أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَمِنْهُمُ الْحَكِيمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَرَّاقُ الْبَلْخِيُّ لَهُ الْكُتُبُ فِي الْمُعَامَلَاتِ
وَتَعَزَّزُوا بِمَنْ بِهِ يَكْتَنِفُونَ حَلُّوا فَلَمْ يَظْعَنُوا وَاسْتَوْطَنُوا مَحِلَّتَهُ فَلَمْ يَرْحَلُوا فَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَهُمُ الْعَامِلُونَ وَهُمُ الْأَصْفِيَاءُ وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ عَنْ مَقَامِ قُرْبٍ هُمْ بِهِ آمِنُونَ؟ وَعَزُّوا فِي غُرَفٍ هُمْ بِهَا سَاكِنُونَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ "
سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَزَّازُ: " كُلُّ مَا فَاتَكَ مِنَ اللَّهِ سِوَى اللَّهِ يَسِيرٌ وَكُلُّ حَظٍّ لَكَ سِوَى اللَّهِ قَلِيلٌ، وَقَالَ: النَّاسُ فِي الْفَرَحِ بِاللَّهِ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ: إِنَّمَا هُوَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى وَالْإِعْطَاءُ وَالْعَطَاءُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرِحَ بِالْمُعْطِي وَمِنْهُمْ مَنْ فَرِحَ بِالْمُعْطَى وَهُوَ نَفْسُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرِحَ بِالْإِعْطَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرِحَ بِالْعَطَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَرَحُكَ فِي الْعَطَاءِ بِالْمُعْطِي وَلَذَّتُكَ فِي اللَّذَّاتِ بِخَالِقِ اللَّذَّاتِ وَتَنَعُّمُكَ فِي النِّعَمِ بْالْمُنْعِمِ دُونَ النِّعَمِ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُنْعِمِ حِجَابٌ، وَرُؤْيَةَ النِّعْمَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْعِمِ حِجَابٌ "
أَسْنَدَ الْحَدِيثَ: فَمِنْ مَسَانِيدِهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ الْقَوَّاسُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْخَزَّازُ الْبَغْدَادِيُّ الصُّوفِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغِفَارِيُّ، ثنا جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ وَشِرَارُكُمْ أَسْوَؤُكُمْ خُلُقًا»
أَحْمَدُ النُّورِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِالنُّورِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ لَهُ اللِّسَانُ الْجَارِي بِالْبَيَانِ الصَّافِي فِي أَسْرَارِ الْمُتَوَجِّهِينَ إِلَى الْبَارِي لَقِيَ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ وَصَحِبَ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْبَغَوِيِّ سَمِعْتُ عَبْدَ الْمُنْعِمِ بْنَ حَيَّانَ، يَحْكِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيِّ، مِحْنَتَهُ
وَغَيْبَتَهُ عَنْ إِخْوَانِهِ، فِي أَيَّامِ مِحْنَةِ غُلَامِ الْخَلِيلِ وَأَنَّهُ أَقَامَ بِالرَّقَّةِ سِنِينَ مُتَخَلِّيًا عَنِ الْإِينَاسِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَدِيدَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَفَقَدَ أُنَاسَهُ وَجُلَّاسَهُ
وَأَشْكَالَهُ وَانْقَبَضَ عَنِ الْكَلَامِ، لِضَعْفٍ فِي بَصَرِهِ وَانْحِلَالٍ فِي جِسْمِهِ وَقُوَّتِهِ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبِي سُفْيَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُحْطُبِيُّ قَالَا: قَدِمَ أَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ وَكَانَ صُوفِيًّا مُتَكَلِّمًا فِي بَعْضِ قَدَمَاتِهِ مِنْ مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْحَجِّ فَخَرَجْنَا فَاسْتَقْبَلْنَاهُ فَوْقَ بَغْدَادَ فَرَأَيْنَا فِي وَجْهِهٍ تَغَيُّرًا فَقُلْنَا: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ تَغَيُّرُ الْأَسْرَارِ مِنْ تَغَيُّرِ الْأَبْشَارِ فَقَالَ: " لَا إِنَّ الْحَقَّ تَحَمَّلَ كُلَّ كَلٍّ وَثِقْلٍ عَنْ قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَنْشَدَنِي: [البحر الرجز] أَخْرَجَنِي مِنْ وَطَنِي ... كَمَا تَرَى صَيَّرَنِي صَيَّرَنِي كَمَا تَرَى ... أَسْكُنُ قَفْرَ الدِّمَنِ إِذَا تَغَيَّبْتُ بَدَا ... وَإِنْ بَدَا غَيَّبَنِي وَافَقْتُهُ حَتَّى إِذَا ... وَافَقَنِي خَالَفَنِي يَقُولُ لَا تَشْهَدُ مَا ... تَشْهَدُ أَوْ تَشْهَدُنِي
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: رُئِيَ النُّورِيُّ فِي رُجُوعِهِ مِنَ الْحَرَمِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا خَاطِرُهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَلْحَقُ الْأَسْرَارَ مَا يَلْحَقُ الصِّفَاتِ؟ فَقَالَ: " لَا إِنَّ الْحَقَّ أَقْبَلَ عَلَى الْأَسْرَارِ فَحَمَلَهَا وَأَعْرَضَ عَنِ الصِّفَاتِ فَمَحَقَهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الرجز] هَكَذَا صَيَّرَنِي أَزْعَجَنِي عَنْ وَطَنِي غَرَّبَنِي شَرَّدَنِي شَرَّدَنِي غَرَّبَنِي حَتَّى إِذَا غِبْتُ بَدَا وَإِنْ بَدَا غَيَّبَنِي وَاصَلَنِي حَتَّى إِذَا وَاصَلْتُهُ فَاصَلَنِي يَقُولُ لَا تَشْهَدُ مَا تَشْهَدُ أَوْ تَشْهَدُنِي
سَمِعْتُ عُمَرَ الْبَنَّاءَ، الْبَغْدَادِيُّ بِمَكَّةَ يَحْكِي: لَمَّا كَانَتْ مِحْنَةُ غُلَامِ الْخَلِيلِ وَنَسَبَ الصُّوفِيَّةَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ أَمَرَ الْخَلِيفَةَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمْ فَأُخِذَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُخِذَ النُّورِيُّ فِي جَمَاعَةٍ فَأُدْخِلُوا عَلَى الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ فَتَقَدَّمَ النُّورِيُّ مُبْتَدِرًا إِلَى السَّيَّافِ لِيضْرَبَ عُنُقَهُ فَقَالَ لَهُ السَّيَّافُ: مَا دَعَاكَ إِلَى الِابْتِدَارِ إِلَى الْقَتْلِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: " آثَرْتُ حَيَاتَهُمْ عَلَى حَيَاتِي هَذِهِ اللَّحْظَةَ، فَتَوَقَّفَ السَّيَّافُ وَالْحَاضِرُونَ عَنْ قَتْلِهِ، وَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَرَدَّ أَمَرَهُمْ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ وَكَانَ يَلِي الْقَضَاءَ يَوْمَئِذٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ النُّورِيُّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، فَأَجَابَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ
: وَبَعْدَ هَذَا لِلَّهِ عِبَادٌ يَسْمَعُونَ بِاللَّهِ وَيَنْظُرُونَ بِاللَّهِ وَيَصْدُرُونَ باللهِ وَيَرُدُّونَ بِاللَّهِ وَيَأْكُلُونَ بِاللَّهِ وَيلْبَسُونَ بِاللَّهِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِسْمَاعِيلُ كَلَامَهُ بَكَى طَوِيلًا ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ زَنَادِقَةً فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مُوَحِّدٌ فَأَمَرَ بِتَخْلِيَتِهِمْ وَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ يَوْمَئِذٍ: مِنْ أَيْنَ يَأْكُلُونَ؟ فَقَالَ: لَسْنَا نَعْرِفُ الْأَسْبَابَ الَّتِي نُسْتَجْلَبُ بِهَا الْأَرْزَاقُ نَحْنُ قَوْمٌ مُدَبِّرُونَ وَقَالَ: مَنْ وَصَلَ إِلَى وُدِّهِ أَنِسَ بِقُرْبِهِ وَمَنْ تُوَصَّلَ بِالْوِدَادِ فَقَدِ اصْطَفَاهُ مِنْ بَيْنِ الْعِبَادِ "
حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْهَرَوِيُّ قَالَ: حَكَى لِي عَنْ جَعْفَرَ بْنِ الزُّبَيْرِ الْهَاشِمِيِّ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ، دَخَلَ يَوْمًا الْمَاءَ فَجَاءَ لِصٌّ فَأَخَذَ ثِيَابَهُ فَبَقِيَ فِي وَسَطِ الْمَاءِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ اللِّصُّ وَمَعَهُ ثِيَابُهُ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ جَفَّتْ يَمِينُهُ فَقَالَ النُّورِيُّ: «رَبِّ قَدْ رَدَّ عَلَيَّ ثِيَابِي فَرُدَّ عَلَيْهِ يَمِينَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ يَدَهُ وَمَضَى»
سَمِعْتُ أَبَا الْفَرَجِ الْوَرَثَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى النُّورِيِّ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَيْتُ رِجْلَيْهِ مُنْتَفِخَتَيْنِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: " طَالَبَتْنِي نَفْسِي بِأَكْلِ التَّمْرِ فَجَعَلْتُ أُدَافِعُهَا فَتَأْبَى عَلَيَّ فَخَرَجْتُ فَاشْتَرَيْتُ فَلَمَّا أَنْ أَكَلْتُ قُلْتُ لَهَا: قَوْمِي حَتَّى تُصَلِّيَ فَأَبَتْ فَقُلْتُ: لِلَّهِ عَلَيَّ، وَعَلَيَّ إِنْ قَعَدْتُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَمَا قَعَدْتُ "
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ، يَقُولُ: " كَانَ فِي نَفْسِي مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ شَيْءٌ فَأَخَذْتُ مِنَ الصِّبْيَانِ قَصَبَةً وَقُمْتُ بَيْنَ زَوْرَقَيْنِ وَقُلْتُ: وَعِزَّتِكَ لَئِنْ لَمْ تَخْرُجْ لِي سَمَكَةً فِيهَا ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ لَأُغْرِقَنَّ نَفْسِي، قَالَ: فَخَرَجَتْ لِي سَمَكَةٌ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْجُنَيْدَ فَقَالَ: كَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَخْرُجَ لَهُ أَفْعَى فَتَلْدَغَهُ "
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: حَكَى فَارِسٌ الْجَمَّالُ عَنِ النُّورِيِّ قَالَ: «كَانَتِ الْمَرَاقِعُ، أَيْ خِرْقَةُ الصُّوفِيَّةِ لَمَّا لَبِسَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا، غِطَاءً عَلَى الدُّرِّ فَصَارَتْ مَزَابِلَ عَلَى جِيَفٍ»
سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ نَصْرَ بْنَ أَبِي نَصْرٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
الْبَغْدَادِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ فَارِسًا الْجَمَّالَ، يَقُولُ: لَحِقَ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ عِلَّةٌ وَالْجُنَيْدَ عِلَّةٌ فَالْجُنَيْدُ أَخْبَرَ عَنْ وَجْدِهِ، وَالنُّورِيُّ كَتَمَ، فَقِيلَ لِلنُّورِيِّ: لِمَ لَمْ تُخْبِرْ كَمَا أَخْبَرَ صَاحِبُكَ فَقَالَ: " مَا كُنَّا نُبْتَلَى بِبَلْوَى فَنُوقِعَ عَلَيْهِ الشَّكْوَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر المجتث] إِنْ كُنْتُ لِلسَّقَمِ أَهْلًا فَأَنْتَ لِلشُّكْرِ أَهْلَا عَذِّبْ فَلَمْ تُبْقِ قَلْبًا يَقُولُ لِلسَّقْمِ مَهْلَا فَأُعِيدَ عَلَى الْجُنَيْدِ ذَلِكَ فَقَالَ الْجُنَيْدُ: مَا كُنَّا شَاكِينَ وَلَكِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نَكْشِفَ عَنْ عَيْنِ الْقُدْرَةِ فِينَا، ثُمَّ بَدَأَ يَقُولُ: [البحر المجتث] أَجَلُّ مَا مِنْكَ يَبْدُو لِأَنَّهُ عَنْكَ جَلَّا وَأَنْتَ يَا أُنْسَ قَلْبِي أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُجَلَّا أَفْنَيْتَنِي عَنْ جَمِيعِي فَكَيْفَ أَرْعَى الْمَحِلَّا قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الشِّبْلِيَّ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: مِحْنَتِي فِيكَ أَنَّنِي لَا أُبَالِي بِمِحْنَتِي يَا شِفَائِي مِنَ السِّقَامِ وَإِنْ كُنْتَ عِلَّتِي تُبْتُ دَهْرًا فَمُذْ عَرَفْتُكَ ضَيَّعْتُ فِيكَ تَوْبَتِي قُرْبُكُمْ مِثْلُ بُعْدِكُمْ فَمَتَى وَقْتُ رَاحَتِي؟
سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجَهْضَمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْمُرْتَعِشَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ، يَقُولُ وَيُوصِي بَعْضَ أَصْحَابِهِ: «عَشَرَةٌ وَأَيُّ عَشَرَةٍ احْتَفِظْ بِهِنَّ وَاعْمَلْ عَلَيْهِنَّ جَهْدَكَ، فَأُولَى ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتَهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَالَةً تُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ عِلْمِ الشَّرْعِ فَلَا تَقْرَبَنَّ مِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ يَسْكُنُ إِلَى غَيْرِ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَيُخَالِطُهُمْ فَلَا تَقْرَبَنَّ مِنْهُ، وَالثَّالِثَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ يَسْكُنُ إِلَى الرِّئَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ فَلَا تَقْرَبَنَّ مِنْهُ وَلَا تَرْتَفِقْ بِهِ وَإِنْ أَرْفَقَكَ فَلَا تَرْجُ لَهُ فَلَاحًا، وَالرَّابِعَةُ فَقِيرٌ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا إِنْ مُتَّ جُوعًا فَلَا تَقْرَبَنَّ مِنْهُ وَلَا تَرْفُقْ بِهِ إِنْ أَرْفَقَكَ فَإِنَّ رِفْقَهُ يُقَسِّي قَلْبَكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَالْخَامِسَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ مُسْتَغْنِيًا بِعِلْمِهِ فَلَا تَأْمَنْ جَهْلَهُ، وَالسَّادِسَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ مُدَّعِيًا حَالَةً بَاطِنَةً لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا حِفْظُ ظَاهِرِهِ فَاتَّهِمْهُ عَلَى دِينِهِ، وَالسَّابِعَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ يَرْضَى عَنْ نَفْسِهِ وَيَسْكُنُ إِلَى وَقْتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَخْدُوعٌ فَاحْذَرْهُ أَشَدَّ الْحَذَرِ، وَالثَّامِنَةُ مُرِيدٌ يَسْمَعُ الْقَصَائِدُ وَيَمِيلُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ لَا تَرْجُوَنَّ خَيْرَهُ، وَالتَّاسِعَةُ فَقِيرً لَا تَرَاهُ عِنْدَ السَّمَاعِ حَاضِرًا فَاتَّهِمْهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ مُنِعَ بَرَكَةَ ذَلِكَ لِتَشْوِيشِ سِرِّهِ وَتَبْدِيدِ هَمِّهِ، وَالْعَاشِرَةُ مَنْ رَأَيْتَهُ مُطْمَئِنًا إِلَى أَصْدِقَائِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ مُدَّعِيًا لِكَمَالِ الْخُلُقِ بِذَلِكَ فَاشْهَدْ بِسَخَافَةِ عَقْلِهِ وَوَهَنِ دِيَانَتِهِ»
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ النُّورِيَّ قَائِمًا حِيَالَ الْكَعْبَةِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ شَيْئًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] كَفَى حُزْنًا أَنِّي أُنَادِيكَ دَائِبًا ... كَأَنِّي بَعِيدٌ أَوْ كَأَنَّكَ غَائِبُ وَأَسْأَلُ مِنْكَ الْفَضْلَ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ ... وَلَمْ أَرَ مَثَلِي زَاهِدًا فِيكَ رَاغِبُ
سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ بِنَيْسَابُورَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ النُّورِيِّ قَالَ: " أَعْلَى مَقَامَاتِ أَهْلِ الْحَقَائِقِ انْقِطَاعُهُمْ عَنِ الْخَلَائِقِ، وَسَبِيلُ الْمُحِبِّينَ التَّلَذُّذُ بِمَحْبُوبِهِمْ وَسَبِيلُ الرَّاجِينَ التَّأْمِيلُ لِمَأْمُولِهِمْ وَسَبِيلُ الْفَانِينَ الْفِنَاءُ فِي مَحْبُوبِهِمْ وَمَأْمُولِهِمْ وَسَبِيلُ الْبَاقِينَ الْبَقَاءُ بِبَقَائِهِ، وَمَنِ ارْتَفَعَ عَنِ الْفِنَاءِ وَالْبَقَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا فَنَاءَ وَلَا بَقَاءَ وَقَالَ: إِنَّ الْمَحَبَّةَ لِلْمَحْبُوبِ تَتَزَايَدُ مِنْ لَطَائِفِ الْمَحْبُوبِ "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا النُّورِيُّ: [البحر البسيط] كَادَتْ سَرَائِرُ سِرِّي أَنْ تُسِرَّ بِمَا ... أَوْلَيْتَنِي مِنْ سُرُورٍ لَا أُسَمِّيهِ فَصَاحَ لِلسِّرِّ سِرٌّ مِنْكَ يَرْقُبُهُ ... كَيْفَ السُّرُورُ بِسِرٍّ دُونَ مُبْدِيهِ فَظَلَّ يَلْحَظُهُ سِرًّا لِيَلْحَظَهُ ... وَالْحَقُّ يَلْحَظُنِي أَلَّا أُرَاعِيهِ وَأَقْبَلَ السِّرُّ يُغْنِي الْكَلَّ عَنْ صِفَتِي ... وَأَقْبَلَ الْحَقُّ يُغْنِينِي وَيُغْنِيهِ
حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْقَنَّادَ، يَقُولُ: كَتَبْتُ إِلَى النُّورِيِّ وَأَنَا حَدِيثٌ: [البحر الطويل] إِذَا كَانَ كُلُّ الْكَلِّ فِي النُّورِ فَانِيًا ... أَبِنْ لِي عَنْ أَيِّ الْوُجُودَيْنِ أُخْبِرُ؟ فَأَجَابَنِي فِي الْحَالِ: [البحر الطويل]
إِذَا كُنْتَ فِيمَا لَيْسَ بِالْوَصْفِ فَانِيًا ... فَوَقْتُكَ فِي الْأَوْصَافِ عِنْدِي تَحَيُّرُ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَلِيٍّ الصُّوفِيُّ قَالَ: كَتَبَ النُّورِيُّ إِلَى الْجُنَيْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ السِّرِّ وَوَصَفَهُ فِي شِعْرِهِ ثَلَاثَةَ أَوْصَافِ: [البحر الطويل] يُنَاجِيكَ سِرُّ سَائِلٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ ... سَرَائِرُهُمْ كَتْمٌ وَإِعْلَانُهُمْ سَتْرُ فَتًى ضَاعَ كَتْمُ السِّرِّ بَيْنَ ضُلُوعِهِ ... عَنِ إدْرَاكِهِ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ سِرُّ فَأَسْبَلَ أَسْتَارَ التَّخَفُّرِ صَائِنًا ... لِكُلِّ حَدِيثٍ أَنْ يَكُونَ هُوَ السِّرُّ فَكَتَّامُ سِرٍّ مُدْرِكُ الْكَتْمِ لَمْ يَنَلْ ... سِوَى حَدِّ كَتْمِ السِّرِّ مِنْ ظَنِّهِ ذِكْرُ فَكَاتَمَهُ الْمَكْنُونَ ثُمَّ تَكَاتَمْتَ ... جَوَانِحُهُ فَالْكُلُّ مِنْ بَثِّهِ صُفْرُ ضَنِينٌ بِمَا يَهْوَاهُ مَا لَاحَ لَائِحٌ ... يُقَارِبُهُ إِلَّا احْتَمَى صَوْبَهَا الْفِكْرُ وَمُكْتُتِمٌ وَافَى الضَّمَائِرَ وَامْتَطَى ... لِمُودِعِهِ جَحْدًا وَلَيْسَ بِهِ غَدْرُ لَامَهُمْ تَاجُ الْفَخَارِ ذَكَرْتُهُ ... وَمَنْ شَرْبُهُ فِي حَالَةِ الْمَنْهَلِ الْغَمْرُ فَقَالَ الْجُنَيْدُ: وَاللَّهِ مَا رَمَيْتُ بِسِرِّي إِلَى أَحَدِهِمَا لِأُفَضِّلَهُ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا جَذَبَنِي إِلَيْهِ وَقَدْ أَرْجَأْتُ أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ "
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَنَّادَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ غُلَامًا جَمِيلًا بِبَغْدَادَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أُرَدِّدَ النَّظَرَ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَلْبَسُونَ النِّعَالَ الصَّرَّارَةَ وَتَمْشُونَ فِي الطُّرُقَاتِ؟ قَالَ: أَحْسَنْتَ أَتُحْسِنُ الْعِلْمَ؟، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] تَأَمَّلْ بِعَيْنِ الْحَقِّ إِنْ كُنْتَ نَاظِرًا ... إِلَى صِفَةٍ فِيهَا بَدَائِعُ فَاطِرٍ وَلَا تُعْطِ حَظَّ النَّفْسِ مِنْهَا لِمَا بِهَا ... وَكُنَّ نَاظِرًا بِالْحَقِّ قُدْرَةَ قَادِرِ وَمِنْ مَسَانِيدِ حَدِيثِهِ فِيمَا أَخْبَرَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ غَالِبٍ، فِي كِتَابِهِ وَقَدْ لَقِيتُهُ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّهْقَانُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّورِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْبَغَوِيِّ الصُّوفِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: مَا الَّذِي تَحْفَظُ عَنِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ فَقَالَ: ثنا السَّرِيُّ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، عَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ
، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّهْقَانُ: فَذَهَبْتُ إِلَى السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ مَعْرُوفَ بْنَ فَيْرُوزَ يَقُولُ: خَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الزُّهَّادِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ السَّمَّاكِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، مِثْلَهُ
الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنَيْدُ وَمِنْهُمُ الْمُرَبِّي بِفِنُونِ الْعِلْمِ الْمُؤَيَّدِ بِعُيونِ الْحِلْمِ الْمُنَوَّرُ بِخَالِصِ الْإِيقَانِ وَثَابِتِ الْإِيمَانِ الْعَالِمُ بْمُودَعِ الْكِتَابِ وَالْعَامِلُ بِحِلْمِ الْخِطَابِ، الْمُوَافِقُ فِيهِ لِلْبَيَانِ وَالصَّوَابِ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنَيْدُ: كَانَ كَلَامُهُ بِالنُّصُوصِ مَرْبُوطًا وَبَيَانُهُ بِالْأَدِلَّةِ مَبْسُوطًا،
فَاقَ أَشْكَالَهُ بِالْبَيَانِ الشَّافِي وَاعْتِنَاقِهِ لِلْمَنْهَجِ الْكَافِي وَلُزُومِهِ لِلْعَمَلِ الْوَافِي
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمُفِيدَ يَقُولَانِ: سَمِعْنَا أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ: «عِلْمُنَا مَضْبُوطُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكْتُبِ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ لَا يُقْتَدَى بِهِ» وَكَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، فَأَحْكَمَ الْأُصُولَ وَصَحِبَ الْحَارِثَ بْنَ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيَّ وَخَالَهُ السَّرِيَّ بْنَ مُغَلِّسٍ فَسَلَكَ مَسْلَكَهُمَا فِي التَّحْقِيقِ بِالْعِلْمِ وَاسْتِعْمَالِهِ
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ يَجِيءُ إِلَى مَنْزِلِنَا فَيَقُولُ: اخْرُجْ مَعِي نُصْحِرُ، فَأَقُولُ لَهُ: تُخْرِجُنِي مِنْ عُزْلَتِي وَأَمْنِي عَلَى نَفْسِي إِلَى الطُّرُقَاتِ وَالْآفَاتِ وَرُؤْيَةِ الشَّهَوَاتِ؟، فَيَقُولُ: اخْرُجْ مَعِي وَلَا خَوْفَ عَلَيْكَ، فَأَخْرُجُ مَعَهُ فَكَانَ الطَّرِيقُ فَارِغًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا نَرَى شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَإِذَا حَصُلْتُ مَعَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ قَالَ لِي: سَلْنِي، فَأَقُولُ لَهُ: مَا عِنْدِي سُؤَالٌ أَسْأَلُكَ فَيَقُولُ: سَلْنِي عَمَّا يَقَعُ فِي نَفْسِكَ، فَتَنْثَالُ عَلَيَّ السُّؤَالَاتُ فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا فَيُجِيبُنِي عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَعْمَلُهَا كُتُبًا فَكُنْتُ أَقُولُ
لِلْحَارِثِ كَثِيرًا: عُزْلَتِي وَأُنْسِي وَتُخْرِجُنِي إِلَى وَحْشَةِ رُؤْيَةِ النَّاسِ وَالطُّرُقَاتِ فَيَقُولُ لِي: كَمْ تَقُولُ أُنْسِي وَعُزْلَتِي لَوْ أَنَّ نِصْفَ الْخَلْقِ تَقَرَّبُوا مِنِّي مَا وَجَدْتُ بِهِمْ أُنْسًا وَلَوْ أَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ نَأَوْا عَنِّي مَا اسْتَوْحَشْتُ لِبُعْدِهِمْ "
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ النَّاقِدِ الصُّوفِيِّ صَاحِبِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَطَاءٍ بِبَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَأَقَرَّ بِهِ، قُلْتُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عِقْدِ الْحِكْمَةِ تَعْرِيفُ الْمَصْنُوعِ صَانِعَهُ وَالْمُحْدَثِ كَيْفَ كَانَ أَحْدَثَهُ؟ وَكَيْفَ كَانَ أَوَّلُهُ؟ وَكَيْفَ أُحْدِثَ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ فَيَعْرِفُ صِفَةَ الْخَالِقِ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَصِفَةَ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ، فَيَعْرِفُ الْمَرْبُوبُ رَبَّهُ وْالْمَصْنُوعُ صَانِعَهُ وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ سَيِّدَهُ، فَيَعْبُدُهُ وَيُوَحِّدُهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيَذِلُّ لِدَعْوَتِهِ وَيَعْتَرِفُ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْمُلْكِ لِمَنِ اسْتَوْجَبَهُ وَلَمْ يُضِفِ الْخَلْقَ فِي تَدْبِيرِهِ إِلَى وَلِيِّهِ، وَالتَّوْحِيدُ عِلْمُكَ وَإِقْرَارُكَ بِأَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ فِي أَوَّلِيَّتِهِ، وَأَزَلِيَّتِهِ لَا ثَانِيَ مَعَهُ وَلَا شَيْءَ يَفْعَلُ فِعْلَهُ وَأَفْعَالَهُ الَّتِي أَخْلَصَهَا لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يُسْقِمُ وَلَا يُبْرِئُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يَضَعُ وَلَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يُمِيتُ وَلَا يُحْيِي وَلَا يُسْكِنُ وَلَا يُحَرِّكُ غَيْرُهُ جَلَّ جَلَالُهُ فَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقِيلَ لَهُ: بَيِّنِ التَّوْحِيدَ وَعَلِّمْنَا مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ الْيَقِينُ، فَقِيلَ لَهُ: بَيِّنْ لَنَا فَقَالَ: هُوَ مَعْرِفَتُكَ أَنَّ حَرَكَاتِ الْخَلْقِ وَسُكُونَهَا فِعْلُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ وَحَّدْتَهُ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّكَ جَعَلْتَ اللَّهَ وَاحِدًا فِي أَفْعَالِهِ إِذْ كَانَ لَيْسَ شَيْءٌ يَفْعَلُ أَفْعَالَهُ وَإِنَّمَا الْيَقِينُ اسْمٌ لِلتَّوْحِيدِ إِذَا تَمَّ وَخَلُصَ، وَإِنَّ التَّوْحِيدَ إِذَا تَمَّ تَمَّتِ الْمَحَبَّةُ وَالتَّوَكُّلُ وَسُمِّيَ يَقِينًا، فَالتَّوَكُّلُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالتَّوْحِيدُ قَوْلُ الْعَبْدِ، فَإِذَا عَرَفَ الْقَلْبُ التَّوْحِيدَ وَفَعَلَ مَا عَرَفَ فَقَدْ تَمَّ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ التَّوَكُّلَ نِظَامُ التَّوْحِيدِ فَإِذَا فَعَلَ مَا عَرَفَ فَقَدْ تَمَّ إِيمَانُهُ وَخَلُصَ فَرْضُهُ لِأَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ لَا يَفْعَلُهُ شَيْءً غَيْرُ اللَّهِ ثُمَّ تَخَافُ غَيْرَهُ وَتَرْجُو غَيْرَهُ لَمْ تَأْتِ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي فَلَوْ عَمِلْتَ مَا عَرَفْتَ لَرَجَوْتَ اللَّهَ وَحْدَهُ حِينَ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا
يَفْعَلُ فِعْلَهُ غَيْرُهُ، فَالْقَوْلُ فِيمَنْ يَقْصُرُ عِلْمُ قَلْبِهِ أَنَّهُ نَاقِصُ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مُشْتَغِلٌ بِالْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ آفَةُ التَّوْحِيدِ، قُلْتُ: قِصَرُ عِلْمِ القَلْبِ مَا هُوَ؟ قَالَ: ظَنُّكَ أَنَّ شَيْئًا يَفْعَلُ فِعْلَ اللَّهِ فَاسْمُ ذَلِكَ الظَّنِّ فِتْنَةٌ، وَالْفِتْنَةُ هِيَ الشِّرْكُ اللَّطِيفُ، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ الْفِتْنَةُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ عَلَيْهِ وَمُفْسِدَةٌ لَهُ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ظَنُّكَ بِاللَّهِ إِذْ ظَنَنْتَ أَنَّ مَنْ يَشَاءُ يَفْعَلُ فِعْلَهُ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَطُولُ وَلَكِنْ مَنْ يَفْهَمْ يَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ "
سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ الطُّوسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عُلْوَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ فِيمَا يَعِظُنِي بِهِ: " يَا فَتَى الْزَمِ الْعِلْمَ وَلَوْ وَرَدَ عَلَيْكَ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا وَرَدَ، وَيَكُونُ الْعِلْمُ مَصْحُوبَكَ فَالْأَحْوَالُ تَنْدَرِجُ فِيكَ وَتَنْفَدُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] "
أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " رَأَيْتُ الْجُنَيْدَ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلومُ وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ، وَمَا نَفَعَنَا إِلَّا رُكَيْعَاتٌ كُنَّا نَرْكَعُهَا فِي الْأَسْحَارِ "
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ الدَّرَّاجِ، يَقُولُ ذَكَرَ الْجُنَيْدُ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَمَا يُرَاعُونَهُ مِنَ الْأَوْرَادِ وَالْعِبَادَاتِ بَعْدَ مَا أَلْطَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ فَقَالَ الْجُنَيْدُ: «الْعِبَادَةُ عَلَى الْعَارِفِينَ أَحْسَنُ مِنَ التِّيجَانِ عَلَى رُؤُوسِ الْمُلُوكِ»
أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْفَقِيهُ الْأَسْفِيعَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «الطُّرُقُ كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ عَلَى الْخَلْقِ إِلَّا مَنِ اقْتَفَى أَثَرَ الرَّسُولِ وَاتَّبَعَ سُنَّتَهُ وَلَزِمَ طَرِيقَتَهُ فَإِنَّ طُرُقَ الْخَيْرَاتِ كُلَّهَا مَفْتُوحَةٌ عَلَيْهِ»
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " سَأَلْتُ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَأَسْبَابِهَا فَالْمَعْرِفَةُ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ هِيَ مَعْرِفَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِهَا وَاحِدٌ وَلَكِنْ لَهَا أَوَّلُ وَأَعْلَى فَالْخَاصَّةُ
فِي أَعْلَاهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ مِنْهَا غَايَةً وَلَا نِهَايَةً إِذْ لَا غَايَةَ لِلْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَارِفِينَ وَكَيْفَ تُحِيطُ الْمَعْرِفَةُ بِمَنْ لَا تَلْحَقُهُ الْفِكْرَةُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْأَذْهَانُ وَلَا تُكَيِّفُهُ الرُّؤْيَةُ؟ وَأَعْلَمُ خَلْقِهِ بِهِ أَشَدُّهُمْ إِقْرَارًا بِالْعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِ عَظَمَتِهِ أَوْ تَكَشُّفِ ذَاتِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ مَنْ لَا شَيْءَ مِثْلُهُ إِذْ هُوَ الْقَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ وَإِذْ هُوَ الْأَزِلِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُبْدَأُ وَإِذْ هُوَ الْإِلَهُ وَمَا سِوَاهُ مَأْلُوهٌ وَإِذْ هُوَ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ مُقَوٍّ وَكُلُّ قَوِيٍّ بِقُوَّتِهِ قَوِيٌّ وَإِذْ هُوَ الْعَالِمُ مِنْ غَيْرِ مُعَلِّمٍ، وَلَا فَائِدَةَ اسْتَفَادَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَكُلُّ عَالِمٍ فَبِعِلْمِهِ عَلِمَ، سُبْحَانَهُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ بِدَايَةٍ وَالْبَاقِي إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَصْفَ غَيْرُهُ وَلَا يَلِيقُ بِسِوَاهُ فَأَهْلُ الْخَاصَّةِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي أَعْلَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغُوا مِنْهَا غَايَةً وَلَا نِهَايَةً، وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِهَا وَلَهَا شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ مِنَ الْعَارِفِينَ عَلَى أَعْلَاهَا وَعَلَى أَدْنَاهَا، فَالشَّاهِدُ عَلَى أَدْنَاهَا الْإِقْرَارُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَخَلْعِ الْأَنْدَادِ مِنْ دُونِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَبِكِتَابِهِ وَفَرْضِهِ فِيهِ وَنَهْيِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى أَعْلَاهَا الْقِيَامُ فِيهِ بِحَقِّهِ، وَاتِّقَاؤُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَإِيثَارُهُ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ وَاتِّبَاعُ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَاجْتِنَابُ مَا لَا يُقْرَبُ مِنْهُ، فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي فَضَّلَتِ الْخَاصَّةَ عَلَى الْعَامَّةِ هِيَ عَظِيمُ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِعَظِيمِ الْقَدْرِ وَالْإِجْلَالِ وَالْقُدْرَةِ النَّافِذَةِ وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْآلَاءِ؛ فَعَظُمَ فِي قُلُوبِهِمْ قَدْرُهُ وَقَدْرُ جَلَالَتِهِ، وَهَيْبَتُهُ وَنَفَاذُ قُدْرَتِهِ، وَأَلِيمُ عَذَابِهِ وَشِدَّةُ بَطْشِهِ وَجَزِيلُ ثَوَابِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ بِجَنَّتِهِ وَتَحَنُّنِهِ وَكَثْرَةُ أَيَادِيهِ وَنِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَلَمَّا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ عَظْمُ الْقَادِرُ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَجَلُّوهُ وَهَابُوهُ وَأَحَبُّوهُ وَاسْتَحْيَوْا مِنْهُ وَخَافُوهُ وَرَجَوْهُ فَقَامُوا بِحَقِّهِ وَاجْتَنَبُوا كُلَّ مَا نَهَى عَنْهُ وَأَعْطَوْهُ الْمَجْهُودَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، أَزْعَجَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا اسْتَقَرَّ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ عَظِيمِ الْمَعْرِفَةِ، بِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَقَدْرِ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ فَهُمْ أَهْلُ الْخَاصَّةِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: فُلَانٌ بِاللَّهِ عَارِفٌ، وَفُلَانٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ لَمَّا رَأَوْهُ مُجِلًّا هَائِبًا رَاهِبًا رَاجِيًا طَالِبًا مُشْتَاقًا وَرِعًا مُتَّقِيًا بَاكِيًا حَزِينًا خَاضِعًا مُتَذَلِّلًا، فَلَمَّا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ بِاللَّهِ أَعْرَفُ وَأَعْلَمُ مِنْ
عَوَّامِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وَقَالَ دَاودُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِلَهِي مَا عَلِمَ مَنْ لَمْ يَخْشَكَ فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي فَضُلَتْ بِهَا الْخَاصَّةُ الْعَامَّةَ هِيَ عَظِيمُ الْمَعْرِفَةِ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ وَاسْتَقَرَّتْ وَلَزِمَتِ الْقُلُوبَ صَارَتْ يَقِينًا قَوِيًّا فَكَمُلَتْ حِينَئِذٍ أَخْلَاقُ الْعَبْدِ وَتَطَهَّرَ مِنَ الْأَدْنَاسِ فَنَالَ بِهِ عَظِيمَ الْمَعْرِفَةِ بِعَظِيمِ الْقَدْرِ وَالْجَلَالِ وَالتَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ كَيْفَ خَلَقَهُمْ وَأَتْقَنَ صَنْعَتَهُمْ؟ وَفِي الْمَقَادِيرِ كَيْفَ قَدَّرَهَا فَاتَّسَقَتْ عَلَى الْهَيْئَاتِ الَّتِي هَيَّأَهَا وَالْأَوْقَاتِ الَّتِي وَقَّتَهَا، وَفِي الْأُمُورِ كَيْفَ دَبَّرَهَا عَلَى إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ؟ فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهَا شَيْءٌ عَنِ الْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ وَالِاتِّسَاقِ عَلَى مَشِيئَتِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ النَّظَرَ فِي الْقُدْرَةِ يفْتَحُ بَابَ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ فِي الْقَلْبِ، وَمَرَّ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ بِمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: عِظْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ فَقَالَ: بِمَ أَعِظُكَ؟ إِنَّكَ لَوْ عَرَفْتَ اللَّهَ أَغْنَاكَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ، لَكِنْ عَرَفُوهُ عَلَى دَلَالَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا نَظَرُوا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَدَوَرَانِ هَذَا الْفَلَكِ وَارْتِفَاعِ هَذَا السَّقْفِ بِلَا عَمَدٍ وَمَجَارِي هَذِهِ الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ عَلِمُوا أَنَّ لِذَلِكَ صَانِعًا وَمُدْبِرًا لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ أَعْمَالِ خَلْقِهِ فعَبْدُوهُ بِدَلَائِلِهِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَايَنُوهُ، وَاللَّهُ فِي دَارِ جَلَالِهِ عَنْ رُؤْيَتِهِ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ بِعَظِيمِ قَدْرِهِ أَعْرَفُ وَأَعْلَمُ إِذْ هُمْ لَهُ أَجَلَّ وَأَهْيَبُ "
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ السِّمْسَارَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " اعْلَمْ يَا أَخِي، أَنَّ الْوُصُولَ إِذَا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مَفَاوِزُ مُهْلُكَةٌ وَمَنَاهِلُ مُتْلِفَةٌ لَا تُسْلَكُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا تُقْطَعُ إِلَّا بِدَوَامِ رَحِيلٍ وَأَنَا وَاصِفٌ لَكَ مِنْهَا مَفَازَةً وَاحِدَةً فَافْهَمْ مَا أَنْعَتُهُ لَكَ مِنْهَا وَقِفْ عِنْدَمَا أُشِيرُ لَكَ فِيهَا وَاسْتَمِعْ لِمَا أَقُولُ وَافْهَمْ مَا أَصِفُ: اعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَفَازَةً إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ أُرِيدَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَأَسْتَوْدِعَكَ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْكَ وَاقِيَةً بَاقِيَةً فَإِنَّ الْخَطَرَ فِي سُلُوكِهَا عَظِيمٌ وَالْأَمْرَ الْمَشَاهَدَ فِي الْمَمَرِّ بِهَا جَسِيمٌ فَإِنَّ مِنْ أَوَائِلِهَا أَنْ يُوغَلَ بِكَ فِي فَيْحِ بَرْزَخٍ لَا أَمَدَ لَهُ إِيغَالًا وَيُدْخَلَ بِكَ بِالْهُجُومِ فِيهِ إِدْخَالًا وَتُرْسَلَ فِي جُوَيْهِنَتِهِ إِرْسَالًا، ثُمَّ تَتَخَلَّى مِنْكَ لَكَ وَيَتَخَلَّى مِنْكَ لَهُ فَمَنْ أَنْتَ