مَضَاءُ بْنُ عِيسَى وَمِنْهُمْ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى الشَّامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ، اجْتَذَبَهُ الْحُبُّ وَاسْتَلَبَهُ الْخَوْفُ
حَقِيرَةٌ عِنْدَ هَيْبَتِهِ وَمِنْ أَشْرَفِ التَّوَاضُعِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ اللَّهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» يَقُولُ: مَنْ تَذَلَّلَ بِالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ بِعِزِّ الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: « [البحر الكامل] مَنَعَ الْقُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ... مُقَلَ الْعُيونِ بِلَيْلِهَا أَنْ تَهْجَعَ فَهِمُوا عَنِ الْمَلِكِ الْكَرِيمِ كَلَامَهُ ... فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ إِسْرَافِيلَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «يَا رَبِّ أَنْتَ الَّذِي دَخَلَ فِي رَحْمَتِكَ كُلُّ شَيْءٍ فَلَمْ تَضِقْ إِلَّا عَمَّنِ ارْتَجَلَهُ الشَّكُّ إِلَى جَحْدِكَ»
قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ ذُو النُّونِ: «إِنَّ الْمُتَكَفِّلَ بِرِزْقِكَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْكَ»
قَالَ: " وَكُنْتُ مَعَ ذِي النُّونِ فِي سَفِينَةٍ وَأَجِدُ فِي فَمِي بِلَّةً فَبَزَقْتُهَا فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: «تَعِسْتَ يَا بَغِيضُ، تَبْزُقُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ»
قَالَ: وَأَنْشَدَنِي ذُو النُّونِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: « [البحر الطويل] مَجَالُ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِرَوْضَةٍ ... سَمَاوِيَّةٍ مِنْ دُونِهَا حُجُبُ الرَّبِّ تَكَنَّفَهَا مِنْ عَالِمِ السِّرِّ قُرْبُهُ ... فَلَوْ قَدَّرَ الْآجَالَ ذَابَتْ مِنَ الْحَبِّ وَأَرْوَى صَدَاهَا كَأْسَ صَرْفٍ بِحُبِّهِ ... وَبَرْدَ نَسِيمٍ جَلَّ عَنْ مُنْتَهَى الْخَطْبِ فَيَا لِقُلُوبٍ قُرِّبَتْ فَتَقَرَّبَتْ ... لِذِي الْعَرْشِ مِمَّا زَيَّنَ الْمُلْكَ بِالْقُرْبِ رَضِيَهَا فَأَرْضَاهَا فَحَازَتْ مَدَى الرِّضَى ... وَحَلَّتْ مِنَ الْمَحْبُوبِ بِالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ لَهَا مِنْ لَطِيفِ الْعَزْمِ عَزْمٌ سَرَتْ بِهِ ... وَتَهَتَّكَ بِالْأَفْكَارِ مَا دَاخِلَ الْحُجُبِ سَرَى سِرُّهَا بَيْنَ الْحَبِيبِ وَبَيْنَهَا ... فَأَضْحَى مَصُونًا عَنْ سِوَى الْقُرْبِ فِي الْقُلُوبِ»
قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «اجْلِسْ إِلَى مَنْ تُكَلِّمُكَ صِفَتُهُ وَلَا تَجْلِسْ إِلَى مَنْ يُكَلِّمُكَ لِسَانُهُ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ " إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا عَامَلُوهُ بِالتَّصْدِيقِ فَقَدْ يَسْلَمُونَ مِنْ طَرِيقٍ دَقِيقٍ، وَيُفْتَحُ لَهُمْ حِجَابُ الْمَضِيقِ، وَيُسَامِحُهُمُ الشَّفِيقُ الرَّفِيقُ، جَعَلُوا الصِّيَامَ غِذَاءً
لَمَّا سَمِعُوهُ يَقُولُ: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: 52] فَهُمْ غَدًا يَسْكُنُونَ مَعَ الْحُورِ فِي الشُّرُفَاتِ، وَيَأْكُلُونَ مِمَّا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ مَعَ الْقَاصِرَاتِ، وَقَدْ أَتَاهُمْ جِبْرِيلُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ صَاحِبِ السَّمَاوَاتِ، فَمَنْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَقَدْ كَشَفَ لَهُمُ الْحِجَابَ عَالِمُ السِّرِّ وَالْخَفِيَّاتِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ الْبِرِّ وَالْكَرَامَاتِ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا عَلِمُوا الطَّرِيقَ إِلَيْهِ وَالْوُقُوفَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَثَارَتِ الْقُلُوبُ إِلَى مَحْجُوبِ الْغُيوبِ فَجُرِّعُوا مَرَارَةَ مَذَاقِ خَوْفٍ وَاسْتَعْمَلُوا الظَّلَامَ فِي رِضَى صَاحِبِ السَّمَاوَاتِ، فَسَقَاهُمْ مِنْ أَعْيُنِ الْعِلْمِ وَالزِّيَادَاتِ وَغَوَّصَهُمْ فِي بِحَارِ السَّلَامَاتِ، فَهُمْ غَدًا يَسْلَمُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّلَازِلِ وَالسَّطَوَاتِ وَيَسْكُنُونَ الْغُرُفَاتِ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ بَحْرٍ الْأَسَدِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَعَبِّدِينَ: كُنْتُ مَعَ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ لِمَ صَارَ الْوقُوفُ بِالْجَبَلِ وَلَمْ يَصِرْ بِالْكَعْبَةِ، قَالَ: «لِأَنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللَّهِ وَالْجَبَلُ بَابُ اللَّهِ، فَلَمَّا قَصَدُوهُ وَافِدِينَ أَوْقَفَهُمْ بِالْبَابِ يَتَضَرَّعُونَ».
فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَالْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَيْفَ صَارَ بِالْحَرَمِ قَالَ: «لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ أَوْقَفَهُمْ بِالْحِجَابِ الثَّانِي وَهِيَ الْمُزْدَلِفَةُ، فَلَمَّا طَالَ تَضَرُّعُهُمْ أَمَرَهُمْ بِتَقْرِيبِ قُرْبَانِهِمْ فَتَطَهَّرُوا بِهَا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ حِجَابًا دُونَهُ، وَأَذِنَ بِالزِّيَارَةِ إِلَيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ».
قِيلَ لَهُ: فَلِمَ كُرِهَ الصَّوْمُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ: «لِأَنَّ الْقَوْمَ زَارُوا اللَّهَ وَهُمْ فِي ضِيَافَتِهِ وَلَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ أَنْ يَصُومَ عِنْدَ مَنْ أَضَافَهُ»، قِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَتَعَلُّقُ الرَّجُلِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ لِأَيِّ مَعْنًى؟ قَالَ: «هُوَ مِثْلُ الرَّجُلِ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ جِنَايَةٌ فَيَتَعَلَّقُ بِثَوْبِهِ وَيَسْتَجْدِي لَهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ لِيَهَبَ لَهُ جُرْمَهُ وَجِنَايَتَهُ»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ سَعْدُونَ فِي مَقْبَرَةِ الْبَصْرَةِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَهُوَ ينَاجِي رَبَّهُ وَيَقُولُ بِصَوْتٍ عَالٍ: «أَحَدٌ أَحَدٌ»، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: بِحَقِّ مَنْ نَاجَيْتَهُ
إِلَّا وَقَفْتَ، فَوَقَفَ، ثُمَّ قَالَ لِي: «قُلْ وَأَوْجِزْ»، قُلْتُ: تُوصِينِي بِوَصِيَّةٍ أَحْفَظُهَا مِنْكَ وَتَدْعُو لِي بِدَعْوَةٍ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ « [البحر المنسرح] يَا طَالِبَ الْعِلْمِ هَاهُنَا وَهُنَا ... وَمَعْدِنُ الْعِلْمِ مِنْ جَنْبَيْكَا إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الْجِنَانَ تَسْكُنُهَا ... فَاذْرِفِ الدَّمْعَ فَوْقَ خَدَّيْكَا وَقُمْ إِذَا قَامَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ ... تَدَعُوهُ كَيْ مَا يَقُولَ لَبَّيْكَا» ثُمَّ مَضَى وَقَالَ: «يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ أَغِثْنِي»، فَقُلْتُ لَهُ: ارْفُقْ بِنَفْسِكَ فَلَعَلَّهُ يَلْحَظُكَ لَحْظَةً فَيَغْفِرُ لَكَ، فَصَرَفَ يَدَهُ مِنْ يَدِي وَعَدَا وَهُوَ يَقُولُ: « [البحر الوافر] آنَسْتُ بِهِ فَلَا أَبْغِي سِوَاهُ ... مَخَافَةَ أَنْ أَضِلَّ فَلَا أَرَاهُ فَحَسْبُكَ حَسْرَةً وَضَنًا وَسَقَمًا ... بَطَرْدِكَ مِنْ مَجَالِسِ أَوْلَيَاهُ»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَأَنَا حَاضِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: قَالَ الْفَتْحُ بْنُ شُخْرُفٍ: " كَانَ سَعْدُونُ صَاحِبَ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ لَهَجَ بِالْقَوْلِ، صَامَ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى خَفَّ دِمَاغُهُ فَسَمَّاهُ النَّاسُ مَجْنُونًا لِتَرَدُّدِ قَوْلِهِ فِي الْمَحَبَّةِ، قَالَ الْفَتْحُ: فَغَابَ عَنَّا زَمَانًا وَكُنْتُ إِلَى لِقَائِهِ مُشْتَاقًا لِمَا كَانَ وُصِفَ لِي مِنْ حِكْمَةِ قَوْلِهِ فَبَيْنَا أَنَا بِفُسْطَاطِ مِصْرَ قَائِمًا عَلَى حَلْقَةِ ذِي النُّونِ فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَكْتُوبُ: لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ.
وَذُو النُّونِ يُكَلِّمُ فِي عِلْمِ الْبَاطِنِ، فَنَادَاهُ سَعْدُونُ: مَتَى يَكُونُ الْقَلْبُ أَمِيرًا بَعْدَ مَا كَانَ أَسِيرًا؟ فَقَالَ ذُو النُّونِ: إِذَا اطَّلَعَ الْخَبِيرُ عَلَى الضَّمِيرِ فَلَمْ يَرَ فِي الضَّمِيرِ إِلَّا حُبَّهُ لِأَنَّهُ الْجَلِيلُ الْعَزِيزُ.
قَالَ: فَصَرَخَ صَرْخَةً خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ غَشِيَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
وَلَا خَيْرَ فِي شَكْوَى إِلَى غَيْرِ مُشْتَكًى ... وَلَا بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ
ثُمَّ قَالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ غَلَبَ عَلَيَّ حَبِيبِي وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْفَيْضِ: إِنَّ مِنَ الْقُلُوبِ قُلُوبًا تَسْتَغْفِرُ قَبْلَ أَنْ تُذْنِبَ؟ قَالَ: نَعَمْ تِلْكَ قُلُوبٌ تُثَابُ قَبْلَ أَنْ تُطِيعَ.
قَالَ أَبَا الْفَيْضِ اشْرَحْ لِي ذَلِكَ.
قَالَ: يَا سَعْدُونُ أُولَئِكَ أَقْوَامٌ أَشْرَقَتْ قُلُوبُهُمْ بِضَيَاءِ رُوحِ الْيَقِينِ فَهُمْ قَدْ قَطَعُوا النُّفُوسَ مِنْ رُوحِ الشَّهَوَاتِ فَهُمْ رُهْبَانٌ مِنَ الرَّهَّابِينَ وَمُلُوكٌ فِي الْعُبَّادِ، وَأُمَرَاءُ فِي
الزُّهَّادِ لِلْغَيْثِ الَّذِي مُطِرَ فِي قُلُوبِهِمِ الْمُولَهَةُ بِالْقَدُومِ إِلَى اللَّهِ شَوْقًا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَنِسَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَا مُسْتَرْزِقٌ مِنْ مَرْزُوقٍ، فَهُوَ بَيْنَ الْمَلَأِ حَقِيرٌ ذَلِيلٌ وَعِنْدَ اللَّهِ خَطِيرٌ جَلِيلٌ، قَالَ: يَا ذَا النُّونِ فَمَتَى نَصِلُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعْدُونُ صَحِّحِ الْعَزْمَ بِطَرْحِ الْأَذَى وَسَلِ الَّذِي بِسَيَاسَتِهِ تَوَلَّى.
قَالَ الْفَتْحُ: فَأَدْخَلَ سَعْدُونُ رَأْسَهُ فِيمَا بَيْنَ الْحَلْقَةِ فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرَّازِيِّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ، قَالَ ذُو النُّونِ: « [البحر الطويل] يَجُولُ الْغِنَى وَالْعِزُّ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... لِيَسْتَوْطِنَا قِبَلَ امْرِئٍ إِنْ تَوَكَّلَا وَمَنْ يَتَوَكَّلْ كَانَ مَوْلَاهُ حَسْبَهُ ... وَكَانَ لَهُ فِيمَا يُحَاوِلُ مَعْقِلَا»
قَالَ: وَقَالَ ذُو النُّونِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: « [البحر السريع] لَبِسْتُ بِالْعِفَّةِ ثَوْبَ الْغَنِيِّ ... فَصِرْتُ أَمْشِي شَامِخَ الرَّاسِ أَنْطَقَ لِي الصَّبْرُ لِسَانِي ... فَمَا أَخْضَعُ بِالْقَوْلِ لِجُلَّاسِي إِذَا رَأَيْتُ التِّيهَ مِنْ ذِي الْغِنَا ... تُهْتُ عَلَى التَّائِهِ بِالْيَأْسِ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيَّ، بِبَغْدَادَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مَا طَابَتِ الدُّنْيَا إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَلَا طَابَتِ الْآخِرَةُ إِلَّا بِعَفْوِهِ، وَلَا طَابَتِ الْجِنَانُ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعِ الْجَنَّةَ أَعْدَاءَهُ بُخْلًا وَلَكِنْ صَانَ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ الَّذِينَ عَصَوْهُ»
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سُئِلَ ذُو النُّونِ عَنِ السَّفَلَةِ، مَنْ هُوَ قَالَ: «مَنْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَتَعَرَّفْهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: سُئِلَ ذُو النُّونِ مَا لَنَا لَا نَقْوَى عَلَى النَّوَافِلِ؟ قَالَ: «لِأَنَّكُمْ لَا تُصِحُّونَ الْفَرَائِضَ»
وَقِيلَ: مَنْ أَدْوَمُ النَّاسِ ذَنْبًا؟ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَا فَانِيَةٍ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «قُلْ لِمَنْ أَظْهَرَ حُبَّ اللَّهِ احْذَرْ أَنْ تَذِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمِنْ عَلَامَةِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ»
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ذَا النُّونِ عَنْ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَكَمَالِ الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: " إِذَا كُنْتَ قَائِمًا بِمَا أُمِرْتَ بِهِ تَارِكًا لِتَكَلُّفِ مَا كُفِيتَ فَأَنْتَ كَامِلُ الْعَقْلِ، وَإِذَا كُنْتَ مُتَعَلِّقًا بِاللَّهِ فِي أَحْوَالِكَ لَا بِأَعْمَالِكَ غَيْرُ نَاظِرٍ إِلَى سِوَاهُ فَأَنْتَ كَامِلُ الْمَعْرِفَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «طُوبَى لِمَنْ كَانَ شِعَارُ قَلْبِهِ الْوَرَعُ، وَلَمْ يُعْمِ بَصَرَ قَلْبِهِ الطَّمَعُ، وَكَانَ مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ فِيمَا صَنَعَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «إِنَّمَا يُخْتَبَرُ ذُو الْبَأْسِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَذُو الْأَمَانَةِ عِنْدَ الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، وَذُو الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ عِنْدَ الْفَاقَةِ وَالْبَلَاءِ، وَالْإِخْوَانُ عِنْدَ نَوَائِبِ الْقَضَاءِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقَائِقِ فِي حَقَائِقِهِمْ أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مَفْقُودٍ فَيُطْلَبُ، وَلَا ذُو غَايَةٍ فَيُدْرَكُ، فَمَنْ أَدْرَكَ مَوْجُودًا فَهُوَ بِالْمَوْجُودِ مَغْرُورٌ، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ عِنْدَنَا مَعْرِفَةٌ، وَكَشْفُ عِلْمٍ بِالْأَعْمَالِ»
حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ ظُفُرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الثَّعْلَبِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ الْفَرْغَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَلَبِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْفَرَضِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «الْبَلَاءُ مِلْحُ الْمُؤْمِنِ إِذَا عُدِمَ الْبَلَاءَ فَسَدَ حَالُهُ»
حَدَّثَنَا ظُفُرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «لَا يَرَى اللَّهَ شَيْءٌ فَيَمُوتُ كَمَا لَمْ يَرَهُ شَيْءٌ فَيَعِيشُ، لِأَنَّ حَيَاتَهُ بَاقِيَةٌ يَبْقَى بِهَا مَنْ يَرَاهَا»
قَالَ: وَسَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ: «تَكَلَّمَ النَّاسُ مِنْ عَيْنِ الْأَعْمَالِ وَتَكَلَّمْتُ مِنْ عَيْنِ الْمِنَّةِ»
حَدَّثَنَا ظُفُرٌ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " سَمِعْتُ عَابِدًا يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَبْصَرُوا فَنَظَرُوا، فَلَمَّا نَظَرُوا عَقَلُوا، فَلَمَّا عَقَلُوا عَلِمُوا، فَلَمَّا عَلِمُوا عَمِلُوا، فَلَمَّا عَمِلُوا انْتَفَعُوا، رُفِعَ الْحِجَابُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَنَظَرُوا بِأَبْصَارِ قُلُوبِهِمْ إِلَى مَا ذُخِرَ لَهُمْ مِنْ خَفِيِّ مَحْجُوبِ الْغُيوبِ فَقَطَعُوا كُلَّ مَحْجُوبٍ، وَكَانَ هُوَ الْمُنَى وَالْمَطْلُوبَ "
حَدَّثَنَا ظُفُرٌ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَوَّلِ دَرَجَةٍ يَلْقَاهَا الْعَارِفُ، قَالَ: «التَّحَيُّرُ ثُمَّ الِافْتِقَارُ، ثُمَّ الِاتِّصَالُ، ثُمَّ انْتَهَى عَقْلُ الْعُقَلَاءِ إِلَى الْحِيرَةِ»، قَالَ: وَسُئِلَ ذُو النُّونِ: مَا أَغْلَبُ الْأَحْوَالِ عَلَى الْعَارِفِ؟ قَالَ: «حُبُّهُ وَالْحُبُّ فِيهِ وَنَشْرُ الْآلَاءِ وَهِيَ الْأَحْوَالُ الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ»
حَدَّثَنَا ظُفُرٌ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مَا أَعَزَّ اللَّهُ عَبْدًا بِعِزٍّ هُوَ أَعَزُّ لَهُ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُ عَلَى ذُلِّ نَفْسِهِ، وَمَا أَذَلَّ اللَّهُ عَبْدًا بِذُلٍّ هُوَ أَذَلُّ لَهُ مِنْ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْ ذُلِّ نَفْسِهِ»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيِّ، ثنا يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْفَتْحِ بْنِ شُخْرُفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " خَرَجْتُ فِي طَلَبِ الْمُبَاحِ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ الْوَلَهِ، وَخَرَجَ عَلَى سَاحِلِ الْكَمَدِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْإِصْرَارَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ لُؤْمٌ، وَتَرْكِي الِاسْتِغْفَارَ مَعَ مَعْرِفَتِي بِسِعَةِ عَفْوِكَ عَجْزٌ، يَا إِلَهِي أَنْتَ خَصَّصْتَ خَصَائِصَكَ بِخَالِصِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنْتَ الَّذِي تَضِنَّ بِضَنَائِنِكَ عَنْ شَوَائِبِ الِانْتِقَاصِ، وَأَنْتَ الَّذِي سَلَّمْتَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ عَنِ اعْتِرَاضِ الْوَسْوَاسِ، وَأَنْتَ الَّذِي آنَسْتَ الْآنِسِينَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ فَأَعْطَيْتَهُمْ كِفَايَةَ رِعَايَةِ وِلَايَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، تَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ وَتَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَسِرِّي عِنْدَكَ مَكْشُوفٌ، وَأَنَا إِلَيْكَ مَلْهُوفٌ، وَأَنْتَ بِالْإِحْسَانِ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ سَكَتَ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُذَكِّرُ، ثنا
الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: " خَرَجْتُ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَبَيْنَا أَنَا بِالطَّوَافِ إِذَا بِشَخْصٍ مُتَعَلِّقٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَإِذَا هُوَ يَبْكِي وَهُوَ يَقُولُ فِي بُكَائِهِ: كَتَمْتُ بَلَائِي مِنْ غَيْرِكَ وَبُحْتُ بِسِرِّي إِلَيْكَ، وَاشْتَغَلْتُ بِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، عَجِبْتُ لِمَنْ عَرَفَكَ كَيْفَ يَسْلُو عَنْكَ، وَلِمَنْ ذَاقَ حُبَّكَ كَيْفَ يَصْبِرُ عَنْكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الكامل] ذَوَّقْتَنِي طِيبَ الْوِصَالِ فَزِدْتَنِي ... شَوْقًا إِلَيْكَ مُخَامِرَ الْحَسَرَاتِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَمْهَلَكِ فَمَا ارْعَوَيْتِ، وَسَتَرَ عَلَيْكِ فَمَا اسْتَحَيَيْتِ، وَسَلَبَكِ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ فَمَا بَالَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: عَزِيزِي مَا لِي إِذَا قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ أَلْقَيْتَ عَلَيَّ النُّعَاسَ، وَمَنَعْتَنِي حَلَاوَةَ قُرَّةِ عَيْنِي لَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: رَوَّعْتَ قَلْبِي بِالْفِرَاقِ فَلَمْ أَجِدْ ... شَيْئًا أَمَرَّ مِنَ الْفِرَاقِ وَأَوْجَعَا حَسْبُ الْفِرَاقِ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَنَا ... وَأَطَالَ مَا قَدْ كُنْتُ مِنْهُ مُوَدَّعَا قَالَ: فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ أَتَيْتُ الْكَعْبَةَ مُسْتَخْفِيًا، فَلَمَّا أَحَسَّ تَحَلَّلَ بِخِمَارٍ كَانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ذَا النُّونِ غُضَّ بَصَرَكَ مِنْ مَوَاقِعِ النَّظَرِ فَإِنِّي حَرَامٌ، فَعَلِمْتُ أَنَّهَا امْرَأَةٌ، فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ مِمَّ يَحْوِي الْهُمُومَ قَلْبُ الْمُحِبِّ؟ فَقَالَتْ: إِذَا كَانَتِ لِلتَّذْكَارِ مُحَاوَرَةً، وَلِلشَّوْقِ مُحَاضِرَةً، يَا ذَا النُّونِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الشَّوْقَ يُورِثُ السَّقَامَ، وَتَجْدِيدَ التَّذْكَارِ يُورِثُ الْأَحْزَانَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: [البحر المديد] لَمْ أَذُقْ طَعْمَ وَصْلِكَ حَتَّى ... زَالَ عَنِّي مَحَبَّتِي لِلْأَنَامِ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: نِعْمَ الْمُحِبُّ إِذَا تَزَايَدَ وَصْلُهُ ... وَعَلَتْ مَحَبَّتُهُ بِعُقْبِ وِصَالِ فَقَالَتْ: أَوْجَعْتَنِي، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَرْكِ مَنْ دُونَهُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا أَبُو عِصْمَةَ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ ذِي النُّونِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فَتًى حَسَنٌ يُمْلِي عَلَيْهِ شَيْئًا قَالَ: فَمَرَّتِ امْرَأَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَخُلُقٍ قَالَ فَجَعَلَ الْفَتَى يُسَارِقُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، قَالَ: فَفَطِنَ ذُو النُّونِ فَلَوى عُنُقَ الْفَتَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ: دَعِ الْمَصُوغَاتِ مِنْ مَاءٍ وَطِينِ ... وَاشْغَلْ هَوَاكَ بِحُورٍ عِينِ "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ الْعَلَاءِ، يَقُولُ: قَالَ ذُو النُّونِ «مَنْ تَطَأْطَأَ لَقَطَ رُطَبًا، وَمَنْ تَعَالَى لَقِيَ عَطَبًا»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «حُرْمَةُ الْجَلِيسِ أَنْ تَسُرَّهُ فَإِنْ لَمْ تَسُرَّهُ فَلَا تَسُؤْهُ، لَمْ يَكْسِبْ مَحَبَّةَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إِلَّا رَجُلٌ خَفِيفُ الْمُرُونَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنُ الْقَوْلِ فِيهِمْ وَأَطَابَ الْعِشْرَةَ مَعَهُمْ»
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَبُو الْفَضْلِ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ، يَقُولُ: «مُعَاشَرَةُ الْعَارِفِ كَمُعَاشَرَةِ اللَّهِ يَحْتَمِلُكَ وَيَحْلُمُ عَنْكَ تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ الْجَمِيلَةِ»