حلية الأولياء وطبقات الأصفياءعَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدُوَيْهِ الْعَبْدِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي قِرْصَافَةَ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْبَزَّازَ، يَقُولُ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: " حَجَجْتُ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ حَجَّةً فَجَعَلْتُ ثَوَابَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَلِأَبَوَيَّ، وَبَقِيَتْ حَجَّةً فَنَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ الْمَوْقِفِ بِعَرَفَاتٍ وَضَجِيجِ أَصْوَاتِهِمْ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَؤُلَاءِ أَحَدٌ لَمْ تَقْبَلْ مِنْهُ حَجَّتَهُ فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ هَذِهِ الْحَجَّةَ لِيَكُونَ ثَوَابُهَا لَهُ، قَالَ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَرَأَيْتُ رَبِّيَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ بْنَ الْمُوَفَّقِ عَلَيَّ تَتَسَخَّى؟ قَدْ غَفَرْتُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ وَمَثَلِهِمْ وَأَضْعَافِ ذَلِكَ وَشَفَّعْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي أَهْلُ بَيْتِهِ وَخَاصَّتِهِ وَجِيرَانِهِ وَأَنَا أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ "

وَحُكِيَ لِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخَوَّاصِ الْمِصْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، يَقُولُ: " خَرَجْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى الرَّوَاحِ فَسَأَلَتْنِي أَهْلِي حَاجَةً فَخَرَجْتُ وَأَنَا مَغْمُومٌ بِهَا فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا ابْنَ الْمُوَفَّقِ تَحْزَنُ وَأَنَا لَكَ؟ "

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: يُحْكَى عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ يُوسُفِ الشِّكْلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، يَقُولُ: " حَجَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ فِي مَحْمَلٍ فَرَأَيْتُ رَجَّالَةً فَأَحْبَبْتُ الْمَشْيَ مَعَهُمْ فَنَزَلْتُ وَأَقْعَدْتُ وَاحِدًا فِي مَحْمَلِي وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ فَتَقَدَّمْنَا إِلَى الْبَرِيدِ وَعَدَلْنَا عَنِ الطَّرِيقِ فَنِمْنَا فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي جَوَارِيَ مَعَهُنَّ طُسُوتُ ذَهَبَ وَأَبَارِيقُ فِضَّةٍ يَغْسِلْنَ أَرْجُلَ الْمُشَاةِ فَبَقِيتُ أَنَا فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ لِصَاحِبَتِهَا: لَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ هَذَا لَهُ مَحْمَلٌ، فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحَبَّ الْمَشْيَ مَعَهُمْ، فَغَسَلْنَ رِجْلَيَّ فَذَهَبَ عَنِّي كُلُّ تَعَبٍ كُنْتُ أَجِدُهُ "

أَبُو عُثْمَانَ الْوَرَّاقُ وَأَمَّا أَبُو عُثْمَانَ الْوَرَّاقُ فَلَهُ الْعِبَادَةُ الْمَشْهُورَةُ، كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَحْمَدُ سِيرَتَهُ، كَانَ لِلْفَقْرِ مُعْتَنِقًا وَلَا يَرَى الْإِمْسَاكَ وَالِادِّخَارَ، يَتْبَعُ آثَارَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ صَفْوَةِ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الصُّفَّةِ وَيَقُولُ بِالْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ، أَكْثَرُ نُجُومِ الْبَغْدَادِيِّينَ بِهِ

تَخَرَّجُوا وَعَنْهُ أَخَذُوا التَّجَرُّدَ وَسِيَاسَةَ النُّفُوسِ وَرِيَاضَتَهَا، كَانَ يَجْمَعُ الْمُتَعَبِّدِينَ فِي مَسْجِدِهِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْأَحْكَامَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّقَلُّلِ وَيُؤَاخِي بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيُضِيفُ الضَّعِيفَ إِلَى الْقَوِيِّ وَيُؤَاخِي بَيْنَ الْمُتَكَسِّبِ وَمَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَبَيْنَ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ، وَبَيْنَ الْقَارِئِ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَقْرَأُ لِيُعَلِّمَهُ وَيُلَقِّنَهُ وَلَا يَمْنَعُ الْمُكْتَسِبَ مِنَ الْكَسْبِ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ اجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ فَأَكَلُوا مَوْضِعًا وَاحِدًا وَهُوَ كَأَحَدِهِمْ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَحْضَرَهُ، كَانَ لَا يُبَيِّتُ شَيْئًا، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ وَغَزَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَنْزِلُونَ الْمَسَاجِدَ لَا يَحْضُرُونَ الدَّعَوَاتِ وَالِاجْتِمَاعَ إِنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ قَبِلُوهُ وَبَذَلُوهُ، وَكَانَ يَصُونُ أَصْحَابَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ وَالْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ جَاءَهُ مِمَّنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ قَبِلَهُ لَهُمْ وَكَانَتْ طَرِيقَتُهُ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الْمُرْضِيَةَ

جارٍ التحميل