حلية الأولياء وطبقات الأصفياءعَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ وَمِنْهُمُ الْمُعَاتَبُ بِالْعِتَابِ لِاسْتَهَانَتِهِ بِالتُّرَابِ، عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ الْمُنَبَّهُ بِالصَّوَابِ

عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ وَمِنْهُمُ الْمُعَاتَبُ بِالْعِتَابِ لِاسْتَهَانَتِهِ بِالتُّرَابِ، عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ الْمُنَبَّهُ بِالصَّوَابِ

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مَسْعُودٍ الزُّبَيْرِيَّ، يَقُولُ سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ كَامِلٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ، يَقُولُ: " كَتَبْتُ كِتَابًا فَأَخَذْتُ طِينًا مِنْ حَائِطٍ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ فَقُلْتُ: تُرَابٌ وَمَا تُرَابٌ؟ فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي يُقَالُ لِي: سَيعْلَمُ الَّذِي يَقُولُ: وَمَا تُرَابٌ؟ وَمِنْهُمُ النَّازِحُ عَنِ الْأُنَاسِ، وَالْأَشْخَاصِ الْمَادِحُ لِمُؤْنِسِهِ بِمَا أَوْلَاهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ السَّائِحُ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّامِرِيُّ بِعَسْقَلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي جِبَالِ لِكَامٍ إِذْ مَرَرْتُ عَلَى وَادٍ كَثِيرِ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ فَبَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ أَتَعَجَّبُ مِنْ حُسْنِ زَهْرَاتِهِ وَخُضْرَةِ الْعُشْبِ فِي جَنَبَاتِهِ وَمِنْ تَنَاغِي الْأَطْيَارِ بِحَنِينٍ فِي أَفْنِيَتِهِ وَمِنْ خَرْخَرَةِ الْمَاءِ عَلَى رَضْرَاضِهِ وَمِنْ جَوَلَانِ الْوَحْشِ فِي أَنْدِيَتِهِ وَمِنْ صَوْتِ عَوَاصِفِ الرِّيَاحِ الذَّارِيَةِ فِي أَغْصَانِ شَجَرَاتِهِ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا أَهْطلَ مَدَامِعِي وَهَيَّجَ لِمَا نَطَقَ بِهِ بَلَابِلَ حُزْنِي، قَالَ ذُو النُّونِ: فَاتَّبَعْتُ الصَّوْتَ حَتَّى أَوْقَعَنِي بِبَابِ مَغَارَةٍ فِي سَفْحِ ذَلِكَ الْوَادِي فَإِذَا الْكَلَامُ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْمَغَارَةِ فَاطَّلَعْتُ فِيهِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ وَالِاجْتِهَادِ وَذَوِي الْعُزْلَةِ وَالِانْفِرَادِ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ أَمْرَحَ قُلُوبَ الْمُشْتَاقِينَ فِي زَهْرَةِ رِيَاضِ الطَّاعَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَ مَنْ أَوْصَلَ الْفَهْمَ إِلَى عُقُولِ ذَوِي الْبَصَائِرِ فَهِيَ لَا تَعْتَمِدَ إِلَّا عَلَيْهِ سُبْحَانَ مَنْ أَوْرَدَ حِيَاضَ الْمَوَدَّةِ نُفُوسَ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ فَهِيَ لَا تَحِنُّ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمْسَكَ، قَالَ ذُو النُّونِ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَلِيفَ الْأَحْزَانِ وَقَرِينَ الْأَشْجَانِ، وَيَا مَنْ أَلِفَ السَّكَنَ وَطُولَ الظَّعْنِ عَنْ مُفَارَقَةِ الصَّبْرِ، وَالْعَزَاءِ، قَالَ: فَأَجَابَنِي وَهُوَ يَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، مَا الَّذِي أَوْصَلَكَ إِلَى مَكَانِ مَنْ قَدْ أَفْرَدَهُ خَوْفُ الْمَسْأَلَةِ عَنِ

الْأَنَامِ وَمَنْ هُوَ مُشْتَغِلٌ بِمَا فِيهِ مِنْ مُحَاسَبَتِهِ لِنَفْسِهِ عَنِ التَّصَنُّعِ فِي الْكَلَامِ؟ فَقُلْتُ: أَوْصَلَنِي إِلَيْكَ الْآثَارُ وَالرَّغْبَةُ فِي الصَّفْحِ وَالِاعْتِبَارِ، فَقَالَ لِي: يَا فَتَى إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا قَدَحَ فِي قُلُوبِهِمْ زَنْدُ الشَّغَفِ بِنَارِ الْرَّمَقِ فَأَرْوَاحُهُمْ بِشِدَّةِ الِاشْتِيَاقِ إِلَى اللَّهِ تَسْرَحُ فِي الْمَلَكُوتِ وَبِأَبْصَارِ أَحْدَاقِ الْقُلُوبِ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا ذُخِرَ لَهُمْ فِي حُجُبِ الْجَبَرُوتِ، قُلْتُ: يَرْحَمُكُ اللَّهُ صِفْهُمْ لِي، فَقَالَ: أُولَئِكَ أَقْوَامٌ أَوَوْا إِلَى كَنَفِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: سَيِّدِي بِهِمْ فَأَلْحِقْنِي وَلِأَعْمَالِهِمْ فَوَفِّقْنِي فَقَدْ نَالُوا مَا أَرَادُوا لِأَنَّكَ كُنْتَ لَهُمْ مُؤَدِّبًا وَلِعُقُولِهِمْ مُؤَيِّدًا، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَلَا تُوصِينِي بِوَصِيَّةٍ أَحْفَظُهَا عَنْكَ؟ قَالَ: أَحِبَّ اللَّهَ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ فَإِنَّ لَهُ يَوْمًا يَتَجَلَّى فِيهِ لِأَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر السريع] قَدْ كَانَ لِي دَمْعٌ فَأَفْنَيْتُهُ ... وَكَانَ لِي جَفْنٌ فَأَدْمَيْتُهُ وَكَانَ لِي جِسْمٌ فَأَبْلَيْتُهُ ... وَكَانَ لِي قَلْبٌ فَأَضْنَيْتُهُ وَكَانَ لِي يَا سَيِّدِي نَاظِرٌ ... أَرَى بِهِ الْحَقَّ فَأَعْمَيْتُهْ عَبْدُكَ أَضْحَى سَيِّدِي مُدْنِفًا ... لَوْ شِئْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ دَاوَيْتَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: مَدَامِعِي مِنْكَ قَرِيحَاتُ ... بِالْخَوْفِ وَالْوَجْدِ نَضِيجَاتُ أقَلْقَهَا زَرْعُ نَبَاتِ الْهَوَى ... أَجْفَانُهَا مَرَضَى صَحِيحَاتُ طُوبَى لِمَنْ عَاشَ وَأَجْفَانُهُ ... مِنَ الْمَعَاصِي مُسْتَرِيحَاتُ

عَلِيُّ بْنُ رَزِينٍ وَمِنْهُمُ الْمُمَكَّنُ الْمَكِينُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بِنُ رَزِينٍ كَانَ عَنِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ مَعْدُولًا وَفِي الْمُشَاهَدَةِ مَقْبُولًا وَمَحْمُولًا تَخَرَّجُ بِهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَغْرِبِيُّ أَسْتَاذُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانَ

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الطُّوسِيَّ الدَّيْنَوَرِيَّ، بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ شَيْخِي إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ، يَقُولُ: كَانَ لِي شَيْخٌ أَصْحَبَهُ يَشْرَبُ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ يَعْنِي صَاحِبَهُ عَلِيَّ بْنَ رَزِينٍ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ " قَالَ الشَّيْخُ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

الْمَغْرِبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ تِلْمِيذَ عَلِيِّ بْنِ رَزِينٍ، مَاتَ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقُبِرَ مَعَ أُسْتَاذِهِ عَلِيِّ بْنِ رَزِينٍ عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ أَخَذَ طَرِيقَ التَّوَكُّلِ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ أُسْتَاذَهُ وَأُسْتَاذَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِي أَبُو بَكْرٍ الطَّرْسُوسِيُّ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَحَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانَ أُسْتَاذِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ، يَقُولُ: الْمَخْصُوصُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنَازِلَ ثَلَاثَةٍ: مِنْهُمْ مَنْ ضَنَّ بِهِمْ عَنِ الْبَلَاءِ لِكَيْلَا يَسْتَغْرِقَ الْجَزَعُ صَبْرَهُمُ فَيَجِدُوا فِي صُدُورِهِمْ حَرَجًا مِنْ قَضَائِهِ أَوْ يَكْرَهُوا حُكْمَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضَنُّ بِهِمْ عَنْ مُجَاوِرَةِ الْعُصَاةِ وَمُخَالَطَتِهِمْ لِتَسْلَمَ قُلُوبُهُمْ وَصُدُورُهُمْ لِلْعَالِمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَبَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ صَبًّا وَأَمَدَّهُمْ بِالصَّبِرِ وَالرِّضَا، فَمَا ازْدَادُوا بِالْبَلَاءِ إِلَّا حُبًّا وَرِضَاءً بِحُكْمِهِ، وَلِلَّهِ عِبَادٌ أَوْجَدَهُمْ نِعَمًا مُجَرَّدَةً عَلَيْهِمْ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ ظَاهَرَ الْعِلْمِ وَبَاطِنَهُ وَأَخْمَلَ عَنِ النَّاسِ ذِكْرَهُمْ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: [البحر السريع] يَا مَنْ يَعُدُّ الْوِصَالَ ذَنْبًا ... كَيْفَ اعْتِذَارِي مِنَ الذُّنُوبِ؟ إِنْ كَانَ ذَنْبِي إِلَيْكَ حُبِّي ... فَإِنَّنِي مِنْهُ لَا أَتُوبُ

عَمْرٌو النَّيْسَابُورِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَقِيلَ عُمَرُ كَانَ أَحَدَ الْمُتَحَقِّقِينَ لَهُ الْفُتُوَّةُ الْكَامِلَةُ وْالْمُرُوءَةُ الشَّامِلَةُ تَخَرَّجَ بِهِ عَامَّةُ الْأَعْلَامِ النَّيْسَابُورِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَشَاهُ الْكَرْمَانِيُّ، صَحِبَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْأَبَاوَرْدِيَّ، وَكَانَ مِنْ رُفَقَاءِ أَحْمَدَ بْنِ خَضْرَوَيْهِ

الْمَرْوَزِيِّ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ

سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَمْدَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ أَبُو حَفْصٍ: " الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ كَمَا أَنَّ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ، قَالَ: وَكَانَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا عَلَى الْحُضُورِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ حَالُهُ فَإِذَا رَجَعَ قَالَ: مَا أَبْعَدَ ذِكْرَنَا عَنْ ذِكْرِ الْمُحَقِّقِينَ فَمَا أَظُنُّ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ غَفْلَةٍ يَبْقَى بَعْدَ ذِكْرِهِ حَيًّا إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ فَإِنَّهُمْ مُؤَيَّدُونَ

بِقُوَّةِ النُّبُوَّةِ، وَخَوَّاصَّ الْأَوْلِيَاءِ مُؤَيَّدُونَ بِقُوَّةِ الْوِلَايَةِ "

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَمْدَانَ، يَقُولُ: " كَانَ أَبُو حَفْصٍ حَدَّادًا فَكَانَ غُلَامُهُ يَوْمًا يَنْفُخُ عَلَيْهِ الْكِيرَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي النَّارَ وَأَخْرَجَ الْحَدِيدَ مِنَ النَّارِ فَغُشِيَ عَلَى غُلَامِهِ، وَتَرَكَ أَبُو حَفْصٍ الْحَانُوتَ وَأَقْبَلَ عَلَى أَمْرِهِ

سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَمْدَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ، يَقُولُ: «تَرَكْتُ الْعَمَلَ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ وَتَرَكَنِي الْعَمَلُ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْهِ»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الثَّقَفِيَّ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو حَفْصٍ يَقُولُ: " مَنْ لَمْ يَزِنْ أَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ، فَلَا تَعُدَّهُ فِي دِيوَانِ الرِّجَالِ، وَكَانَ يَقُولُ: مِنْ نَعْتِ الْفَقِيرِ الصَّادِقِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحُكْمِهِ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَارِدٌ يَشْغَلُهُ عَنْ حُكْمِ وَقْتِهِ يَسْتَوْحِشُ مِنْهُ وَيَنْفِيهِ "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: اجْتَمَعَ مَشَايِخُ بَغْدَادَ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ وَسَأَلُوهُ عَنِ الْفُتُوَّةِ، فَقَالَ: " تَكَلَّمُوا أَنْتُمْ فَإِنَّ لَكُمُ الْعِبَارَةَ وَاللِّسَانَ فَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْفُتُوَّةُ إِسْقَاطُ الرُّؤْيَةِ وَتَرْكُ النِّسْبَةِ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ، وَلَكِنَّ الْفُتُوَّةَ عِنْدِي أَدَاءُ الْإِنْصَافِ وَتَرْكُ مُطَالَبَةِ الْإِنْصَافِ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: قُومُوا يَا أَصْحَابَنَا فَقَدْ زَادَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَفْصٍ يَقُولُ: مِنْ إِهَانَةِ الدُّنْيَا أَنِّي لَا أَبْخَلُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ وَلَا أَبْخَلُ بِهَا عَلَى نَفْسِي؛ لِاحْتِقَارِهَا وَاحْتِقَارِ نَفْسِي عِنْدِي "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ، يَقُولُ: «الْكَرَمُ طَرْحُ الدُّنْيَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ لِاحْتِيَاجِكَ إِلَيْهِ»

وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْحَدَّادُ: " حُسْنُ أَدَبِ الظَّاهِرِ عُنْوَانُ حُسْنِ أَدَبِ الْبَاطِنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَسُئِلَ أَبُو حَفْصٍ: مَنِ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: الْقَائِمُونَ مَعَ اللَّهِ بِوَفَاءِ الْعُهُودِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] وَسُئِلَ أَبُو حَفْصٍ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، فَقَالَ: تَرْكُ مَا لَكَ وَالْتِزَامُ مَا أُمِرْتَ بِهِ "

حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ: وَمِنْ أَقْرَانِ أَبِي حَفْصٍ مِنْ شُيوخِ نَيْسَابُورَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو صَالِحٍ حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَارَةَ، صَحِبَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ شَيْخُ الْمُلَامِتِيِّينَ

سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ فَضَالَةَ، صَاحِبُ الْخَانِ بِنَيْسَابُورَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُنَازِلٍ، يَقُولُ: قِيلَ لِحَمْدُونَ بْنِ أَحْمَدَ: مَا بَالُ كَلَامِ السَّلَفِ أَنْفَعُ مِنْ كَلَامِنَا؟ قَالَ: " لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا لِعِزِّ الْإِسْلَامِ وَنَجَاةِ النُّفُوسِ وَرِضَاءِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ لِعِزِّ النَّفْسِ وَطَلَبِ الدُّنْيَا وَقَبُولِ الْخَلْقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَأَلَهُ يَوْمًا أَبُو الْقَاسِمِ الْمُنَادِي عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَى فِي سُؤَالِكَ قُوَّةً وَعِزَّةَ نَفْسٍ تَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَذَا السُّؤَالِ الْحَالَ الَّذِي تُخْبِرُ عَنْهُ؟ أَيْنَ طَرِيقَةُ الضَّعْفِ وَالْفَقْرِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِالْتِجَاءِ؟ وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ ظَنَّ نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْ نَفْسِ فِرْعَوْنَ فَقَدْ أَظْهَرَ الْكِبْرَ، وَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنَازِلٍ يَوْمًا: أَوْصِنِي، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَغْضَبَ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَافْعَلْ وَقَالَ: مَنْ أَصْبَحَ وَلَيْسَ لَهُ هَمُّ طَلَبِ قُوتٍ مِنْ حَلَالٍ وَهَمُّ مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي سَابِقِ الْعِلْمِ لَهُ وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتَفَرَّغُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ: كِفَايَتُكَ تُسَاقُ إِلَيْكَ مُيَسَّرًا مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَإِنَّمَا التَّعَبُ فِي الْفُضُولِ "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ التَّمِيمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدَونَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ وَسُئِلَ عَنْ طَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ، فَقَالَ: " خَوْفُ الْقَدَرِيَّةِ وَرَجَاءُ الْمُرْجِئَةِ، وَقَالَ: لَا يَجْزَعُ مِنَ الْمُصِيبَةِ إِلَّا مَنِ اتَّهَمَ رَبَّهُ، وَقَالَ: لَا أَحَدَ أَدْوَنَ مِمَّنْ يَتَزَيَّنُ لِدَارٍ فَانِيَةٍ وَيَتَحَمَّدُ إِلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ ضُرَّهُ وَلَا نَفْعَهُ "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْفَرَّاءَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُنَازِلٍ، يَقُولُ: سُئِلَ حَمْدُونُ: مَنِ الْعُلَمَاءُ؟ قَالَ: " الْمُسْتَعْمِلُونَ لِعِلْمِهِمْ وَالْمُتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ وَالْمُقْتَدُونَ بِسِيَرِ السَّلَفِ وَالْمُتَّبِعُونَ لِكِتَابِ

اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَاسُهُمُ الْخُشُوعُ وَزِينَتُهُمُ الْوَرَعُ وِحِلْيَتُهُمُ الْخَشْيَةُ وَكَلَامُهُمُ ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نُهِيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَصَمْتُهُمْ تَفَكُّرٌ فِي آلَاءِ اللَّهِ وَنِعَمِهِ، نَصِيحَتُهُمْ لِلْخَلْقِ مَبْذُولَةٌ وَعُيُوبُهُمْ عِنْدَهُمْ مَسْتُورَةٌ يُزَهِّدُونَ الْخَلْقَ فِي الدُّنْيَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَيُرَغِّبُونَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِالْحِرْصِ عَلَى طَلَبِهَا، قَالَ: وَتَسَفَّهَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَسَكَتَ حَمْدُونُ وَقَالَ: يَا أَخِي لَوْ نَقَصْتَنِي كُلَّ نَقْصٍ لَمْ تُنْقِصْنِي كَنَقْصِي عِنْدِي، ثُمَّ قَالَ: تَسَفَّهَ رَجُلٌ عَلَى إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ فَاحْتَمَلَهُ وَقَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ تُعَلِّمُنَا الْعِلْمَ؟ وَقَالَ: أَنْتَ عَبْدٌ مَا لَمْ تَطْلُبْ مَنْ يَخْدُمُكَ فَإِذَا طَلَبْتَ خَادِمًا خَرَجْتَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ: لِلْخَلْقِ فِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ آيَاتٌ وِلِيُوسُفَ فِي نَفْسِهِ آيَةٌ وَهِيَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ: مَعْرِفَتُهُ بِمَكْرِ النَّفْسِ وَخُدَعِهَا حِينَ قَالَ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]، وَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَقِيقَةِ، طِبَاعِ الْخَلْقِ فَقَالَ: لَوْ مَلَكْتُمْ مَا أَمْلِكُهُ مِنْ فُنُونِ الرَّحْمَةِ وَخَزَائِنِ الْخَيْرِ لَغَلَبَ عَلَيْكُمْ سُوءُ طِبَاعِكُمْ فِي الشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لِأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: 100] "

أَسْنَدَ الْحَدِيثَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَضْلَوَيْهِ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُنَازِلٍ، ثنا حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَصَّارُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ الزَّرَّاعُ، ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَأَيْنَ وَضَعَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ، مَا عَمِلَ فِيهِ؟»

مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ الشَّيْخُ: وَمِنْ حُكَمَاءِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بَلْخِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ سَمَرْقَنْدَ صَحِبَ أَحْمَدَ بْنَ خَضْرَوَيْهِ الْمَرْوَزِيَّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ مِنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَمَنْ فِي طَبَقَتِهِ

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ بِنَيْسَابُورَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ

الْفَضْلِ، يَقُولُ: " الرَّحْمَنُ هُوَ الْمُحْسِنُ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَقَالَ: ذَهَابَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: أَوَّلُهَا لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، وَالثَّانِي يَعْمَلُونَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَالثَّالِثُ لَا يَتَعَلَّمُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَالرَّابِعُ يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنَ التَّعَلُّمِ وَقَالَ: الدُّنْيَا بَطْنُكَ فَبِقَدْرِ زُهْدِكَ فِي بَطْنِكَ زُهْدُكَ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَقْطَعُ الْأَوْدِيَةَ وَالْمَفَاوِزَ وَالقِفَارَ لِيصِلَ إِلَى بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ لِأَنَّ فِيهِ آثَارَ أَنْبِيَائِهِ وَكَيْفَ لَا يَقْطَعُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَلْبِهِ فَإِنَّ فِيهَ آثَارَ مَوْلَاهُ "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: «أَنْزِلْ نَفْسَكَ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَزَّ وَمَنْ مَلَكَتْهُ نَفْسُهُ ذَلَّ»

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: " سِتُّ خِصَالٍ يُعْرَفُ بِهَا الْجَاهِلُ: الْغَضَبُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ وَالْعِظَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعَهَا وَإِفْشَاءُ السِّرِّ وَالثِّقَةُ بِكُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَعْرِفُ صَدِيقَهُ مِنْ عَدُوِّهِ، وَقَالَ: الْعَارِفُ يُدَافِعُ عَيْشَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَيَأْخُذُ عَيْشَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ "

أَسْنَدَ الْحَدِيثَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْخَطَّابِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الزَّاهِدُ بِسَمَرْقَنْدَ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ 3280 سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» صَحِيحٌ ثَابِتٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ سَوَاءً

مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، صَحِبَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ وَلَقِيَ يَحْيَى بْنَ الْجَلَّاءِ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ، كَتَبَ الْحَدِيثَ، مُسْتَقِيمُ الطَّرِيقَةِ، يَرُدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُخَالِفِينَ تَابِعٌ لِلْآثَارِ

حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ

: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: " نُورُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْقَلْبِ وَإِشْرَاقُهُ فِي عَيْنَيِ الْفُؤَادِ فِي الصَّدْرِ، فَبِذِكْرِ اللَّهِ يَرْطُبُ الْقَلْبُ وَيَلِينُ، وَبِذْكِرِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ يَقْسُو الْقَلْبُ وَيَيْبَسُ، فَإِذَا شُغِلَ الْقَلْبُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ الشَّهَوَاتِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَجَرَةٍ إِنَّمَا رُطُوبَتُهَا وَلِينُهَا مِنَ الْمَاءِ فَإِذَا مُنِعَتِ الْمَاءَ يَبِسَتْ عُرُوقُهَا وَذَبُلَتْ أَغْصَانُهَا وَإِذَا مُنِعَتِ السَّقْيَ وَأَصَابَهَا حَرُّ الْقَيْظِ يَبِسَتِ الْأَغْصَانُ فَإِذَا مَدَدْتَ غُصْنًا مِنْهَا انْكَسَرَ فَلَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْقَطْعِ فَيَصِيرُ وَقُودَ النَّارِ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إِذَا يَبِسَ وَخَلَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأَصَابَتْهُ حَرَارَةُ النَّفْسِ وَنَارُ الشَّهْوَةِ وَامْتَنَعَتِ الْأَرْكَانُ مِنَ الطَّاعَةِ فَإِذَا مَدَدْتَهَا انْكَسَرَتْ فَلَا تَصْلُحُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ، وَإِنَّمَا يَرْطُبُ الْقَلْبُ بِالرَّحْمَةِ وَمَا مِنْ نُورٍ فِي الْقَلْبِ إِلَّا وَمَعَهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْعَبْدُ مَا دَامَ فِي الذِّكْرِ فَالرَّحْمَةُ دَائِمَةٌ عَلَيْهِ كَالْمَطَرِ فَإِذَا قَحَطَ فَالصَّدْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَالسَّنَةِ الْجَدْبَاءِ الْيَابِسَةِ، وَحَرِيقُ الشَّهَوَاتِ فِيهَا كَالسَّمَائِمِ وَالْأَرْكَانُ مُعَطَّلَةٌ عَنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَدَعَا اللَّهُ الْمُوَحِّدِينَ إِلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخُمُسِ؛ رَحْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَهَيَّأَ لَهُمْ فِيهَا أَلْوَانَ الْعِبَادَةِ لِيَنَالَ الْعَبْدُ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ شَيْئًا مِنْ عَطَايَاهُ، وَالْأَفْعَالُ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَقْوَالُ كَالْأَشْرِبَةِ فَهِيَ عُرْسُ الْمُوَحِّدِينَ هَيَّأَهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَهْلِ رَحْمَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ دَنَسٌ وَلَا غُبَارٌ، فَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ الْمُوَحِّدِينَ لِيبَاهِيَ بِهِمْ يَوْمَ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ فِي تِلْكَ الْعَرَصَاتِ الْمَلَائِكَةَ لِأَنَّ آدَمَ وَوَلَدَهُ ظَهَرَ خَلْقُهُمْ مِنْ يَدِهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَلَائِكَةُ ظَهَرَ خَلْقُهُمْ مِنَ الْقُدْرَةِ لِقَوْلِهِ: كُنْ فَكَانَ، فَمِنْ مَحَبَّتِهِ لِلْآدَمِيِّينَ يَفْرَحُ بِتَوْبَتِهِمْ، خَلَقَهُمْ وَالشَّهَوَاتِ وَالشَّيَاطِينَ فِي دَارِ الِابْتِلَاءِ لِيبَاهِيَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ مَلَائِكَتِي إِنَّ مَحَاسِنَكُمْ خَرَجَتْ مِنْكُمْ وَمَنَ النُّورِ خَلَقْتُكُمْ وَأَنْتُمْ فِي أَعَالِي الْمَمْلَكَةِ تُعَايِنُونُ عَظَمَتِي وَحُجَّتِي وَسُلْطَانِي وَقَدْ عُرِّيتُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشَّيَاطِينِ، وَالْآدَمِيُّونَ خَرَجَتْ مِنْهُمْ هَذِهِ الْمَحَاسِنُ مِنْ نُفُوسِهِمُ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالشَّيَاطِينُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ فِي أَدَانِي الْمَمْلَكَةِ وَمِنَ التُّرَابِ خَلَقْتُهُمْ فَلِذَلِكَ اسْتَوْجَبُوا مِنِّي دَارِي وَجَوَارِي "

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ

، يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: «كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَسُرَّهُ مَا يَضُرُّهُ»

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حِمْلٌ أَثْقَلُ مِنَ الْبِرِّ لِأَنَّ مَنْ بَرَّكَ فَقَدْ أَوْثَقَكَ وَمَنْ جَفَاكَ فَقَدْ أَطْلَقَكَ»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيَّ، يَقُولُ: " مَنْ جَهِلَ أَوْصَافَ الْعُبُودِيَّةِ فَهُوَ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ أَجْهَلُ وَقَالَ: الدُّنْيَا عَرُوسُ الْمُلُوكِ وَمِرْآةُ الزُّهَّادِ أَمَّا الْمُلُوكُ فَتَجَمَّلُوا بِهَا وَأَمَّا الزُّهَّادُ فَنَظَرُوا إِلَيْهَا وَأَبْصَرُوا آفَتَهَا فَتَرَكُوهَا "

قَالَ: وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْخَلْقِ، فَقَالَ: " ضَعْفٌ ظَاهِرٌ وَدَعْوَى عَرِيضَةٌ وَقَالَ: اجْعَلْ مُرَاقَبَتَكَ لِمَنْ لَا يَغِيبُ نَظَرُهُ إِلَيْكَ وَاجْعَلْ شُكْرَكَ لِمَنْ لَا تَنْقَطِعُ نِعَمُهُ عَنْكَ وَاجْعَلْ خُضُوعَكَ لِمَنْ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ "

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، ثنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رِزَامٍ الْآبُلِّيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ الْهُجَيْمِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]، قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ وَلَا رَطْبٌ إِلَّا تَفَرَّقَ إِنَّمَا يَرَانِي أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا تَمُوتُ أَعْينَهُمْ وَلَا تَبْلَى أَجْسَامُهُمْ "

جارٍ التحميل