وَطَعَامًا وَاشْتَرَى بَعِيرَيْنِ وَغُلَامَيْنِ يَمْتَارَانِ عَلَيْهِمَا حَوَائِجَهُمْ، وَفَرَّقَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ، قَالَ: فَمَا لَبِثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّهُ نَفَذَ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ أَتَيْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَخَذْتَ لَنَا مِنَ الرِّبْحِ فَاشْتَرَيْتَ لَنَا مَكَانَهُ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهَا، قَالَ: ثُمَّ عَاوَدَتْهُ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهَا حَتَّى آذَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتَهُ إِلَّا مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِمَّنْ يَدْخُلُهُ بِدُخُولِهِ فَقَالَ لَهَا: مَا تَصْنَعِينَ؟ إِنَّكِ قَدْ آذَيْتِيهِ، وَإِنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْمَالِ، قَالَ: فَبَكَتْ أَسَفًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكِ، إِنَّهُ كَانَ لِي أَصْحَابٌ فَارَقُونِي مُنْذُ قَرِيبٍ، مَا أُحِبُّ أَنِّي صُدِدْتُ عَنْهُمْ وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ خَيْرَةً مِنْ خَيْرَاتِ الْحِسَانِ اطَّلَعَتْ مِنَ السَّمَاءِ لَأَضَاءَتْ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَقَهَرَ ضَوْءُ وَجْهِهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَلَنَصِيفٌ تُكْسَى خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَلَأَنْتَ أَحْرَى فِي نَفْسِي أَنْ أَدَعَكَ لَهُنَّ مِنْ أَنْ أَدَعُهُنَّ لَكِ " قَالَ: فَسَمَحَتْ وَرَضِيتْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الطُّوسِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَبْدِيُّ، ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، ثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحِمْصَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ جُذَيْمٍ الْجُمَحِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِمْصَ قَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ، كَيْفَ وَجَدْتُمْ عَامِلَكُمْ؟ فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ - وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ حِمْصَ: الْكُوَيْفَةُ الصُّغْرَى لِشِكَايَتِهِمُ الْعُمَّالَ - قَالُوا: نَشْكُو أَرْبَعًا: لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ، قَالَ: أَعْظِمْ بِهَا، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: لَا يُجِيبُ أَحَدًا بِلَيْلٍ، قَالَ: وَعَظِيمَةٌ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَلَهُ يَوْمٌ فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَيْنَا، قَالَ: عَظِيمَةٌ، قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: يَغْنَظُ الْغُنْظَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ - يَعْنِي تَأْخُذُهُ مَوْتَةٌ - قَالَ: فَجَمَعَ عُمَرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَالَ: اللهُمَّ لَا تُقْبَلْ رَأْيِي فِيهِ الْيَوْمَ، مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ، قَالَ: «وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، لَيْسَ لِأَهْلِي خَادِمٌ فَأَعْجِنُ عَجِينِي ثُمَّ أَجْلِسُ حَتَّى يَخْتَمِرَ ثُمَّ أَخْبِزُ خُبْزِي، ثُمَّ أَتَوَضَّأُ ثُمَّ أَخْرَجُ إِلَيْهِمْ» فَقَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: لَا يُجِيبُ أَحَدًا
بِلَيْلٍ، قَالَ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: " إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ، إِنِّي جَعَلْتُ النَّهَارَ لَهُمْ وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَمَا تَشْكُونَ؟ " قَالُوا: إِنَّ لَهُ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا فِيهِ، قَالَ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «لَيْسَ لِي خَادِمٌ يَغْسِلُ ثِيَابِي، وَلَا لِي ثِيَابٌ أُبَدِّلُهَا، فَأَجْلِسُ حَتَّى تَجِفَّ ثُمَّ أَدْلُكُهَا ثُمَّ أَخْرَجُ إِلَيْهِمْ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ» قَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: يَغْنَظُ الْغُنْظَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ، قَالَ: مَا تَقُولُ: قَالَ: " شَهِدْتُ مَصْرَعَ خُبَيْبٍ الْأَنْصَارِيِّ بِمَكَّةَ وَقَدْ بَضَّعَتْ قُرَيْشٌ لَحْمَهُ ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَى جَذَعَةٍ فَقَالُوا: أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِيكَ بِشَوْكَةٍ، ثُمَّ نَادَى: يَا مُحَمَّدُ فَمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتَرْكِي نُصْرَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَنَا مُشْرِكٌ لَا أُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغْفِرُ لِي بِذَلِكَ الذَّنْبِ أَبَدًا، قَالَ: فَتُصِيبُنِي تِلْكَ الْغِنْظَةُ " فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُفَيِّلْ فَرَاسَتِي، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى أَمْرِكَ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا عَنْ خِدْمَتِكَ، فَقَالَ لَهَا: «فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ نَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يَأْتِينَا بِهَا أَحْوَجَ مَا نَكُونُ إِلَيْهَا» قَالَتْ: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَثِقُ بِهِ فَصَرَهَا صُرَرًا ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ بِهَذِهِ إِلَى أَرْمَلَةِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى يَتِيمِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى مِسْكِينِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى مُبْتَلَى آلِ فُلَانٍ، فَبَقِيَتْ مِنْهَا ذَهَبِيَّةٌ فَقَالَ: «أَنْفِقِي هَذِهِ» ثُمَّ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ، فَقَالَتْ: أَلَا تَشْتَرِي لَنَا خَادِمًا، مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْمَالُ؟ قَالَ: «سَيَأْتِيكِ أَحْوَجَ مَا تَكُونِينَ» كَذَا رَوَاهُ حَسَّانُ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ مُرْسَلًا مَوْقُوفًا، وَوَصَلَهُ مَرْفُوعًا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادَةَ، وَمُوسَى الصَّغِيرُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ الْجُمَحِيِّ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُوسَى الصَّغِيرِ، قَالَا: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي جُمَحَ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ جُذَيْمٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُسْتُعْمِلُكَ
عَلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: لَا تَفْتِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَدَعُكَ، قَلَّدْتُمُوهَا فِي عُنُقِي وَتَتْرُكُونَنِي فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَفْرِضُ لَكَ رِزْقًا؟ قَالَ: قَدْ جَعَلَ اللهُ فِي عَطَائِي مَا يَكْفِينِي دُونَهُ، أَوْ فَضْلًا عَلَى مَا أُرِيدُ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ ابْتَاعَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ، وَتَصَدَّقَ بِبَقِيَّتِهِ، فَتَقُولُ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ فَضْلُ عَطَائِكَ؟ فَيَقُولُ: قَدْ أَقْرَضْتُهُ، فَأَتَاهُ نَاسٌ فَقَالُوا: إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَصْهَارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُسْتَأْثِرٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا بِمُلْتَمِسٍ رِضَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لِطَلَبِ الْحُورِ الْعِينِ، لَوِ اطَّلَعَتْ خَيْرٌ مِنْ خَيْرَاتِ الْجَنَّةِ لَأَشْرَقَتْ لَهَا الْأَرْضُ كَمَا تُشْرِقُ الشَّمْسُ، وَمَا أَنَا بِالْمُتَخَلِّفُ عَنِ الْعُنُقِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَجْمَعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ لِلْحِسَابِ فَيَجِئُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ يُزَفُّونَ كَمَا تُزَفُّ الْحَمَامُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قِفُوا عِنْدَ الْحِسَابِ، فَيَقُولُونَ: مَا عِنْدَنَا حِسَابٌ، وَلَا أَتَيْتُمُونَا شَيْئًا، فَيَقُولُ رَبُّهُمْ: صَدَقَ عِبَادِي، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بَابُ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُونَهَا قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِينَ عَامًا "، لَفْظُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُوسَى الصَّغِيرُ فِي حَدِيثِهِ: فَبَلَغَ عُمَرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِهِ كَذَا وَكَذَا لَا يُدَخَّنُ فِي بَيْتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِمَالٍ، فَأَخَذَهُ فَصَرَّهُ صُرَرًا وَتَصَدَّقَ بِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ حَوْرَاءَ أَطْلَعَتْ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهَا لَوَجَدَ رِيحَهَا كُلُّ ذِي رُوحٍ»، فَأَنَا أَدَعَهُنَّ لَكُنَّ، وَاللهِ لَأَنْتُنَّ أَحْرَى أَنْ أَدَعَكُنَّ لَهُنَّ مِنْهُنَّ لَكُنَّ " وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، مُسْنَدًا مُخْتَصَرًا
عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ وَمِنْهُمْ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْحَافِظُ لِلْعَهْدِ، الْوَافِي بِالْوَعْدِ، اللَّقِنُ الْحَفِيظُ، الْخَشِنُ الْغَلِيظُ، جَمَالُ الْوُلَاةِ، وَحُجَّةُ اللهِ عَلَى الرُّعَاةِ، يُقَالُ لَهُ: نَسِيجُ وَحْدِهِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ الْآدَمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ الرَّازِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: " بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَامِلًا عَلَى حِمْصَ، فَمَكَثَ حَوْلًا
لَا يَأْتِيهِ خَبَرُهُ فَقَالَ عُمَرُ لِكَاتِبِهِ: " اكْتُبْ إِلَى عُمَيْرٍ، فَوَاللهِ مَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ خَانَنَا: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَقْبِلْ، وَأَقْبِلْ بِمَا جَبَيْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ تَنْظُرُ فِي كِتَابِي هَذَا " فَأَخَذَ عُمَيْرٌ جَوَابَهُ فَجَعَلَ فِيهِ زَادَهُ وَقَصْعَتَهُ، وَعَلَّقَ إِدَاوَتَهُ، وَأَخَذَ عَنْزَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي مِنْ حِمْصَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقَدِمَ وَقَدْ شَحَبَ لَوْنُهُ، وَاغْبَرَّ وَجْهُهُ، وَطَالَتْ شَعْرَتُهُ، فَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا شَأْنُكَ؟» فَقَالَ عُمَيْرٌ: مَا تَرَى مِنْ شَأْنِي، أَلَسْتَ تَرَانِي صَحِيحَ الْبَدَنِ طَاهِرَ الدَّمِ مَعِيَ الدُّنْيَا أَجُرُّهَا بِقَرْنِهَا؟ قَالَ: " وَمَا مَعَكَ؟ فَظَنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمَالٍ، فَقَالَ: مَعِي جِرَابِي أَجْعَلُ فِيهِ زَادِي، وَقَصْعَتِي آكُلُ فِيهَا وَأَغْسِلُ فِيهَا رَأْسِي وَثِيَابِي، وَإِدَاوَتِي أَحْمِلُ فِيهَا وَضُوئِي وَشَرَابِي، وَعَنْزَتِي أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأُجَاهِدُ بِهَا عَدُوًّا إِنْ عَرَضَ، فَوَاللهِ مَا الدُّنْيَا إِلَّا تَبَعٌ لِمَتَاعِي.
قَالَ عُمَرُ: «فَجِئْتَ تَمْشِي؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا كَانَ لَكَ أَحَدٌ يَتَبَرَّعُ لَكَ بِدَابَّةٍ تَرْكَبُهَا؟» قَالَ: مَا فَعَلُوا، وَمَا سَأَلْتُهُمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: «بِئْسَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ» فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: اتَّقِ اللهَ يَا عُمَرُ، قَدْ نَهَاكَ اللهُ عَنِ الْغِيبَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ عُمَرُ: «فَأَيْنَ بَعَثْتُكَ، وَأَيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟» قَالَ: وَمَا سُؤَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: «سُبْحَانَ اللهِ» فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَمَا لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أَغُمَّكَ مَا أَخْبَرْتُكَ، بَعَثْتَنِي حَتَّى أَتَيْتُ الْبَلَدَ فَجَمَعْتُ صُلَحَاءَ أَهْلِهَا فَوَلَّيْتُهُمْ جِبَايَةَ فَيْئِهِمْ، حَتَّى إِذَا جَمَعُوهُ وَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَوْ نَالَكَ مِنْهُ شَيْءٌ لَأَتَيْتُكَ بِهِ، قَالَ: «فَمَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «جَدِّدُوا لِعُمَيْرٍ عَهْدًا» قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَشَيْءٍ، لَا عَمِلْتُ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ، وَاللهِ مَا سَلِمْتُ، بَلْ لَمْ أَسْلَمْ، لَقَدْ قُلْتُ لِنَصْرَانِي أَيْ أَخْزَاكَ اللهُ، فَهَذَا مَا عَرَّضْتَنِي لَهُ يَا عُمَرُ، وَإِنَّ أَشْقَى أَيَامِي يَوْمُ خَلَفْتُ مَعَكَ يَا عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، قَالَ: وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَمْيَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ انْصَرَفَ عُمَيْرٌ: «مَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ خَانَنَا»، فَبَعَثَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَقَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ إِلَى عُمَيْرٍ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِ كَأَنَّكَ ضَيْفٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَثَرَ شَيْءٍ فَأَقْبِلْ، وَإِنْ رَأَيْتَ حَالَةً شَدِيدَةً فَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ».
فَانْطَلَقَ الْحَارِثُ فَإِذَا هُوَ بِعُمَيْرٍ جَالِسٌ يَفْلِي قَمِيصَهُ إِلَى جَانِبِ الْحَائِطِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: انْزِلْ رَحِمَكَ اللهُ، فَنَزَلَ ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَكَيْفَ تَرَكْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: صَالِحًا، قَالَ: فَكَيْفَ تَرَكْتَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: صَالِحَيْنِ، قَالَ: أَلَيْسَ يُقِيمُ الْحُدُودَ؟ قَالَ: بَلَى، ضَرَبَ ابْنًا لَهُ أَتَى فَاحِشَةً فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: اللهُمَّ أَعِنْ عُمَرَ؛ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا شَدِيدًا حُبُّهُ لَكَ، قَالَ: فَنَزَلَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا قَرْصَةٌ مِنْ شَعِيرٍ كَانُوا يَخُصُّونَهُ بِهَا وَيَطْوُونَ، حَتَّى أَتَاهُمُ الْجَهْدُ فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: إِنَّكَ قَدْ أَجَعْتَنَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَحَوَّلَ عَنَّا فَافْعَلْ.
قَالَ: فَأَخْرَجَ الدَّنَانِيرَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَاسْتَعِنْ بِهَا، قَالَ: فَصَاحَ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، رُدَّهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا، فَقَالَ عُمَيْرٌ: وَاللهِ مَا لِي شَيْءٌ أَجْعَلُهَا فِيهِ، فَشَقَّتِ امْرَأَتُهُ أَسْفَلَ دِرْعِهَا فَأَعْطَتْهُ خِرْقَةً فَجَعَلَهَا فِيهَا ثُمَّ خَرَجَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ الشُّهَدَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ وَالرَّسُولُ يَظُنُّ أَنَّهُ يُعْطِهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: أَقْرِئْ مِنِّي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ.
فَرَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: «مَا رَأَيْتَ؟» قَالَ: رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَالًا شَدِيدًا، قَالَ: فَمَا صَنَعَ بِالدَّنَانِيرِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ «إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَضَعْهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ»، فَأَقْبَلَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَا صَنَعْتَ بِالدَّنَانِيرِ؟» قَالَ: صَنَعْتُ مَا صَنَعْتُ، وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَنْشُدُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرُنِي مَا صَنَعْتَ بِهَا» قَالَ: قَدَّمْتُهَا لِنَفْسِي، قَالَ: «رَحِمَكَ اللهُ» فَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ وَثَوْبَيْنِ، فَقَالَ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَدْ تَرَكْتُ فِي الْمَنْزِلِ صَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، إِلَى أَنْ آكُلَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بِالرِّزْقِ، وَلَمْ يَأْخُذِ الطَّعَامَ، وَأَمَّا الثَّوْبَانِ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّ فُلَانٍ عَارِيَةٌ، فَأَخَذَهُمَا وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ.
فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ هَلَكَ رَحِمَهُ اللهُ فَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَشَقَّ عَلَيْهِ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ يَمْشِي وَمَعَهُ الْمَشَّاءُونَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لِيَتَمَنَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أُمْنِيَتَهُ» فَقَالَ رَجُلٌ: وَدِدْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عِنْدِيَ مَالًا فَأَعْتِقَ لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ آخَرُ: وَدِدْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عِنْدِي مَالًا فَأُنْفِقَ
فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ آخَرُ: وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ لِي قُوَّةً فَأَمْتَحَ بِدَلْوِ زَمْزَمَ لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ: «وَدِدْتُ أَنَّ لِيَ رَجُلًا مِثْلَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ أَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شُعَيْبٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانَ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: أَتَيْنَا عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ فِي دَارِهِ بِفِلَسْطِينَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: نَسِيجُ وَحْدِهِ، فَإِذَا هُوَ عَلَى دُكَّانٍ عَظِيمٍ فِي الدَّارِ، وَفِي الدَّارِ حَوْضٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ، أَوْرِدِ الْخَيْلَ فَأَوْرَدَهَا، فَقَالَ: أَيْنَ الْفُلَانَةُ؟ - قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: سَمَّى الْفَرَسَ فُلَانَةً لِأَنَّهَا أُنْثَى - فَقَالَ: جَرِبَةٌ تَقْطُرُ دَمًا، قَالَ: أَوْرِدْهَا، قَالَ: إِذًا تَجْرَبُ الْخَيْلُ، قَالَ: أَرِدْهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَّ»، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْبَعِيرِ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ فَيُصْبِحُ فِي كَرْكَرَتِهِ أَوْ مَرَاقِّهِ نُكْتَةٌ مِنْ جَرَبٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ " قَالَ الشَّيْخُ: لَا نَعْلَمُ أَسْنَدَ عُمَيْرٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ "