حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 324-333

مَضَاءُ بْنُ عِيسَى وَمِنْهُمْ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى الشَّامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ، اجْتَذَبَهُ الْحُبُّ وَاسْتَلَبَهُ الْخَوْفُ

صفحات 324-333

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَضَاءَ بْنَ عِيسَى، يَقُولُ: «خَفِ اللَّهَ يُلْهِمْكَ، وَاعْمَلْ لَهُ لَا يُلْجِئْكَ إِلَى ذَلِيلٍ»

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُضَاءَ بْنَ عِيسَى، يَقُولُ: «عَمَلُ النَّهَارِ يَسْتَخْرِجْهُ اللَّيْلُ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ يَسْتَخْرِجْهُ النَّهَارُ»

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ

، قَالَ: سَمِعْتُ مَضَاءً، وَأَبَا صَفْوَانَ بْنَ عَوَانَةَ يَقُولَانِ: «مَنْ أَحَبَّ رَجُلًا لِلَّهِ وَقَصَّرَ فِي حَقِّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حُبِّهِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالشَّابِّ خَيْرًا وَفَّقَ لَهُ رَجُلًا صَالِحًا»

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ، ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَضَاءً، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِيُّ: «الْقُلُوبُ قُلْبَانِ، فَقَلْبٌ مُلِحٌّ يَسْأَلُهُ، وَقَلْبٌ يَتَوَقَّعُ شَيْئًا يَجِيئُهُ»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمْدَوَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: اتَّفَقَ سُلَيْمَانُ وَمَضَاءُ بْنُ عِيسَى وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَمُسْلِمُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ عَلَى أَنَّ «تَرْكَ لُقْمَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ»

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ، ثنا أَحْمَدُ قَالَ أَتَيْتُ وَأَبُو سُلَيْمَانَ مَضَاءً زَائِرِينَ لَهُ فَجَاءَنَا بِبَيْضٍ وَكَانَ هُوَ صَائِمًا وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَكُنْتُ أَنَا كَأَنِّي أَرَدْتُ الصِّيَامَ، فَقَالَ لِي مَضَاءُ: «كُلْ فَأَكَلْتُ»

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَكْرٍ، ثنا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْقُشَيْرِيُّ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، ثنا مَضَاءُ بْنُ عِيسَى، بِالْكُوفَةِ , عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ضَبَطَ هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ -، وَهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ - ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ»

مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ لِآلَاءِ اللَّهِ وَاصِفًا، وَعَلَى بَابِهِ عَاكِفًا يَحُوشُ الْعِبَادَ إِلَيْهِ وَيُلِحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْمُطَوِّفَ يَقُولُ: " رُئِيَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا مَنْصُورُ مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ.
قَالَ: غَفَرَ لِي

وَقَالَ لِي: يَا مَنْصُورُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى تَخْلِيطٍ مِنْكَ كَثِيرٍ إِلَّا أَنَّكَ كُنْتَ تَحُوُشُ النَّاسَ إِلَى ذِكْرِي "

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا مُسْلِمُ بْنُ عِصَامٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ رُسْتَهْ، ثنا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: " كَتَبَ إِلَيَّ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ أَعْلِمْنِي مَا قَوْلُكُمْ فِي الْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ هُوَ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ فَإِنْ يَفْعَلْ فَأَعْظِمْ بِهَا نِعْمَةً، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ الْهَلَكَةُ، كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنْ أُعْلِمَكَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقُ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ، فَتَعَاطَى السَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ بِتَكَلُّفٍ وَالْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْخَالِقُ وَمَا دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَانْتَهِ بِنَفْسِكَ وَبِالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْقُرْآنِ إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَلَا تَبْتَدِعْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَلْبِكَ اسْمًا فَتَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَخْشَوْنَهُ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ "

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، ثنا زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: " قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: إِنَّ الْغَالِبَ لِهَوَاهُ أَشَدُّ مِنَ الَّذِي يَفْتَحُ الْمَدِينَةَ وَحْدَهُ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ بَعْضِ إِخْوَانِهِ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ: " كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي مَنْصُورٍ فَوَقَعَتْ رُقْعَةٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِذَا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا أَبَا السَّرِيِّ أَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ تُبْتُ عَلَى يَدَيْكَ وَأَنَا اشْتَرَيْتُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُورًا عَلَى صَدَاقِ ثَلَاثِينَ خَتْمَةً فَخَتَمْتُ مِنْهَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَأَنَا فِي الثَّلَاثِينَ إِذْ حَمَلَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْتُ كَأَنَّ حَوْرَاءَ خَرَجَتْ عَلَيَّ مِنَ الْمِحْرَابِ فَلَمَّا رَأَتْنِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا أَنْشَأَتْ تَقُولُ بِرَخِيمِ صَوْتِهَا: [البحر السريع] أَتَخْطُبُ مِثْلِي وَعَنِّي تَنَامُ ... وَنَوْمُ الْمُحِبِّينَ عَنِّي حَرَامُ لِأَنَّا خُلِقْنَا لِكُلِّ امْرِئٍ ... كَثِيرِ الصَّلَاةِ بَرَاهُ الصِّيَامُ

فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مَذْعُورٌ

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْأَسْوَدِ، ثنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ دُسَيْمٍ الزَّقَّاقُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَكَ الْعَابِدَ، يَقُولُ: قِيلَ لِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ: تَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَنَرَى مِنْكَ أَشْيَاءَ.
فَقَالَ: «احْسُبُونِي ذَرَّةً وَجَدْتُمُوهَا عَلَى كُنَاسَةٍ مَكَانَهَا»

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ شَبِيبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنِي وَوَعَظْتُهُ، فَلَمَّا أَثَارَتِ الْأَحْزَانُ دُمُوعَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَرَدَّدَهَا فِيَّ عُيَيْنَةُ: فَأَنْشَأَتُ أَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ هَلَّا أَسْبَلْتَهَا إِسْبَالًا وَتَرَكْتَهَا تَجْرِي عَلَى خَدَّيْكَ سِجَالًا؟ فَقَالَ لِي: «يَا مَنْصُورُ إِنَّ الدَّمْعَةَ إِذَا بَقِيَتْ فِي الْجُفُونِ كَانَ أَبْقَى لِلْحُزْنِ فِي الْجَوْفِ، لَقَدْ رَأَى سُفْيَانُ أَنٍ يُعَمِّرَ قَلْبَهُ بِالْأَحْزَانٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ أَشْجَانًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَرَاحَ إِلَى إِسْبَالِ الدُّمُوعِ وَمُشَارَكَةِ مَا أَرَى مِنَ الْجُوعِ»

سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، يَقُولُ: قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: «قُلُوبُ الْعِبَادِ كُلُّهَا رُوحَانِيَّةٌ، فَإِذَا دَخَلَهَا الشَّكُّ وَالْخَبَثُ امْتَنَعَ مِنْهَا رُوحُهَا»

وَقَالَ: «إِنَّ الْحِكْمَةَ تَنْطِقُ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِلِسَانِ التَّصْدِيقِ وَفِي قُلُوبِ الزَّاهِدِينَ بِلِسَانِ التَّفْضِيلِ، وَفِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بِلِسَانِ التَّوْفِيقِ، وَفِي قُلُوبِ الْمُرِيدِينَ بِلِسَانِ التَّفْكِيرِ وَفِي قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بِلِسَانِ التَّذْكِيرِ، وَمَنْ جَزِعَ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا تَحَوَّلَتْ مُصِيبَتُهُ فِي دِينِهِ»

وَقَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ أَوْعِيَةَ الذِّكْرِ وَقُلُوبَ أَهْلِ الدُّنْيَا أَوْعِيَةَ الطَّمَعِ، وَقُلُوبَ الزَّاهِدينَ أَوْعِيَةَ التَّوَكُّلِ، وَقُلُوبَ الْفُقَرَاءِ أَوْعِيَةَ الْقَنَاعَةِ، وَقُلُوبَ الْمُتَوَكِّلِينَ أَوْعِيَةَ الرِّضَا»

وَقَالَ: " أَحْسَنُ لِبَاسِ الْعَبْدِ التَّوَاضُعُ وَالِانْكِسَارُ، وَأَحْسَنُ لِبَاسِ الْعَارِفِينَ التَّقْوَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] "

وَقَالَ مَنْصُورٌ: " سَلَامَةُ النَّفْسِ فِي مُخَالَفَاتِهَا وَبَلَاؤُهَا فِي مُتَابَعَاتِهَا

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، قَالَ

: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: " حَجَجْتُ حَجَّةً فَنَزَلْتُ سِكَّةً مِنْ سِكَكِ الْكُوفَةِ فَخَرَجْتُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَإِذَا بِصَارِخٍ يَصْرُخُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: إِلَهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ، وَقَدْ عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ، وَلَكِنْ خَطِيئَةٌ عَرَضَتْ وَأَعَانَنِي عَلَيْهَا شَقَائِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمَرْخِيُّ عَلَيَّ، وَقَدْ عَصَيْتُكَ بِجَهْدِي وَخَالَفْتُكَ بِجَهْلِي فَالْآنَ عَنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ وَاشَبَابَاهُ وَاشَبَابَاهُ.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ تَلَوْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] الْآيَةَ فَسَمِعْتُ دَكْدَكَةً لَمْ أَسْمَعْ بَعْدَهَا حِسًّا، فَمَضَيْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ رَجَعْتُ فِي مَدْرَجَتِي فَإِذَا أَنَا بِجِنَازَةٍ، قَدْ أُخْرِجَتْ وَإِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ قَدْ ذَهَبَ مَتْنُهَا - يَعْنِي قُوَّتَهَا - فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ - وَلَمْ تَكُنْ عَرَفْتَنِي - فَقَالَتْ: هَذَا رَجُلٌ لَا جَزَاهُ إِلَّا جَزَاءَهُ مَرَّ بِابْنِي الْبَارِحَةَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَتَلَا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَفَطَّرَتْ مَرَارَتُهُ فَوَقَعَ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " حَدَّثَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ

وَحَدَّثَنَا أَبِي، ثنا خَالِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، أَنَّهُ قَالَ: " خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي وَظَنَنْتُ أَنَّ النَّهَارَ قَدْ أَضَاءَ فَإِذَا الصُّبْحُ عَلَا فَقَعَدْتُ إِلَى دِهْلِيزٍ يُشْرِفُ، فَإِذَا أَنا بِصَوْتِ شَابٍّ يَدْعُو وَيَبْكِي وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ وَلَكِنْ عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ بِجَهْلِي وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ وَلَا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلَا بِنَظَرِكَ مُسْتَخِّفٌ وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وَأَعَانَنِي عَلَيْهَا شَقْوَتِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمَرْخِيُّ عَلَيَّ فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخَالَفْتُكَ بِجَهْلِي فَمِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي، وَمِنْ أَيْدِي زَبَانِيَتِكَ مَنْ يُخَلِّصُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي، وَاسَوْأَتَاهُ إِذَا قِيلَ لِلمْخُفِّينَ جُوزُوا وَقِيلَ لِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحَطُّ أَمْ مَعَ المْخُفِّينَ أَجُوزُ، وَيْحِي كُلَّمَا طَالَ عُمْرِي كَثُرَتْ ذُنُوبِي وَيْحِي كُلَّمَا كَبِرَ سِنِّي كَثُرَتْ خَطَايَايَ فَيَا وَيْلِي كَمْ أَتُوبُ وَكَمْ أَعُودُ وَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي.
قَالَ مَنْصُورٌ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَ الشَّابِّ وَضَعْتُ

فَمِي عَلَى بَابِ دَارِهِ وَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] الْآيَةَ.
قَالَ مَنْصُورٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ لِلصَّوْتِ اضْطِرَابًا شَدِيدًا وَسَكَنَ الصَّوْتُ.
فَقُلْتُ: إِنَّ هُنَاكَ بَلِيَّةً فَعَلَّمْتُ عَلَى الْبَابِ عَلَامَةً وَمَضَيْتُ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْغَدَاةِ إِذْ أَنَا بِجِنَازَةٍ مَنْصُوبَةٍ وَعَجُوزٌ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ بَاكِيَةً، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ؟ قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي لَا تُجَدِّدْ عَلَيَّ أَحْزَانِي قُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ أَخْبِرِينِي.
قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ غَرِيبٌ مَا خَبَّرْتُكَ هَذَا وَلَدِي مِنْ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ قَامَ فِي مِحْرَابِهِ يَبْكِي عَلَى ذُنُوبِهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ فَيَقْسِمُ كَسْبَهُ ثَلَاثًا، فَثُلُثٌ يُطْعِمُنِي وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينَ وَثُلُثٌ يُفْطِرُ عَلَيْهِ فَمَرَّ عَلَيْنَا الْبَارِحَةَ رَجُلٌ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَقَرَأَ عِنْدَ وَلَدِي آيَاتٍ فِيهَا النَّارُ فَلَمْ يَزَلْ يَضْطَرِبُ وَيَبْكِي حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ مَنْصُورٌ: فَهَذِهِ صِفَةُ الْخَائِفِينَ إِذَا خَافُوا السَّطْوَةَ "

وَمِمَّا أَسْنَدَ بِهِ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - صَاحِبُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ - ثنا بَشِيرُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " تَقُولُ جَهَنَّمُ لِلْمُؤْمِنِ: يَا مُؤْمِنُ جُزْ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي ". حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، ثنا أَبِي مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الطَّيِّبِ الْمِصِّيصِيُّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، ثنا أَبِي، ثنا مَعْرُوفٌ أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قَالَ: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ»

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ابْنُ الْمُفِيدِ ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَا: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، ثنا أَبِي، عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ

يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَسْلَمَ فَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ فَمَرَّ بِبَابِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَأَى امْرَأَةَ الْأَنْصَارِيِّ تَغْتَسِلُ فَكَرَّرَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَخَافَ أَنَّ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ هَارِبًا عَلَى وَجْهِهِ فَأَتَى جِبَالًا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَوَلَجَهَا فَفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهِيَ الْأَيَّامُ الَّتِي قَالُوا وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَى، ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ الْهَارِبَ مِنْ أُمَّتِكَ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ يَتَعَوَّذُ بِي مِنْ نَارِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُمَرُ وَيَا سَلْمَانُ انْطَلِقَا فَأْتِيَانِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» , فَخَرَجَا فِي أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُمَا رَاعٍ مِنْ رِعَاءِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ رِفَاقَةُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رِفَاقَةُ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِشَابٍّ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ؟ فَقَالَ لَهُ رِفَاقَةُ لَعَلَّكَ تُرِيدُ الْهَارِبَ مِنْ جَهَنَّمَ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا عِلْمُكَ أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الْأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الْأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، قَالَ عُمَرُ: إِيَّاهُ نُرِيدُ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ رِفَاقَةُ فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ:: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الْأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الْأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، قَالَ: فَعَدَا عَلَيْهِ عُمَرُ فَاحْتَضَنَهُ فَقَالَ: الْأَمَانُ الْخَلَاصُ مِنَ النَّارِ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنْبِي؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَكَ بِالْأَمْسِ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَنِي أَنَا وَسَلْمَانُ فِي طَلَبِكَ.
فَقَالَ: يَا عُمَرُ، لَا تُدْخِلْنِي عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي وَبِلَالٌ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.
قَالَ: أَفْعَلُ، فَأَقْبَلَا بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَافَقُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَبَدَرَ عُمَرُ وَسَلْمَانُ الصَّفَّ فَمَا سَمِعَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عُمَرُ وَيَا سَلْمَانُ مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ»، قَالَا: هُوَ ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ

. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: «ثَعْلَبَةُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «مَا غَيَّبَكَ عَنِّي؟» قَالَ: ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا؟» قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " قُلِ اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] " قَالَ: ذَنْبِي أَعْظَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ كَلَامُ اللَّهِ أَعْظَمُ» ثُمَّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَجَاءَ سَلْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي ثَعْلَبَةَ نَأْتِهِ لِمَا بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ» فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَأَزَالَ رَأْسَهُ عَنْ حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِمَ أَزَلْتَ رَأْسَكَ عَنْ حِجْرِي؟» قَالَ: إِنَّهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَلْآنُ قَالَ: «مَا تَجِدُ» قَالَ: أَجِدُ مِثْلَ دَبِيبِ النَّمْلِ بَيْنَ جِلْدِي وَعَظْمِي، قَالَ: «فَمَا تَشْتَهِي؟» قَالَ: مَغْفِرَةَ رَبِّي، قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ عَبْدِي هَذَا لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَقِيتُهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أُعْلِمُهُ ذَلِكَ؟» قَالَ: بَلَى: فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَصَاحَ صَيْحَةً فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِهِ وَكَفَّنَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَنَامِلِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولِ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَنَامِلِكَ؟ قَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا قَدَرْتُ أَنْ أَضَعَ رِجْلِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ كَثْرَةِ أَجْنِحَةِ مَنْ نَزَلَ لِتَشْيِيعِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ»

ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ وَمِنْهُمُ الْعَلَمُ الْمَضِيُّ وَالْحَكَمُ الْمَرْضِيُّ النَّاطِقُ بِالْحَقَائِقِ، الْفَائِقُ لِلطَّرَائِقِ، لَهُ الْعِبَارَاتُ الْوَثِيقَةُ وَالْإِشَارَاتُ الدَّقِيقَةُ.
نَظَرَ فَعَبَرَ وَذَكَرَ فَازْدَجَرَ أَبُو الْفَيْضِ

ذُو النُّونِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ الْعَابِدَ الْفَيْضَ، يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ جَازُوا دِيَارَ الظَّالِمِينَ، وَاسْتَوْحَشُوا مِنْ مُؤَانَسَةِ الْجَاهِلِينَ، وَشَابُوا ثَمَرَةَ الْعَمَلِ بِنُورِ الْإِخْلَاصِ، وَاسْتَقَوْا مِنْ عَيْنِ الْحِكْمَةِ وَرَكِبُوا سَفِينَةَ الْفِطْنَةِ، وَأَقْلَعُوا بِرِيحِ الْيَقِينِ، وَلَجُّوا فِي بَحْرِ النَّجَاةِ، وَرَسَوْا بِشَطِّ الْإِخْلَاصِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ سَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَا، وَحُطَّتْ هِمَمُ قُلُوبِهِمْ فِي عَارِيَاتِ التُّقَى حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ، وَجَنَوْا مِنْ رِيَاضِ ثِمَارِ التَّسْنِيمِ، وَخَاضُوا لُجَّةَ السُّرُورِ، وَشَرِبُوا بِكَأْسِ الْعَيْشِ، وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ الْعَرْشِ فِي الْكَرَامَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ فَتَحُوا بَابَ الصَّبْرِ وَرَدَمُوا خَنَادِقَ الْجَزَعِ وَجَازُوا شَدِيدَ الْعِقَابِ وَعَبَرُوا جِسْرَ الْهَوَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ أَشَارَتْ إِلَيْهِمْ أَعْلَامُ الْهِدَايَةِ، وَوَضَحَتْ لَهُمْ طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَسَلَكُوا سَبِيلَ إِخْلَاصِ الْيَقِينِ "

حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ أَبُو حَامِدٍ، ثنا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَيْضِ ذَا النُّونِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: " إِلَهِي وَسِيلَتِي إِلَيْكَ نِعَمُكَ عَلَيَّ، وَشَفِيعِي إِلَيْكَ إِحْسَانُكَ إِلَيَّ، إِلَهِي أَدْعُوكَ فِي الْمَلَأِ كَمَا تُدْعَى الْأَرْبَابُ، وَأَدْعُوكَ فِي الْخَلَا كَمَا تُدْعَى الْأَحْبَابُ، أَقُولُ فِي الْمَلَأِ: يَا إِلَهِي وَأَقُولُ فِي الْخَلَا: يَا حَبِيبِي، أَرْغَبُ إِلَيْكَ وَأَشْهَدُ لَكَ بِالرُّبُوبِيَّةِ مُقِرًّا بِأَنَّكَ رَبِّي وَإِلَيْكَ مَرَدِّي، ابْتِدَأْتَنِي بِرَحْمَتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَخَلَقْتَنِي مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ، وَنَقَلْتَنِي إِلَى الْأَرْحَامِ، وَلَمْ تُخْرِجْنِي بِرَأْفَتِكَ فِي دَوْلَةٍ أَيِّمَةٍ ثُمَّ أَنْشَأْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ بَيْنَ دَمٍ وَلَحْمٍ مُلْتَاثٍ، وَكَوَّنْتَنِي فِي غَيْرِ صُورَةِ الْإِنَاثِ، ثُمَّ نَشَرْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامًّا سَوِيًّا، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَغِيرًا صَبِيًّا، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَنًا مَرِيًّا، وَكَفَلْتَنِي حُجُورَ الْأُمَّهَاتِ، وَأَسْكَنْتَ قُلُوبَهُمْ رِقَّةً لِي وَشَفَقَةً عَلَيَّ، وَرَبَّيْتَنِي بِأَحْسَنِ تَرْبِيَةٍ، وَدَبَّرْتَنِي بِأَحْسَنِ تَدْبِيرٍ، وَكَلَأْتَنِي

مِنْ طَوَارِقِ الْجِنِّ وَسَلَّمْتَنِي مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، وَصُنْتَنِي مِنْ زِيَادَةٍ فِي بَدَنِي تُشِينُنِي، وَمِنْ نَقْصٍ فِيهِ يَعِيبُنِي، فَتَبَارَكْتَ رَبِّي وَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ، فَلَمَّا اسْتَهْلَلْتُ بِالْكَلَامِ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامِ، وَأَنْبَتَّنِي زَائِدًا فِي كُلِّ عَامٍ، فَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، حَتَّى إِذَا مَلَّكْتَنِي شَأْنِي وَشَدَدْتَ أَرْكَانِي أَكْمَلْتَ لِي عَقْلِي، وَرَفَعْتَ حِجَابَ الْغَفْلَةِ عَنْ قَلْبِي، وَأَلْهَمْتَنِي النَّظَرَ فِي عَجِيبِ صَنَائِعِكَ وَبَدَائِعِ عَجَائِبِكَ، وَأَوْضَحْتَ لِي حُجَّتَكَ وَدَلَلْتَنِي عَلَى نَفْسِكَ، وَعَرَّفْتَنِي مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ، وَرَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ وَصُنُوفِ الرِّيَاشِ بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ وَإِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ، وَجَعَلْتَنِي سَوِيًّا ثُمَّ لَمْ تَرْضَ لِي بِنِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَنْ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النِّعَمِ، وَصَرَفْتَ عَنِّي كُلَّ بَلْوَى، وَأَعْلَمْتَنِي الْفُجُورَ لِأَجْتَنِبَهُ، وَالتَّقْوَى لِأَقْتَرِفَهَا، وَأَرْشَدْتَنِي إِلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ زُلْفَى، فَإِنْ دَعَوْتُكَ أَجَبْتَنِي، وَإِنْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتَنِي، وَإِنْ حَمِدْتُكَ شَكَرْتَنِي، وَإِنْ شَكَرْتُكَ زَوَّدْتَنِي.
إِلَهِي فَأَيَّ نِعَمٍ أُحْصِي عَدَدًا، وَأَيَّ عَطَائِكَ أَقُومُ بِشُكْرِهِ، أَمَا أَسْبَغْتَ عَلَيَّ مِنَ النَّعْمَاءِ أَوْ صَرَفْتَ عَنِّي مِنَ الضَّرَّاءِ.
إِلَهِي أَشْهَدُ لَكَ بِمَا شَهِدَ لَكَ بَاطِنِي وَظَاهِرِي وَأَرْكَانِي، إِلَهِي إِنِّي لَا أُطِيقُ إِحْصَاءَ نِعَمِكَ فَكَيْفَ أُطِيقُ شُكْرَكَ عَلَيْهَا، وَقَدْ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] أَمْ كَيْفَ يَسْتَغْرِقُ شُكْرِي نِعَمَكَ وَشُكْرُكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عِنْدِي، وَأَنْتَ الْمُنْعِمُ بِهِ عَليَّ كَمَا قُلْتُ سَيِّدِي: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53] وَقَدْ صَدَقْتَ قَوْلُكَ.
إِلَهِي وَسَيِّدِي، بَلَّغَتْ رُسُلُكَ بِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِكَ غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ بِجَهْدِي وَمُنْتَهَى عِلْمِي وَمَجْهُودِ وُسْعِي وَمَبْلَغِ طَاقَتِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى جَمِيعِ إِحْسَانِهِ حَمْدًا يَعْدِلُ حَمْدَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ "

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَقْصِدُ رَغْبَتِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ حَاجَتِي، وَمِنْكَ أَرْجُو نَجَاحَ طَلِبَتِي، وَبِيَدِكَ مَفَاتِيحُ مَسْأَلَتِي لَا أَسْأَلُ الْخَيْرَ إِلَّا مِنْكَ، وَلَا أَرْجُوهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَلَا أَيْأَسُ مِنْ رَوْحِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِي بِفَضْلِكَ، يَا مَنْ جَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ حِكْمُتُهُ، وَيَا مَنْ نَفَذَ فِي كُلُّ شَيْءٍ

حُكْمَهُ، يَا مَنِ الْكَرِيمُ اسْمُهُ، لَا أَحَدٌ لِي غَيْرُكَ فَأَسْأَلُهُ، وَلَا أَثِقُ بِسِوَاكَ فَآمُلُهُ، وَلَا أَجْعَلُ لِغَيْرِكَ مَشِيئَةً مِنْ دُونَكِ أَعْتَصِمُ بِهَا وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَسْأَلُ إِنْ جَهِلْتُكَ، وَبِمَنْ أَثِقُ بَعْدَ إِذْ عَرَفْتُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّ ثِقَتِي بِكَ وَإِنْ أَلْهَتْنِي الْغَفَلَاتُ عَنْكَ وَأَبْعَدَتْنِي الْعَثَرَاتُ مِنْكَ بِالِاغْتِرَارِ، يَا مُقِيلَ الْعَثَرَاتِ إِنْ لَمْ تَتَلَافَنِي بِعِصْمَةٍ مِنَ الْعَثَرَاتِ فَإِنِّي لَا أَحُولُ بِعَزِيمَةٍ مِنْ نَفْسِي، وَلَا أَرُومُ عَلَى خَلِيفَةٍ بِمَكَانٍ مِنْ أَمْرِي.
أَنَا نِعْمَةٌ مِنْكَ وَأَنَا قَدَرٌ مِنْ قَدَرِكَ، أَجْرِي فِي نِعَمِكَ وَأَسْرَحُ فِي قَدَرِكَ، أَزْدَادُ عَلَى سَابِقَةِ عِلْمِكَ وَلَا أَنْتَقِصُ مِنْ عَزِيمَةِ أَمْرِكَ، فَأَسْأَلُكَ يَا مُنْتَهَى السُّؤَالَاتِ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ يَا مَوْضِعَ الْحَاجَاتِ سِوَاكَ، مَنْ قَدْ كَذَبَ كُلُّ رَجَاءٍ إِلَّا مِنْكَ، وَرَغْبَةِ مَنْ رَغِبَ عَنْ كُلِّ ثِقَةٍ إِلَّا عَنْكَ أَنْ تَهَبَ لِي إِيمَانًا أَقْدَمُ بِهِ عَلَيْكَ، وَأُوصِلُ بِهِ عِظَمَ الْوَسِيلَةِ إِلَيْكَ وَأَنْ تَهَبَ لِي يَقِينًا لَا تُوهِنُهُ بِشُبْهَةٍ إِفْكٍ، وَلَا تَهِنُهُ خَطْرَةُ شَكٍّ تُرَحِّبُ بِهِ صَدْرِي وَتُيَسِّرُ بِهِ أَمْرِي وَيَأْوِي إِلَى مَحَبَّتِكَ قَلْبِي حَتَّى لَا أَلْهُوَ عَنْ شُكْرِكَ وَلَا أَنْعَمُ إِلَّا بِذِكْرِكَ، يَا مَنْ لَا تَمَلُّ حَلَاوَةَ ذِكْرِهِ أَلَسْنُ الْخَائِفِينَ، وَلَا تَكِلُّ مِنَ الرَّغَبَاتِ إِلَيْهِ مَدَامِعُ الْخَاشِعِينَ، أَنْتَ مُنْتَهَى سَرَائِرِ قَلْبِي فِي خَفَايَا الْكَتْمِ، وَأَنْتَ مَوْضِعُ رَجَائِي بَيْنَ إِسْرَافِ الظُّلْمِ.
مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِكَ فَلَهَا بِمَرْضَاةِ بَشَرٍ عَنْ طَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ.
رَبِّ أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي شِدَّةِ السَّهْوِ عَنْكَ، وَأَبْلَيْتُ شَبَابِي فِي سَكْرَةِ التَّبَاعُدِ مِنْكَ، ثُمَّ لَمْ أَسْتَبْطِئْ لَكَ كَلَاءَةً وَمَنَعَةً فِي أَيَّامِ اغْتِرَارِي بِكَ وَرُكُونِي إِلَى سَبِيلِ سَخَطِكَ وَعَنْ جَهْلٍ، يَا رَبِّ قَرَّبَتْنِي الْغِرَّةُ إِلَى غَضَبَكِ، وَأَنَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَوَسِّلٌ بِكَرَمِكَ إِلَيْكَ، فَلَا يُزِلْنِي عَنْ مُقَامِ أَقَمْتَنِي فِيهِ غَيْرُكَ، وَلَا يَنْقِلُنِي مِنْ مَوْقِفِ السَّلَامَةِ مِنْ نِعَمِكَ إِلَّا أَنْتَ، أَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ بِمَا كُنْتُ أُوَاجِهُكَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ اسْتِحْيَائِي مِنْ نَظَرِكَ، وَأَطْلُبُ الْعَفْوَ مِنْكَ يَا رَبِّ إِذِ الْعَفْوُ نِعْمَةٌ لِكَرَمِكَ، يَا مَنْ يُعْصَى وَيُتَابُ إِلَيْهِ فَيَرْضَى كَأَنَّهُ لَمْ يُعْصَ بِكَرَمٍ لَا يُوصَفُ وَتَحَنُّنٍ لَا يُنْعَتُ، يَا حَنَّانُ بِشَفَقَتِهِ يَا مُتَجَاوِزًا بِعَظَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِي حَوْلٌ فَأَنْتَقِلُ عَنْ مَعْصِيَتِكَ إِلَّا فِي وَقْتِ أَيْقَظْتَنِي فِيهِ لِمَحَبَّتِكَ، وَكَمَا أَرَدْتَ أَنْ أَكُونَ كُنْتُ، وَكَمَا رَضِيتَ أَنْ أَقُولَ قُلْتُ، خَضَعْتُ لَكَ وَخَشَعْتُ لَكَ

إِلَهِي لِتُعِزَّنِي بِإِدْخَالِي فِي طَاعَتِكَ، وَلْتَنْظُرْ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ وَاسْتَعْمَلْتَهُ بِمَعُونَتِكَ فَأَطَاعَكَ، يَا قَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ عَنَ الْمُعْتَزِّينَ، وَيَا وَدُودُ لَا تَعْجَلُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ»

جارٍ التحميل