حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 295-297

ذِكْرُ جَلَالَتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَنَبَالَتِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ

صفحات 295-297

الْمَعْقُودِ وَفَضِيلَةِ الْإِلْهَامِ فِي الْمَلَكُوتِ وَدِلَالَةِ الْعِلْمِ وَمُسَاعَدَةِ التَّوْفِيقِ وَعِنَايَةِ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ وَالتَّدْبِيرِ لِلِاخْتِبَارِ وَالْفِكْرِ فِي الِاعْتِبَارِ وَطَنِ الْأَذْكَارِ وَغَائِصِ الْفَهْمِ.
وَنَفَاذُ مَعْرِفَةِ الْإِلْهَامِ فِي الْمَلَكُوتِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَفِيمَا ذَكَرْنَا آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ مِنَ الْعُقَلَاءِ، فَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى أُولِي الْأَلْبَابِ لِلتَّدْبِيرِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ شَوَاهِدِ آثَارِ قُدْرَتِهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَخَالِصِ تَوْحِيدِهِ وَلُطْفِ صُنْعِهِ بِأَنَّهُ بَارِئُ الْبَرَايَا.
وَأَمَّا مَا نُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِكْرِ مِنْ بَعْدِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20] قَالَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] فَالْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مَحْمُودَةٌ وَحَالَتَانِ مَذْمُومَتَانِ: الْحَالَةُ الْمَحْمُودَةُ مَا دَخَلَ إِلَيْهِ اللُّطْفُ وَدَلَّكَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْعِلْمُ.
وَالْحَالَتَانِ المَذْمُومَتَانِ: الْغَفْلَةُ وَالْأَمْنُ.
وَالحَوَاسُّ خَمْسٌ وَسَادِسُهَا الْمَلِكُ وَهُوَ الْقَلْبُ.
فَالحَوَاسُّ الْمُؤَدِّيَةُ لِلْأَخْبَارِ فَعَلَى قَدْرِ مَا أَدَّتِ الحَوَاسُّ مِنَ الْأَخْبَارِ يَكُونُ تَدْبِيرُ الْمَلِكِ، وَمَنْ خَافَ ضَرَرَ أَحْوَالِ الْغَفْلَةِ مِنْ قَلْبِهِ أَكْثَرَ التَّفَقُّدَ مِنْ قَلْبِهِ، وَمَنْ عَرَضَ أَحْوَالَهُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ تَكْذِبْهُ صِحَّةُ النَّظَرِ، وَمَنْ قَدَّمَ النَّظَرَ أَمَامَ الْبَصَرِ أَفَادَهُ النَّظَرُ بَصَرًا.
قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى النَّظَرِ؟ قَالَ: تَدَبُّرُ الْخَيْرِ إِذَا وَرَدَ وَمَعْرِفَتُهُ إِذَا صَدَرَ.
قُلْتُ: فَإِذَا أَفَادَهُ النَّظَرُ بَصَرًا يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: يُصْبِحُ بِالنَّظَرِ بَصِيرًا فَيُوضِّحُ لَهُ الْبَصَرُ الْيَقِينَ بمَحْمُودِ الْعَوَاقِبِ فَيَحْتَمِلُ لِذَلِكَ مَئُونَةَ الْعَمَلِ قَبْلَ ابْتِغَاءِ الثَّوَابِ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُوقِفَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُؤَمِّلُ وَيَسْتَجِرَّهَا فِي يَوْمِهَا وَيُبَصِّرُهَا مَا يَرْتَجِيهِ فِي غَدِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُلْقِي إِلَيْهِ نَفْسُهُ مَعَاذِيرَ الْعَجْزِ عِنْدَمَا صَدَقَهَا الْعَبْدُ.
فَالْحَلِيمُ لَا يُخْدَعُ، وَالْعَاقِلُ لَا يَغُشُّ نَفْسَهُ، وَمَنْ فَكَّرَ أُلْهِمَ، وَمَنْ أُلْهِمَ اسْتَحْكَمَ الْأُمُورَ وَالْعَقْلَ، وَفِي الْعِنَايَةِ هَمٌّ وَفِي الْفَرَحِ تَحْصِيلُ الْأَعْمَالِ وَسُرُورُ الْأَبْرَارِ، وَلِكُلِّ شَرٍّ مَظَانٌّ يَعْقُبُ فِيهِ السُّرُورُ عِنْدَهُ أَوِ الْهُمُومُ، بِإِغْفَالِ الْحَذَرِ تُصَابُ الْمَقَاتِلُ، وَمَنْ أَمْكَنَ عَدُوَّهُ بِسِلَاحِ نَفْسِهِ قُتِلَ، فَفُطِرَتِ النُّفُوسُ عَلَى قَبُولِ الْحَقِّ فَعَارَضَهَا الْهَوَى فَاسْتَمَالَهَا فَآثَرَتِ الْحَقَّ بِالدَّعْوى وَآثَرَتِ أَعْمَالَهَا بِالْهَوَى.
وَلَا يُسْتَحَقُّ الْمَأْمُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا يُوصِلُ إِلَى فَهْمِ الْمَعْرِفَةِ أَجْنَاسُهَا، كَمَا

يَصِلُ التَّاجِرُ إِلَى أَرْبَاحِ الثِّيَابِ بِمَعْرِفَةِ أَصْنَافِهَا، وَبِقُوَّةِ الْعَزْمِ يُقْهَرُ الْهَوَى، وَلَا يَصِلُ إِلَى الشَّيْءِ بِضِدِّهِ وَلَا يَكُونُ مَنْ تَرَكَ الشَّيْءَ أَخَذَهُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ يَتَعَطَّلُ وَيَضْمَحِلُّ الشَّكُّ، وَبِأَدْنَى الشَّكِّ يَضْمَحِلُّ الْيَقِينُ، وَاسْتَقَرَّ مَنَارُ الْهُدَى بِالْأَنْبِيَاءِ، وَقَامَتْ حِجَجُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأُوِلِي الْعُقُولِ، فَآخِذٌ بِحَظِّهِ وَمُضَيِّعٌ لِنَفْسِهِ، فَلَا حَمْدَ لِآخِذٍ وَلَا عُذْرَ لِتَارِكٍ، فَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كِتَابُهُ "

حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، قَالَا: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْأَنْطَاكِيِّ، قَالَ: «اعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ مَنْ قَلَّ صَبْرُهُ عَلَى عِلَاجِ عَدُوِّهِ لِنَجَاتِهِ بَلْ سَاعَدَ عَدُوَّهُ عَلَى مُجَاهَدَتِهِ، فَذَلِكَ أَهْلٌ أَنْ يَضْحَكَ بِهِ الضَّاحِكُونَ، وَالْكَلَامُ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ وَجَوْهَرُهُ عَزِيزٌ مَفْقُودٌ، فَإِنَّ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ الَّذِي يُحْتَاجُ مِنْهُ الْقَلِيلُ، وَالْأَعْمَالُ كَثِيرَةٌ وَالصِّدْقُ فِي الْأَعْمَالِ قَلِيلٌ، وَالْأَشْجَارُ كَثِيرَةٌ وَطَيِّبُ ثَمَرَتِهَا قَلِيلٌ، وَالْبِشْرُ كَثِيرٌ وَأَهْلُ الْعُقُولِ قَلِيلٌ، فَاسْتَدْرِكْ مَا قَدْ فَاتَ بِمَا بَقِيَ، وَاسْتَصْلِحْ مَا قَدْ فَسَدَ فِيمَا بَقِيَ أَوْ وَضَحَ، وَبَادِرْ فِي مُهْلَتِكَ قَبْلَ الْأَخْذِ بِالْكَظْمِ، وَأَعِدَّ الْجَوَّابَ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدْ وَجَدْتُكَ تُعِدُّ الْجَوَابَاتِ لِحُكَّامِ الدُّنْيَا قَبْلَ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاكَ، فَمَاذَا أَعْدَدْتَ مِنَ الْجَوَابَاتِ لِحَكَمِ السَّمَاءِ مِنْ صِدْقِ الْجَوَابَاتِ؟ وَتَقَدَّمْ فِي الِاجْتِهَادِ لِتَدْفَعَ بِهِ خَطَرَ الِاعْتِذَارِ فَإِنَّكَ عَسَيْتَ لَا يُقْبَلُ مِنْكَ الْمَعْذِرَةُ مَعَ إِحَاطَةِ الْحُجَجِ بِكَ وَشَهَادَاتِ الْعِلْمِ عَلَيْكَ وَاعْتِرَافِ الْعُقُولِ بِالِاسْتِهَانَةِ لِمَنْ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، فَاحْذَرْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَافِيَكَ الْأَمْرُ عَلَى عِظَمِ غَفْلَتِكَ فَيَفُوتَكَ إِصْلَاحُ مَا قَدْ فَاتَ مَعَ هُمُومِ الدُّنْيَا مَا هُوَ آتٍ مِنْ قَبْلِ الْإِيَاسِ مِنْكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَجَلِ وَالْأَخْذِ بِالْكَظْمِ مَعَ زَوَالِ النِّعَمِ حِينَ لَا يُوصَلُ إِلَّا إِلَى النَّدَامَةِ، فَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ إِنْ عَقَلْتَ الْحَسْرَةَ، وَيَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ لَوْ صَادَفَتْ مِنَ الْقُلُوبِ حَيَاةً.
وَأَنَا مُوصِيكَ وَنَفْسِي مِنْ بَعْدُ بِوَصِيَّةٍ إِنْ قَبِلْتَ عِشْتَ فِي الدُّنْيَا حَكِيمًا مُؤَدِّبًا فِيهَا سَلِيمًا وَخَرَجْتَ مِنَ الدُّنْيَا فَقِيرًا مُغْتَبِطًا فِيهَا مَغْبُوطًا وَفِي الْآخِرَةِ مُتَوَّجًّا مَلِكًا»

حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا عَبَّاسُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْطَاكِيَّ، يَقُولُ: «كَفَى بِالْعَبْدِ عَارًا أَنْ يَدَّعِيَ دَعْوَةً ثُمَّ لَا يُحَقِّقُهَا بِفِعْلِهِ، أَوْ يَجْعَلَ لِغَيْرِ رَبِّهِ مِنْ قَلْبِهِ نَصِيبًا، أَوْ يَسْتَوْحِشَ مَعَ ذِكْرِهِ حَتَّى يُرِيدَ بِهِ بَدَلًا.
يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِتَصْحِيحِ ضَمِيرِهِ وَيَعْلَمَ مَعَ مَنْ مُعَامَلَتُهُ وَمَا يَطْلُبُ، وَمِمَّنْ يَهْرُبُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَرَفَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْ نَفْسِهِ الْحَقَائِقَ وَلَمْ يَلْقَ رَبَّهُ كَالعَبْدِ الْآبِقِ»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ أَنْشِدْنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَنْشِدْنِي أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ لِنَفْسِهِ: « [البحر الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّفْسَ يُرْدِيكَ شَرُّهَا ... وَأَنَّكَ مَأْخُوذٌ بِمَا كُنْتَ سَاعِيَا فَمَنْ ذَا يُرِيدُ الْيَوْمَ لِلنَّفْسِ حِكْمَةً ... وَعِلْمًا يَزِيدُ الْعَقْلَ لِلصَّدْرِ شَافِيَا هَلُمَّ إِلَيَّ الْآنَ إِنْ كُنْتَ طَالِبًا ... سَبِيلَ هُدًى أَوْ كُنْتَ لِلْحَقِّ بَاغِيَا فَعِنْدِي مِنَ الْأَنْبَاءِ عِلْمُ مُجِرِّبٍ ... فَمِنْهُ بِإِلْهَامٍ وَمِنْهُ سَمَاعِيَا أُخْبِرُ أَخْبَارًا تَقَادَمَ عَهْدُهَا ... وَكَيْفَ بَدَأ الْإِسْلَامُ إِذْ كَانَ بَادِيَا وَكَيْفَ نَمَى حَتَّى اسْتَتَمَّ كَمَالُهُ ... وَكَيْفَ ذَوَى إِذْ صَارَ كَالثَّوْبِ بَالِيَا وَمِنْ بَعْدِ ذَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ جَوْهَرٌ ... يُفِيدُكَ عِلْمًا إِنْ وَعَيْتَ كَلَامِيَا وَعِلْمًا غَزِيرًا جَالِي الرَّيْنَ وَالصَّدَى ... عَنِ الْقَلْبِ حَتَّى يَتْرُكَ الْقَلْبَ صَافِيَا فَصُبْحٌ صَحِيحٌ مُحْكَمُ الْقَوْلِ وَاضِحٌ ... أَعَزُّ مِنَ الْيَاقُوتِ وَالدُّرِّ غَالِيَا فَأَصْبَحْتُ بِالتَّوْفِيقِ لِلْحَقِّ وَاضِحًا ... وَذَاكَ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ مَاضِيَا لِأَنِّي فِي دَهْرٍ تَغَرَّبَ وَصْفُهُ ... فَصَارَ غَرِيبًا مُوحِشُ الْأَهْلِ قَاصِيَا فَأَحْوُجُ مَا كُنَّا إِلَى وَصْفِ دِينِنَا ... وَوَصْفِ دَلَالَاتِ الْعُقُولِ زَمَانِيَا عَجَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كِلَيْهِمَا ... فَإِنْ كُنْتَ سَمَّاعًا بَدَا الْقَلْبُ وَاعِيًا فَقَدْ نَدَبَ الْإِسْلَامَ أَحْمَدُ نَدْبَةً ... كَمَا نَدَبَ الْأَمْوَاتَ ذُو الشَّجْوِ شَاجِيَا فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ فَبِالْحَمْدِ لِلَّذِي ... بَرَانِي لِلْإِسْلَامِ إِذْ كَانَ بَارِيَا وَصَيَّرَنِي إِذْ شَاءَ مِنْ نَسْلِ آدَمٍ ... وَلَمْ أَكُ شَيْطَانًا مِنَ الْجِنِّ عَاتِيَا وَلَوْ شَاءَ مِنْ إِبْلِيسَ صَيَّرَ مَخْرَجِي ... فَكُنْتُ مُضِلًّا جَاحِدَ الْحَقِّ طَاغِيَا وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ بِاللُّطْفِ سَابِقًا ... وَإِذْ لَمْ أَكُنْ حَيًّا عَلَى الْأَرْضِ مَاشِيَا

وَصَيَّرَنِي مِنْ بَعْدُ فِي دِينِ أَحْمَدٍ ... وَعَلَّمَنِي مَا غَابَ عَنْهُ سَؤَالِيَا وَفَهَّمَنِي نُورًا وَعِلْمًا وَحِكْمَةً ... فَشُكْرِي لَهُ فِي الشَّاكِرِينَ مُوَازِيَا فَمِنْ أَجْلِ ذَا أَرْجُوهُ إِذْ كَانَ نَاظِرًا ... لِضَعْفِي وَجَهْلِي فِي الْمَلَائِمِ حَالِيَا وَمِنْ أَجْلِ ذَا أَرْجُوهُ إِذْ كَانَ غَافِرًا ... وَمِنْ أَجْلِ ذَا قَدْ صَحَّ مِنِّي رَجَائِيَا وَمِنْ أَجْلِ ذَا أَرْجُوهُ إِذْ لَمْ يُكَافِنِي ... وَلَكِنْ بِلُطْفٍ مِنْهُ كَانَ ابْتِدَائِيَا فَلَوْ كُنْتُ ذَا عَقْلٍ لَمَا قَدْ رَجَوْتُهُ ... لَقَدْ كُنْتُ ذَا خَوْفٍ وَشُكْرِي مُحَاذِيَا وَلَوْ كُنْتُ أَرْجُوهُ لِحُسْنِ صَنِيعِهِ ... شَكَرْتُ فَصَحَّ الْآنَ مِنِّي حَيَائِيَا فَشُكْرِي لَهُ إِذْ صُيِّرْتُ بِالْحَقِّ عَالِمًا ... وَلِلشَّرِّ وَصَّافًا لِلْخَيْرِ وَاصِيَا وَمِنْ بَعْدِ ذَا وَصْفِي لِنَفْسِي وَطَبْعِهَا ... وَوَصْفِي غَيْرِي إِذْ عَرَفْتُ ابْتِدَائِيَا فَهَذَا مِنَ الْأَنْبَاءِ وَصْفُ غَرَائِبٍ ... فَمَنْ كَانَ وَصَفَ لَكَانَ بِجَالِيَا فَكَيْفَ بِهِ إِذْ كَانَ بِالْحَقِّ عَالِمًا ... فَهَيْهَاتَ لَا يُنْجِيهِ إِلَّا الْفَيَافِيَا وَذَاكَ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ آثَرُوا الْهَوَى ... عَلَى الْحَقِّ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا عَلَانِيَا فَهَذَا زَمَانُ الشَّرِّ فَاحْذَرْ سَبِيلَهُ ... فَإِنَّ سَبِيلَ الشَّرِّ يُرْدِي الْمَهَاوِيَا سَيَأْتِيكَ مِنْ أَنْبَائِهِ وَصْفُ خَابِرٍ ... كَلَامٌ بِتَحْبِيرٍ وَوَصْفِ قَوَافِيَا يَقُولُونَ لِي اهْجُرْ هَوَاكَ وَإِنَّمَا ... أَكَدُّ وَأَسْعَى أَنْ أُقِيمَ هَوَائِيَا وَنَفْسَكَ جَاهِدْهَا وَإِنِّي لَمَائِلٌ ... إِلَيْهَا فَمَا أَنْ دَارٌ إِلَّا تَنَائِيَا وَكَيْفَ أُطِيقُ الْيَوْمَ أَنْ أَهْجُرَ الْهَوَى ... وَقَدْ مَلَّكَتْهُ النَّفْسُ مِنِّي زِمَامِيَا تَقُودُنِي الْأَيَّامُ فِي كُلِّ مِحْنَةٍ ... لَدَى طَبْعٍ يَبْدُو يُهَيِّجُ ذَاتِيَا فَأَصْبَحْتُ مَأْسُورًا لَدَى النَّفْسِ وَالْهَوَى ... يَشُدَّانِ مِنِّي مَا اسْتَطَاعَا وَثَاقِيَا»

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ خَذْلَمٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِهِ ثنا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُنَيْنِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ: كَانَ نَافِعٌ يُجَالِسُ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ فَمَاتَ زِيَادٌ فَكَانَ نَافِعٌ يَمُرُّ بِنَا فَنَقُولُ: أَلَا نُوَسِّعُ لَكَ رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ: فَيَأْبَى وَيَقُولُ: «اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَالِسَ»

جارٍ التحميل