حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 109-121

وَصْفُهُ فِي مَجْلِسِ مُعَاوِيَةَ

صفحات 109-121

حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقُتِلَ عَامِرُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ: هَذَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَمَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ "

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ نَفَرًا فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَاسْتَجَاشَ عَلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَأَدْرَكُوهُمْ بِبِئْرِ مَعُونَةَ فَقَتَلُوهُمْ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُمُ الْتَمَسُوا جَسَدَ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ دَفَنَتْهُ

حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، كَانَ يَقُولُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْهُمْ: «لَمَّا قُتِلَ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ» قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ

عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِنْهُمُ الطَّاهِرُ الزَّكِيُّ، الْعَاهِدُ الْوَفِيُّ، عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيُّ.
وَفَّى لِلَّهِ تَعَالَى فِي حَيَاتِهِ، فَحَمَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ التَّصَوُّفَ الْمَفَرُّ مِنَ الْبَيْنُونَةِ، إِلَى مَقَرِّ الْكَيْنُونَةِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: " بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرًا سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، فِيهِمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ.
فَلَمَّا كَانُوا بِالرَّجِيعِ اسْتُصْرِخَ عَلَيْهِمْ هُذَيْلٌ.
فَأَمَّا مَرْثَدٌ، وَعَاصِمٌ فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نَقْبَلُ لِمُشْرِكٍ عَهْدًا

وَلَا عَضُدًا أَبَدًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُمْ.
وَكَانَتْ هُذَيْلٌ حِينَ قُتِلَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَرَادُوا رَأْسَهُ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ حِينَ أُصِيبَ ابْنَاهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ تَشْرَبَ فِي قِحْفِ رَأْسِ عَاصِمٍ الْخَمْرَ، فَمَنَعَهُ الدَّبْرُ.
فَلَمَّا حَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فَيَذْهَبُ عَنْهُ ثُمَّ نَأْخُذُهُ، فَبَعَثَ اللهُ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا فَانْطَلَقَ بِهِ.
وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللهَ عَهْدًا لَا يَمَسُّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسُّهُ مُشْرِكٌ تَنَجُّسًا مِنْهُمْ.
فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَهُ: حَفِظَ اللهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ " كَانَ عَاصِمٌ قَدْ وَفَّى لِلَّهِ فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللهُ مِنْهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُمْ فِي حَيَاتِهِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْدَانَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللهِ الزُّهْرِيَّ، أَخْبَرَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيِّ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ، وَحَبِيبَ بْنَ عَدِيٍّ، وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ بِالرَّجِيعِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَمَانًا، إِلَّا عَاصِمٌ فَإِنَّهُ أَبَى وَقَالَ: لَا أَقْبَلُ الْيَوْمَ عَهْدًا مِنْ مُشْرِكٍ، وَدَعَا عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَحْمِي لَكَ الْيَوْمَ دِينَكَ فَاحْمِ لَحْمِي» فَجَعَلَ يُقَاتِلُ وَهُوَ يَقُولُ: [البحر الرجز] مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ إِنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ ... الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ وَكُلُّ مَا حَمَّ الْإِلَهُ نَازِلُ ... بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إِلَيْهِ آيِلُ فَلَمَّا قَتَلُوهُ كَانَ فِي قَلِيبٍ لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا الَّذِي آلَتْ فِيهِ الْمَكِّيَّةُ، وَهِيَ سُلَافَةُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ لَهَا يَوْمَ أُحُدٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، كُلُّهُمْ صَاحِبُ لِوَاءِ قُرَيْشٍ، فَجَعَلَ يَرْمِي وَكَانَ رَامِيًا وَيَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَقْلَحِ، فَحَلَفَتْ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِهِ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَحْتَزُّوا رَأْسَهُ لِيَذْهَبُوا بِهِ إِلَيْهَا، فَبَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رِجلًا مِنْ دَبْرٍ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَجْتَزُّوا رَأْسَهُ "

خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَمِنْهُمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ الْمَصْلُوبُ، الثَّابِتُ الصَّابِرُ فِي ذَاتِ اللهِ الْمَحْبُوبُ.
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ التَّصَوُّفَ إِقَامَةُ الدَّنِفِ الْمُعَذَّبِ، عَلَى حِفَاظِ الْكَلِفِ الْمُهَذَّبِ»

حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الثَّقَفِيِّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: " بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ رَهْطٍ عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَةِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا إِلَيْهِمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ، قَالُوا: نَوَى يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَأُوا إِلَى فَدْفَدٍ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ وَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ لَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا.
فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا وَاللهِ لَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ أُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَ، فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَاتِلُ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ إِيَّاهَا فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا حَتَّى أَتَاهُ، قَالَتْ: وَأَنَا غَافِلَةٌ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، قَالَتْ: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ، مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ

: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا.
ثُمَّ قَالَ: [البحر الطويل] فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلَاةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مَارِيَةَ، مَوْلَاةِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي أَهَابٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَتْ: " كَانَ خُبَيْبٌ قَدْ حُبِسَ فِي بَيْتِي، وَلَقَدِ اطَّلَعْتُ إِلَيْهِ يَوْمًا وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ حَبَّةَ عِنَبٍ تُؤْكَلُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: فَخَرَجُوا بِخُبَيْبٍ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدَعُونِي حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا»، قَالُوا: دُونَكَ فَارْكَعْ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: «وَاللهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنَ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الصَّلَاةِ» ثُمَّ رَفَعُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا أَوْثَقُوهُ قَالَ: «اللهُمَّ إِنَّا قَدْ بَلَّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِكَ، فَبَلِّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُفْعَلُ بِنَا» قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشَّعْرِ قَوْلُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَجْمَعُوا لِصَلْبِهِ، فَقَالَ: [البحر الطويل] لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا ... قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مُجَمَّعِ وَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ... وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ إِلَى اللهِ أَشْكُو كُرْبَتِي بَعْدَ غُرْبَتِي ... وَمَا جَمَّعَ الْأَحْزَابُ لِي حَوْلَ مَصْرَعِي

فَذَا الْعَرْشِ صَبَّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي ... فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتِ دُونَهُ ... وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ وَمَا بِي حَذَارُ الْمَوْتِ أَنِّي مَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حَذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفَّعِ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي

جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَمِنْهُمُ الْخَطِيبُ الْمِقْدَامُ، السَّخِيُّ الْمِطْعَامُ، خَطِيبُ الْعَارِفِينَ، وَمُضِيفُ الْمَسَاكِينِ، وَمُهَاجِرُ الْهِجْرَتَيْنِ، وَمُصَلِّي الْقِبْلَتَيْنِ، الْبَطَلُ الشُّجَاعُ، الْجَوَادُ الشَّعْشَاعُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَارِقُ الْخَلْقِ، وَرَامِقُ الْحَقِّ وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ التَّصَوُّفَ الِانْفِرَادُ بِالْحَقِّ، عَنْ مُلَابَسَةِ الْخَلْقِ»

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَجَمَعُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدِيَّةً، فَقَدِمْنَا وَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَأَتَيَاهُ بِالْهَدِيَّةِ فَقَبِلَهَا وَسَجَدَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَرْضِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَهُمْ فِي أَرْضِكَ، قَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: فِي أَرْضِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَقَالَ لَنَا جَعْفَرٌ: لَا يَتَكَلَّمْ مِنْكُمْ أَحَدٌ، أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ.
فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَارَةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ جُلُوسٌ سِمَاطَيْنِ سِمَاطَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ: إِنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا بَدَرَنَا مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ: اسْجُدُوا لِلْمَلِكِ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: لَا نَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ فِينَا رَسُولًا، وَهُوَ الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَنُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَنُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ

وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ " فَأَعْجَبَ النَّجَاشِيَّ قَوْلُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الْمَلِكَ، إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكُمْ فِي ابْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَ: " يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: هُوَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، أَخْرَجَهُ مِنَ الْبَتُولِ الْعَذْرَاءِ الَّتِي لَمْ يَقْرَبْهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْتَرِضْهَا وَلَدٌ " فَتَنَاوَلَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ مَا يَزِيدُ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا تَقُولُونَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ مَا يَزِنُ هَذِهِ، مَرْحَبًا بِكُمْ، وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أُقَبِّلَ نَعْلَهُ، امْكُثُوا فِي أَرْضِي مَا شِئْتُمْ.
وَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكِسْوَةٍ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى هَذَيْنِ هَدِيَّتَهُمَا " رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ فِي آخَرِينَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ

حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، آمَنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى بَطَارِقَتِهِ، أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا جَاءُوهُ، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا بِهِ فِي دِينِي وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟ قَالَ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ

وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنَّ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ - قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ فَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ كهيعص، فَبَكَى النَّجَاشِيُّ وَاللهِ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا هُوَ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لِيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا فَوَاللهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمَا، وَلَا أَكَادُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ مَسَّكُمْ غَرِمَ، مَنْ مَسَّكُمْ غَرِمَ، مَنْ مَسَّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرَ ذَهَبٍ وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذُ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ.
فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ.
وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَوْدُودٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قَالَ: " انْطَلَقْنَا فَلَمَّا أَتَيْنَا الْبَابَ، يَعْنِي بَابَ النَّجَاشِيِّ، نَادَيْتُ: ائْذَنْ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَنَادَى جَعْفَرٌ مِنْ خَلْفِي: ائْذَنْ لِحِزْبِ اللهِ، فَسَمِعَ صَوْتَهُ، فَأُذِنَ لَهُ قَبْلِي، وَدَخَلْتُ فَإِذَا النَّجَاشِيُّ قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ

، وَجَعْفَرٌ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى الْوَسَائِدِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَقْعَدَهُ حَسَدْتُهُ، فَقَعَدْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّرِيرِ فَجَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِي، وَأَقْعَدْتُ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَمِّي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: " دَعَا النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَعَ لَهُ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ لِجَعْفَرٍ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كهيعص، فَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ فَنَزَلَتْ: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83] "

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّهْرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كُنْتُ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَأَلْصَقُ بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَأَسْتَقْرِي الرَّجُلَ الْآيَةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا»

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيهِ أَبَا الْمَسَاكِينِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ جَعْفَرٍ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرًا فَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ»

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا أَبُو شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَقَدْنَا جَعْفَرًا يَوْمَ مُؤْتَةَ فَطَلَبْنَاهُ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدْنَا بِهِ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ بِضْعًا وَتِسْعِينَ، وَوَجَدْنَا ذَلِكَ فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ»

حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي، أَرْضَعَنِي، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، قَالَ: «وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، ثُمَّ عَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ» وَقَالَ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَأَنْشَأَ جَعْفَرٌ يَقُولُ: [البحر الرجز] يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضَرَابُهَا

عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَمِنْهُمُ الْمُتَفَكِّرُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَالْمُتَصَبِّرُ عِنْدَ تَنَاوَلِ الرَّايَاتِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، اسْتُشْهِدَ بِالْبَلْقَاءِ، زَاهِدًا فِي الْبَقَاءِ، رَاغِبًا فِي اللِّقَاءِ.
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ التَّصَوُّفَ الْوَطْءُ عَلَى جَمْرِ الْغِضَا، إِلَى مَنَازِلِ الْأُنْسِ وَالرِّضَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ ابْنُ رَوَاحَةَ الْخُرُوجَ إِلَى أَرْضِ مُؤْتَةَ مِنَ الشَّامِ، أَتَاهُ الْمُسْلِمُونَ يُوَدِّعُونَهُ فَبَكَى، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا، وَلَا صَبَابَةً لَكُمْ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنِّي وَارِدٌ النَّارَ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ الصَّدَرُ بَعْدَ الْوُرُودِ "

حَدَّثَنَا فَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، ثَنَا زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " زَعَمُوا أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ، بَكَى حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مُؤْتَةَ، فَبَكَى أَهْلُهُ حِينَ رَأَوْهُ يَبْكِي، فَقَالَ: وَاللهِ مَا بَكَيْتُ جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا صَبَابَةً لَكُمْ، وَلَكِنِّي بَكَيْتُ مِنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، فَأَيْقَنْتُ أَنِّي وَارِدُهَا، وَلَمْ أَدْرِ أَأَنْجُو مِنْهَا

أَمْ لَا "

حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: " لَمَّا تَجَهَّزَ النَّاسُ وَتَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ إِلَى مُؤْتَةَ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَحِبَكُمُ اللهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: " [البحر البسيط] لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَكَ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا قَالَ: ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا أَرْضَ الشَّامِ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْمُسْتَعْرِبَةُ مِنْ لَخْمٍ، وَجُذَامٍ، وَبَلْقَيْنَ، وَبَهْرَا، وَبَلِيٍّ، فِي مِائَةِ أَلْفٍ، فَأَقَامُوا لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا: نَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، قَالَ: فَشَجَّعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ يَا قَوْمُ، إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُوَنَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ لَهُ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ، وَمَا نُقَاتِلُ الْعَدُوَّ بِعُدَّةٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إِمَّا ظُهُوَرٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ، قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ، فَمَضَى النَّاسُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ حُدِّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: " كُنْتُ يَتِيمًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخَرَجَ فِي سُفْرَتِهِ تِلْكَ مُرْدِفِي عَلَى حَقِيبَةِ رَاحِلَتِهِ، فَوَاللهِ إِنَّا لَنَسِيرُ لَيْلَةً إِذْ سَمِعْتُهُ يَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِهِ هَذِهِ: [البحر الوافر] إِذَا أَدْنَيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحَسَاءِ فَشَأْنُكِ فَانْعَمِي وَخَلَاكِ ذَمٌّ ... وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي وآبَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي ... بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ وَرَدَّكِ كُلُّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ ... إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعِ الْإِخَاءِ هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رُوَاءً

فَلَمَّا سَمِعْتُهُنَّ بَكَيْتُ، قَالَ: فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ الشَّهَادَةَ وَتَرْجِعُ بَيْنَ شِعْبَتَيِ الرَّحْلِ "

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ قَالَ: " لَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ الرَّايَةَ ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَرَدَّدُ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ: " [البحر الرجز] أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... لَتَنْزِلِنَّهْ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ إِذَا جَلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ ... مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ لَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَيْضًا: يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلَيْتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ

  • يَعْنِي صَاحِبَيْهِ زَيْدًا وَجَعْفَرًا - ثُمَّ نَزَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمِّي بِعَظْمٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ: شِدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَاقَيْتَ مِنْ أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا قَدْ لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْتَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحُطَمَةَ فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ فَقَالَ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: وَلَمَّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي: «أَخَذَ زَيْدٌ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا»، ثُمَّ صَمَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللهِ بَعْضُ مَا يَكْرَهُوَنَ، ثُمَّ قَالَ: «ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا»، ثُمَّ قَالَ: " لَقَدْ رُفِعُوا لِي فِي الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرَرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرِيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْتُ: عَمَّ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ "

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مُثِّلُوا لِي فِي الْجَنَّةِ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَرِيرٍ فَرَأَيْتُ زَيْدًا، وَابْنَ

رَوَاحَةَ فِي أَعْنَاقِهِمَا صُدُودٌ، وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ لَيْسَ فِيهِ صُدُودٌ، قَالَ: فَسَأَلْتُ، أَوْ قَالَ: قِيلَ لِي: إِنَّهُمَا حِينَ غَشِيَهُمَا الْمَوْتُ كَأَنَّهُمَا أَعْرَضَا، أَوْ كَأَنَّهُمَا صَدَّا بُوجُوهِهِمَا، وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ " قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ ابْنُ رَوَاحَةَ: [البحر الرجز] أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... بِطَاعَةٍ مِنْكِ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ فَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... جَعْفَرُ مَا أَطْيَبَ رِيحَ الْجَنَّهْ

أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، الْمُؤَيَّدُ بِالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ، الْمُسْتَشْهِدُ بِأُحُدٍ بَعْدَ تَغَيُّبِهِ عَنْ بَدْرٍ، تَنَسَّمَ بِالرَّوَائِحِ، فَجَادَ بِالْجَوَارِحِ، وَفَازَ بِالْمَنَائِحِ.
وَقَدْ قِيلَ: " إِنَّ التَّصَوُّفَ اسْتِنْشَاقُ النَّسِيمِ، وَالِاشْتِيَاقُ إِلَى التَّسْنِيمِ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، ثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَابَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: " غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ النَّاسُ، قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ - وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى بِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً، مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، قَالَ: فَمَا عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَقُولُ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]: إِنَّهَا فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ "

عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ وَمِنْهُمُ الْأَوَّاهُ التَّالِي، الْمُتَجَرِّدُ مِنَ الْمَعْرُوضِ الْخَالِي، عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ، الْمُؤَاخِي لِلْعُمَرَيْنِ، وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُفْرَتِهِ، وَسَفَحَ عَلَيْهِ مِنْ عَبْرَتِهِ

جارٍ التحميل