفَتِّشْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ بَلَغُوا إِلَى الْفَتَى النَّائِمِ، فَقَالَ صَاحِبُ الصُّرَّةِ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا الْفَتَى النَّائِمِ.
فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ قُمْتُ فَأَيْقَظْتُهُ فَمَا كَانَ حَتَّى تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا فَتًى مَا تَشَاءُ، فَقُلْتُ: إِنَّ تُهْمَةً وَقَعَتْ فِي الْمَرْكَبِ وَإِنَّ النَّاسَ قَدْ فَتَّشَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى بَلَغُوا إِلَيْكَ.
فَالْتَفَتَ إِلَى صَاحِبِ الصُّرَّةِ وَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْكَ.
فَرَفَعَ الْفَتَى يَدَيْهِ يَدْعُو وَخِفْتُ عَلَى أَهْلِ الْمَرْكَبِ مِنْ دُعَائِهِ وَخُيِّلَ إِلَيْنَا أَنَّ كُلَّ حُوتٍ فِي الْبَحْرِ قَدْ خَرَجَ، فِي فَمِ كُلِّ حُوتٍ دُرَّةٌ، فَقَامَ الْفَتَى إِلَى جَوْهَرَةٍ فِي حُوتٍ فَأَخَذَهَا فَأَلْقَاهَا إِلَى صَاحِبِ الصُّرَّةِ، وَقَالَ: فِي هَذِهِ عِوَضٌ مِمَّا ذَهَبَ مِنْكَ وَأَنْتَ فِي حِلٍّ "

حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، ثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّاشِيُّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْفَيْضِ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ طَعْمَ حَلَاوَةِ مُنَاجَاتِكَ فَأَلْهَاهُ شَيْءٌ عَنْ طَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي ضَمِنْتَ لَهُ النَّصْرَ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ فَاسْتَنْصَرَ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي عَجْزِهِ وَفَاقَتِهِ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي تَكَفَّلْتَ لَهُ بِالرِّزْقِ فِي سَقَمِهِ وَصِحَّتِهِ فَاسْتَرْزَقَ غَيْرَكَ بِمَعْصِيَتِكَ فِي طَاعَتِهِ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي عَرَّفْتَهُ آثَامَهُ فَلَمْ يَحْتَمِلْ خَوْفًا مِنْكَ مَئُونَةَ فِطَامِهِ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي أَطْلَعْتَهُ عَلَى مَا لَدَيْكَ ثُمَّ انْقَطَعَ إِلَيْكَ مِنْ كَرَامَتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْكَ صَفْحًا إِخْلَادًا إِلَى الدَّعَةِ فِي طَلَبِ رَاحَتِهِ؟ مَنْ ذَا الَّذِي عَرَفَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ فَآثَرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي لِحُمْقِهِ وَجَهَالَتِهِ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي شَرِبَ الصَّافِيَ مِنْ كَأْسِ مَحَبَّتِكَ فَلَمْ يَسْتَبْشِرْ بِقَوَارِعِ مِحْنَتِكَ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي عَرَفَ حُسْنَ اخْتِيَارِكَ لِخَلْقِكَ فِي قُدْرَتِكَ فَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي عَرَفَ عِلْمَكَ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ وَقُدْرَتَكَ عَلَى نَفْعِهِ وَضَرِّهِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِكَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِكَ بِهِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِكَ عَنْ قُدْرَةِ عاجزٍ مِثْلِهِ»

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَدْعُو: «اللَّهُمَّ مَتِّعْ أَبْصَارَنَا بِالْجَوَلَانِ فِي جَلَالِكَ، وَسَهِّرْنَا عَمَّا نَامَتْ عَنْهُ عُيونُ الْغَافِلِينَ، وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مَعْقُودَةٌ بِسَلَاسِلِ النُّورِ وَعَلِّقْهَا بِأَطْنَابِ التَّفَكُّرِ، وَنَزِّهْ أَبْصَارَنَا عَنْ سِرِّ مَوَاقِفِ الْمُتَحَيِّرِينَ، وَأَطْلِقْنَا مِنَ الْأَسْرِ لِنَجُولَ فِي خِدْمَتِكَ مَعَ الْجَوَّالِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا ذِكْرَ قَطْعِ اللَّذَّاتِ، وَخَالِفُوا مَتَاعَ الْغِرَّةِ بِوَاضِحَاتِ الْمَعْرِفَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ لِخِدْمَتِكَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ لَهُمْ طُلَّابًا، وَلِخَصَائِصِ أَصْفِيَائِكَ أَصْحَابًا، وَلِلْمُرِيدِينَ الْمُعْتَكِفِينَ بِبَابِكَ أَحْبَابًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ غَسَلُوا أَوْعِيَةَ الْجَهْلِ بِصَفْوِ مَاءِ الْحَيَاةِ فِي مَسَالِكِ النَّعِيمِ، حَتَّى جَالَتْ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ مَعَ رُطُوبَةِ أَلْسِنَةِ الذَّاكِرِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ رَتَعُوا فِي زَهْرَةِ رَبِيعِ الْفَهْمِ حَتَّى تَسَامَتْ أَسِنَّةُ الْفِكْرَةِ فَوْقَ سُمُوِّ السُّمُوِّ حَتَّى تَسَامَى بِهِمْ نَحْوَ مَسْامِّ الْعُلْوِيِّينَ بِرَاحَاتِ الْقُلُوبِ وَمُسْتَنْبَطَاتِ عُيونِ الْغُيوبِ بِطُولِ اسْتِغْفَارِ الْوجُوهِ فِي مَحَارِيبِ قُدْسِ رَهْبَانِيَّةِ الْخَاشِعِينَ، حَتَّى لَاذَتْ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ بِجَوَاهِرِ السَّمَاءِ، وَعَبَرَتْ أَفْنِيَةَ النَّوَّاحِينَ مِنْ مَصَافِّ الْكُرُوبِيِّيِّنَ وَمُجَالَسَةِ الرُّوحَانِيِّينَ فَتَوَهَّمُوا أَنْ قَدْ قَرُبَ احْتِرَاقٌ بِالْقُلُوبِ عِنْدَ إِرْسَالِ الْفِكْرَةِ فِي مَوَاقِعِ الْأَحْزَانِ بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَأَحْرَقَتْ نَارُ الْخَشْيَةِ بَصَائِرَ مَنَاقِبِ الشَّهَوَاتِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَسَكَنَتْ خَوَافِي ضُلُوعِ مَضَايِقِ الْغَفَلَاتِ مِنْ صُدُورِهِمْ، فَأَنْبَتَ ذِكْرُ الصَّلَوَاتِ رُقَادَ قُلُوبِهِمْ»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانَيُّ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «بِالْعُقُولِ يُجْتَنَى ثَمَرُ الْقُلُوبِ، وَبِحُسْنِ الصَّوْتِ تُسْتَمَالُ أَعِنَّةُ الْأَبْصَارِ، وَبِالتَّوْفِيقِ تُنَالُ الْحَظْوَةُ وَبِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ تَطِيبُ الْحَيَاةِ، وَالْخَيْرُ مَجْمُوعٌ فِي الْقَرِينِ الصَّالِحِ إِنْ نَسِيتَ ذَكَّرَكَ وَإِنْ ذَكَرْتَ أَعَانَكَ»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " حَرَّمَ اللَّهُ الزِّيَادَةَ فِي الدِّينِ، وَالْإِلْهَامُ فِي الْقَلْبِ وَالْفِرَاسَةُ فِي الْخَلْقِ عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: عَلَى بَخِيلٍ بِدُنْيَاهُ وَسَخِيٍّ بِدِينِهِ وَسَيِّئِ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِخَيْلٌ بِالدُّنْيَا عَرَفْنَاهُ وَسَخِيٌّ بِدِينِهِ عَرَفْنَاهُ صِفْ لَنَا سَيِّئَ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ.
قَالَ: يَقْضِي اللَّهُ قَضَاءً وَيُمْضِي قَدَرًا وَيُنْفِذُ عِلْمًا وَيَخْتَارُ لِخَلْقِهِ أَمْرًا فَتَرَى صَاحِبَ سُوءِ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ مُضْطَرِبًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ دَائِمًا شَكْوَاهُ مِنَ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ فَمَا ظَنُّكَ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: قُلْتُ لِذِي النُّونِ: " دُلَّنِي عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُؤَدِّينِي إِلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ.
فَقَالَ: مَنْ أَنِسَ بِالْخَلْوَةِ فَقَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْ بِسَاطِ الْفَرَاغِ، وَمَنْ غُيِّبَ عَنْ مُلَاحَظَةِ نَفْسِهِ فَقَدِ اسْتَمْكَنَ مِنْ مَقَاعِدِ الْإِخْلَاصِ، وَمَنْ كَانَ حَظَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ هَوَاهُ لَمْ يُبَالِ مَا فَاتَهُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْمُتَّضِحُ يُبْدِي غَيْرَ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَالصَّادِقُ لَا يُبَالِي عَلَى أَيِّ جِنْبٍ وَقَعَ "

قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «الْعَارِفُ مُتَلَوِّثُ الظَّاهِرِ صَافِي الْبَاطِنِ، وَالزَّاهِدُ صَافِي الظَّاهِرِ مُتَلَوِّثُ الْبَاطِنِ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا آمَنَ بِاللَّهِ وَاسْتَحْكَمَ إِيمَانُهُ خَافَ اللَّهَ، فَإِذَا خَافَ اللَّهَ تَوَلَّدَتْ مِنَ الْخَوْفِ هَيْبَةُ اللَّهِ، فَإِذَا سَكَنَ دَرَجَةَ الْهَيْبَةِ دَامَتْ طَاعَتُهُ لِرَبِّهِ، فَإِذَا أَطَاعَ تَوَلَّدَتْ مِنَ الطَّاعَةِ الرَّجَاءُ فَإِذَا سَكَنَ دَرَجَةَ الرَّجَاءِ تَوَلَّدَتْ مِنَ الرَّجَاءِ الْمَحَبَّةُ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ مَعَانِي الْمَحَبَّةِ فِي قَلْبِهِ سَكَنَ بَعْدَهَا دَرَجَةَ الشَّوْقِ، فَإِذَا اشْتَاقَ أَدَّاهُ الشَّوْقُ إِلَى الْأُنْسِ بِاللَّهِ، فَإِذَا أَنِسَ بِاللَّهِ اطْمَأَنَّ إِلَى اللَّهِ فَإِذَا اطْمَأَنَّ إِلَى اللَّهِ كَانَ لَيْلُهُ فِي نَعِيمٍ وَنَهَارُهُ فِي نَعِيمٍ، وَسِرُّهُ فِي نَعِيمٍ وَعَلَانِيَّتُهُ فِي نَعِيمٍ»

جارٍ التحميل