ذِكْرُ جَلَالَتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَنَبَالَتِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ
وَالْمَشَايِخُ، فَقَالَ: جِئْنِي يَا صَالِحُ بِالْمِيزَانِ، فَقَالَ: وَجِّهُوا إِلَى أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَالَ: وَجِّهْ إِلَى فُلَانٍ حَتَّى يُفَرَّقَ فِي نَاحِيَتِهِ وَإِلَى فُلَانٍ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى فَرَّقَهَا كُلَّهَا وَنَفَضَ الْكَيْسَ وَنَحْنُ فِي حَالَةٍ اللَّهُ بِهَا عَلِيمٌ.
فَجَاءَ بُنَيٌّ لَهُ فَقَالَ: يَا أَبَتِ أَعْطِنِي دِرْهَمًا فَنَظَرَ إِلَيَّ فَأَخْرَجْتُ قِطْعَةً أَعْطَيْتُهُ وَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى تَصَدَّقَ بِالْكَيْسِ، قَالَ: عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ قَبِلَ مِنْكَ، مَا يَصْنَعُ أَحْمَدُ بِالْمَالِ وَإِنَّمَا قُوتُهُ رَغِيفٌ، قَالَ: فَقَالَ لِي صَدَقْتَ يَا عَلِيٌّ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ خَرَجَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْلًا وَمَعَنَا حُرَّاسٌ مَعَهُمُ النَّفَّاطَاتُ فَلَمَّا أَضَاءَ الْفَجْرُ، قَالَ لِي يَا صَالِحُ أَمَعَكَ دَرَاهِمُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطِهِمْ.
فَأَعْطَيْتُهُمْ دِرْهَمًا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جَعَلَ يَعْقُوبُ يَسِيرُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أُرِيدُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْكَ رِسَالَةً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَكَتَ.
فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنِي أَنَّ الْفَرَايِضِيَّ قَالَ لَهُ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحْمَدَ يُعِيدُ مَا لِي، فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ يَكْفِي اللَّهُ، فَغَضِبَ يَعْقُوبُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ أَسْأَلُهُ أَنْ يُطْلِقَ لِي كَلِمَةً أُخْبِرُ بِهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَفْعَلُ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَقَصَّرَ أَبِي فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَقَالَ: تَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَصَلَّيْتُ بِهِ يَوْمًا الْعَصْرَ فَقَالَ لِي: طَوَيْتَ بِنَا الْعَصْرَ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ مِقْدَارَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِ فِي الْعَسْكَرِ فَلَمَّا صِرْنَا بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ، قَالَ لَنَا يَعْقُوبُ: أَقِيمُوا، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ بِمَا عَمِلَ، فَدَخَلْنَا الْعَسْكَرَ وَأَبِي مُنَكِّسٌ الرَّأْسَ، وَرَأْسُهُ مُغَطًّى، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: اكْشِفْ عَنْ رَأْسَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.
فَكَشَفَ ثُمَّ جَاءَ وَصِيفٌ يُرِيدُ الدَّارَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَجَمْعِهِمْ قَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا جَازَ فَجَاءَ ابْنُ هَرْثَمَةَ، فَقَالَ: الْأَمِيرُ يُقْرِئُكَ السَّلَامُ وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشْمِتْ بِكَ الْأَعْدَاءَ أَهْلَ الْبِدَعِ، قَدْ عَلِمْتُ مَا كَانَ حَالُ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَكَلَّمَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ وَمَضَى يَحْيَى.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: أُنْزِلَ أَبِي دَارَ إِيتَاحَ فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ، فَقَالَ: قَدْ أَمَرَ لَكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ مَكَانَ الَّتِي فَرَّقْتَهَا، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ فَيَغْتَمَّ.
ثُمَّ جَاءَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُكْثِرُ ذِكْرَكَ وَيَقُولُ تُقِيمُ هَاهُنَا تُحَدِّثُ، فَقَالَ: أَنَا ضَعِيفٌ، ثُمَّ وَضَعَ
إِصْبَعَهُ عَلَى بَعْضِ أَسْنَانِهِ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ أَسْنَانِي تَتَحَرَّكُ وَمَا أَخْبَرْتُ بِذَلِكَ وَلَدِي، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ: مَا تَقُولُ فِي بَهِيمَتَيْنِ انْتَطَحَتَا فَعَقَرَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَسَقَطَتْ فَذُبِحَ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ أَطْرَفَ بِعَيْنِهِ وَمَصَعَ بِذَنَبِهِ وَسَالَ دَمُهُ يُؤْكَلُ، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ صَارَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَصِيرَ إِلَيْكَ لِتَرْكَبَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْطَعَ لَهُ سَوَادًا وَطَيْلَسَانًا وَقَلَنْسُوَةً فَأَيُّ قَلَنْسُوَةٍ يَلْبَسُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: مَا رَأَيْتُهُ لَبِسَ قَلَنْسُوَةً قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُصَيِّرَ لَكَ مَرْتَبَةً فِي أَعْلَى، وَيَصِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي حِجْرِكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: قَدْ أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكُمْ وَعَلَى قَرَابَاتِكُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَفَرَّقَهَا عَلَيْكُمْ.
ثُمَّ عَادَ يَحْيَى مِنَ الْغَدِ وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَرْكَبُ، فَقَالَ: ذَاكَ إِلَيْكُمْ.
فَقَالُوا: اسْتَخِرِ اللَّهَ فَلَبِسَ إِزَارَهُ وَخُفَّيْهِ، وَقَدْ كَانَ خُفُّهُ قَدْ أُتِيَ عَلَيْهِ، لَهُ عِنْدَهُ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَرْقُوعًا بِرِقَاعٍ عِدَّةٍ، فَأَشَارَ يَحْيَى إِلَيَّ بِلُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ فَقُلْتُ: مَا لَهُ قَلَنْسُوَةٌ، فَقَالَ: كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَاسِرًا وَيَحْيَى قَائِمٌ.
فَطَلَبْنَا لَهُ دَابَّةً يَرْكَبُ عَلَيْهَا فَقَامَ يَحْيَى يُصَلِّي فَجَلَسَ عَلَى التُّرَابِ، وَقَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] ثُمَّ رَكِبَ بَغْلَ بَعْضِ التُّجَّارِ فَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أُدْخِلَ دَارَ الْمُعْتَزِّ فَأُجْلِسَ فِي بَيْتِ الدِّهْلِيزِ، ثُمَّ جَاءَ يَحْيَى فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ وَرَفَعَ السِّتْرَ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ وَكَانَ الْمُعْتَزُّ قَاعِدًا عَلَى دُكَّانٍ فِي الدَّارِ وَقَدْ كَانَ يَحْيَى تَقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ يَحْيَى: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ بِكَ لِيُسَرَّ بِقُرْبِكَ وَيَصِيرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي حِجْرِكَ.
فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ الْخَدَمِ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ كَانَ قَاعِدًا وَرَاءَ السِّتْرِ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ لِأُمِّهِ: يَا أُمَّهْ قَدْ أَنَارِتِ الدَّارُ، ثُمَّ جَاءَ خَادِمٌ بِمِنْدِيلٍ فَأَخَذَ يَحْيَى الْمِنْدِيلَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَبْطَنَةً فِيهَا قَمِيصٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ الْقَمِيصِ وَالْمَبْطَنَةُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ يَدَهُ الْيمْنَى وَكَذَا الْيُسْرَى، وَهُوَ لَا يُحَرِّكُ يَدَهُ ثُمَّ أَخَذَ قَلَنْسُوَةً فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَأَلْبَسَهُ طَيْلَسَانًا وَلَحَفَهُ بِهِ وَلَمْ يَجِيئُوا بِخُفٍّ فَبَقِيَ الْخُفُّ عَلَيْهِ ثُمَّ صُرِفَ وَقَدْ كَانُوا تَحَدَّثُوا أَنَّهُ يَخْلَعُ عَلَيْهِ سَوَادًا فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الدَّارِ نَزَعَ الثِّيَابَ عَنْهُ ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي وَقَالَ: قَدْ سَلِمْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِي بُلِيتُ بِهِمْ، مَا أَحْسَبُنِي سَلِمْتُ مِنْ دُخُولِي عَلَى
هَذَا الْغُلَامِ فَكَيْفَ بِمَنْ يَجِبُ عَلَيَّ نُصْحُهُ مِنْ وَقْتِ أَنْ تَقَعَ عَيْنِي عَلَيْهِ إِلَى أَنْ أَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا صَالِحُ وَجِّهْ بِهَذِهِ الثِّيَابِ إِلَى بَغْدَادَ تُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا وَلَا يَشْتَرِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَوَجَّهْتُ بِهَا إِلَى يَعْقُوبَ بْنِ التَخْتَكَانِ فَبَاعَهَا وَفَرَّقَ ثَمَنَهَا وَبَقِيَتْ عِنْدِي الْقَلَنْسُوَةُ، ثُمَّ أَخْبَرْنَاهُ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَانَتْ لِأَيْتَامٍ فَقَالَ: اكْتُبْ رُقْعَةً إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ يَسْتَعْفِي لِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، فَكَتَبْنَا رُقْعَةً فَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ أَنْ يُعْفَى مِنْهَا، وَوَجَّهَ إِلَى قَوْمٍ لِيَخْرُجُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَسَأَلَ أَنْ يُعْفَى مِنْ ذَلِكَ فَاشْتُرِيَتْ لَهُ دَارٌ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَارَ إِلَيْهَا، وَأُجْرِي لَنَا مَائِدَةُ وَبَلَحٌ، وَضُرِبَ الْخَيْشُ وَفُرِشَ الطَّرِيُّ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْشَ وَالطَّرِيَّ نَحَّى نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى مَضْربَةٍ لَهُ.
وَاشْتَكَتْ عَيْنَهُ ثُمَّ بَرِئَتْ، فَقَالَ لِي: أَلَا تَعْجَبْ كَانَتْ عَيْنِي تَشْتَكِي فَتَمْكُثُ حِينًا حَتَّى تَبْرَأَ ثُمَّ بَرَأَتْ فِي سُرْعَةٍ، وَجَعَلَ يُوَاصِلُ يُفْطِرُ كُلَّ ثَلَاثٍ عَلَى تَمْرٍ وَسَوِيقٍ، فَمَكَثَ خَمْسَ عَشْرَةَ يُفْطِرُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يُفْطِرُ لَيْلَةً وَلَيْلَةً لَا يُفْطِرُ إِلَّا عَلَى رَغِيفٍ، فَكَانَ إِذَا جِيءَ بِالْمَائِدَةِ تُوضَعُ فِي الدِّهْلِيزِ لِكَيْلَا يَرَاهَا فَيَأْكُلُ مَنْ حَضَرَ، فَكَانَ إِذَا أَجْهَدَهُ الْحَرُّ تُبَلُّ لَهُ خِرْقَةٌ فَيَضَعُهَا عَلَى صَدْرِهِ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ ابْنُ مَاسَوَيْهِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا أَمِيلُ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ وَمَا بِكَ عِلَّةٌ إِلَّا الضَّعْفَ وَقِلَّةَ الْبِرِّ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَاسَوَيْهِ: إِنَّا رُبَّمَا أَمَرْنَا عِيَالَنَا بِأَكْلِ الدُّهْنِ وَالْخَلِّ فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ وَجَعَلَ بِالشَّيْءِ لَيَشْرَبَهُ فَيَصُبُّهُ، وَقَطَعَ لَهُ يَحْيَى دُرَّاعَةً وَطَيْلَسَانًا سَوَادًا وَجَعَلَ يَعْقُوبُ وَعَتَّابٌ يَصِيرَانِ إِلَيْهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَقُولُ فِي ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فِي مَالِهِ؟ فَلَا يُجِيبُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَجَعَلَ يَعْقُوبُ وَعَتَّابٌ يُخْبِرَانِهِ بِمَا يَحْدُثُ فِي أَمْرِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ، ثُمَّ أُحْدِرَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ بِبَيْعِ ضِيَاعِهِ، وَكَانَ رُبَّمَا صَارَ إِلَيْهِ يَحْيَى وَهُوَ يُصَلِّي فَيَجْلِسُ فِي الدِّهْلِيزِ حَتَّى يَفْرُغَ وَيَحْيَى وَعَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ فَيَنْتَزِعُ سَيْفَهُ وَقَلَنْسُوَتَهُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ أَنْ يُشْتَرَى لَنَا دَارٌ فَقَالَ: يَا صَالِحُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: لَئِنْ أَقْرَرْتَ لَهُمْ بِشِرَاءِ ذَلِكَ لَتَكُونَنَّ الْقَطِيعَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَنْ تُصَيِّرُوا هَذَا الْبَلَدَ لِي مَأْوًى وَمَسْكَنًا فَلَمْ يَزَلْ يَدْفَعُ
شِرَاءَ الدَّارِ حَتَّى انْدَفَعَ وَصَارَ إِلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، فَقَالَ أُعْطِيكَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ مَكَانَ الْمَائِدَةِ، فَقُلْتُ: لَا أَفْعَلُ، وَجَعَلَتْ رُسُلُ الْمُتَوَكِّلِ تَأْتِيهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ خَبَرِهِ، فَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَرَاكَ، فَيَسْكُتُ، فَإِذَا خَرَجُوا قَالَ: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَرَاكَ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَرَانِي، وَكَانَ فِي هَذِهِ الدَّارِ حُجْرَةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا بَيْتَانَ، فَقَالَ: أَدْخِلُونِي تِلْكَ الْحُجْرَةَ وَلَا تُسْرِجُوا سِرَاجًا.
فَأَدْخَلْنَاهُ إِلَيْهَا فَجَاءَهُ يَعْقُوبُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُشْتَاقٌ إِلَيْكَ، وَيَقُولُ: انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي تَصِيرُ إِلَيَّ فِيهِ أَيَّ يَوْمٍ هُوَ حَتَّى أَعْرِفَهُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ: يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمٌ خَالٍ، وَخَرَجَ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ، فَقَالَ: الْبُشْرَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَيَقُولُ قَدْ أَعْفَيْتُكَ عَنْ لُبْسِ السَّوَادِ، وَالرُّكُوبِ إِلَيَّ وَإِلَى وَلَاةِ الْعُهُودِ وَإِلَى الدَّارِ فَإِنْ شِئْتَ فَالْبَسِ الْقُطْنَ، وَإِنْ شِئْتَ فَالْبَسِ الصُّوفَ.
فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: إِنَّ لِي ابْنَا وَأَنَا بِهِ مُعْجَبٌ وَلَهُ فِي قَلْبِي مَوْقِعٌ فَأُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَهُ بِأَحَادِيثَ فَسَكَتَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: أَتُرَاهُ لَا يَرَى مَا أَنَا فِيهِ.
وَكَانَ يَخْتِمُ مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَإِذَا خَتَمَ دَعَا فَيَدْعُو وَنُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةُ الْجُمُعَةِ وَجَّهَ إِلَيَّ وَإِلَى أَخِي عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَنْ خَتَمَ جَعَلَ يَدْعُو وَنُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَعَلَ يَقُولُ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ مِرَارًا، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: مَا تُرِيدُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] إِنِّي لَا أُحَدِّثُ حَدِيثًا تَامًّا أَبَدًا حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ وَلَا أَسْتَثْنِي مِنْكُمْ أَحَدًا.
فَخَرَجْنَا وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَأُخْبِرَ الْمُتَوَكِّلُ، بِذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ أُحَدِّثَ فَيَكُونَ هَذَا الْبَلَدُ حَبْسِي، وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ الَّذِينَ أَقَامُوا بِهَذَا الْبَلَدِ لِمَا أَعْطَوْا وَأَمَرُوا فَحَدِّثُوا وَكَانَ يخْبِرُونَهُ فَيَتَوَجَّهُ لِذَلِكَ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ تَمَنَّيْتُ الْمَوْتَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ وَإِنِّي لَأَتَمَنَّى الْمَوْتَ فِي هَذَا وَذَاكَ، إِنَّ هَذَا فِتْنَةُ الدُّنْيَا وَكَانَ ذَاكَ فِتْنَةُ الدِّينِ.
ثُمَّ جَعَلَ يَضُمُّ أَصَابِعَ يَدِهِ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَتْ نَفْسِي فِي يَدِي لَأَرْسَلْتُهَا، ثُمَّ يَفْتَحُ أَصَابِعَهُ، وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ وَكَانَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يُؤْمَرُ لَنَا بِالْمَالِ، فَيَقُولُ يُوصَلُ إِلَيْهِمْ
وَلَا يَعْلَمُ شَيْخُهُمْ فَيَغْتَمُّ مَا يُرِيدُ مِنْهُمْ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ الدُّنْيَا فَمَا يَمْنَعُهُمْ، وَقَالُوا لِلْمُتَوَكِّلِ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِكَ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى فُرُشِكَ وَيُحَرِّمُ الَّذِي تَشْرَبُ.
فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ نُشِرَ لِيَ الْمُعْتَصِمُ لَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ إِنِّي انْحَدَرْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَخَلَّفْتُ عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَهُ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ قَدْ قَدِمَ وَجَاءَ بِثِيَابِي الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ فَقُلْتُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي انْحَدِرْ وَقُلْ لِصَالِحٍ لَا تَخْرُجْ، فَأَنْتُمْ كُنْتُمْ أَفْتَى، وَاللَّهِ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَخْرَجْتُ مِنْكُمْ وَاحِدًا مَعِي لَوْلَا مَكَانُكُمْ لِمَنْ كَانَ تُوضَعُ هَذِهِ الْمَائِدَةُ وَلِمَنْ كَانَ يُفْرَشُ هَذَا الْفُرُشُ وَيُجْرَى هَذَا الْإِجْرَاءُ؟ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُعْلِمُهُ بِمَا قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَحْسَنَ اللَّهُ عَاقِبَتَكَ وَدَفَعَ عَنْكَ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَمَحْذُورٍ، الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الْكِتَابِ إِلَيْكَ وَالَّذِي قُلْتَ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا يَأْتِينِي مِنْكُمْ أَحَدٌ، رُبَّمَا أَنْ يَنْقَطِعَ ذِكْرِي وَنُحْمَلُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ هَاهُنَا فَشَا ذِكْرِي، وَكَانَ يَجْتَمِعُ إِلَيْكَ قَوْمٌ يَنْقُلُونَ أَخْبَارَنَا، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا خَيْرًا، وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ إِنْ أَقَمْتَ فَلَا تَأْتِ أَنْتَ وَلَا أَخُوكَ فَهُوَ رِضَائِي فَلَا تَجْعَلْ فِي نَفْسِكَ إِلَّا خَيْرًا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ وَرَدَ إِلَيَّ كِتَابٌ آخَرُ بِخَطِّهِ يَذْكُرُ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَحْسَنَ اللَّهُ عَاقِبَتَكَ وَدَفَعَ عَنْكَ السُّوءَ بِرَحْمَتِهِ، كِتَابِي إِلَيْكَ وَأَنَا فِي نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ مُتَظَاهِرَةٍ أَسْأَلُهُ إِتْمَامَهَا وَالْعَوْنَ عَلَى أَدَاءِ شُكْرِهَا، قَدِ انْفَكَّتْ عَنَّا عُقْدَةٌ إِنَّمَا كَانَ حَبْسُ مَنْ هَاهُنَا لِمَا أُعْطُوا فَقَبِلُوا وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمْ فَصَارُوا فِي الْحَدِّ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ، وَحَدَّثُوا وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَذِهِ كَانَتْ قُيوُدُهُمْ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنَا مِنْ شَرِّهِمْ وَيُخَلِّصَنَا فَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ لَوْ قَرَّبْتُمُونِي بِأَمْوَالِكُمْ وَأَهَالِيكُمْ فَهَانَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ لِلَّذِي أَنَا فِيهِ فَلَا يَكْبُرْ عَلَيْكَ مَا أَكْتُبُ بِهِ إِلَيْكُمْ فَالْزَمُوا بُيوتَكُمْ، فَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخَلِّصَنِي وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
ثُمَّ وَرَدَ غَيْرُ كِتَابٍ إِلَيَّ بِخَطِّهِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْعَسْكَرِ رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ وَالْفُرُشُ وَكُلُّ مَا أُقِيمَ لَنَا.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَأَوْصَى وَصِيَّتَهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، مَا أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وَأَوْصَى مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِي الْعَابِدِينَ وَيَحْمَدُوهُ فِي الْحَامِدِينَ، وَأَنْ يَنْصَحُوا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُوصِي إِنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رِبًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَأُوصِي: أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِبُورَانَ عَلَيَّ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا قَالَ، فَيُقْضَى مَا لَهُ عَلَيَّ مِنْ غَلَّةِ الدَّارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى أُعْطِيَ وَلَدِي صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بَعْدَ وَفَاءِ مَا عَلَيَّ لِابْنِ مُحَمَّدٍ.
شَهِدَ أَبُو يُوسُفَ وَصَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ سَأَلَ أَبِي أَنْ يُحَوَّلَ مِنَ الدَّارِ الَّتِي اكْتُرِيَتْ لَهُ، فَاكْتَرَى هُوَ دَارًا وَتَحَوَّلَ إِلَيْهَا، فَسَأَلَ الْمُتَوَكِّلُ عَنْهُ فَقِيلَ إِنَّهُ عَلِيلٌ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ فِي قُرْبِي وَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ يَا عُبَيْدَ اللَّهِ، احْمِلْ إِلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ يُنْفُقُهَا، وَقَالَ لِسَعِيدٍ: تُهَيِّئُ لَهُ حَرَاقَةٌ يَنْحَدِرُ فِيهَا فَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ جَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَذِنَ لَكَ وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ قَدْ أَعْفَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا أَكْرَهُ فَرَدَّهَا، وَقَالَ: أَنَا رَفِيقٌ عَلَيَّ الْبَرْدُ وَالطُّهْرُ ارْفُقْ بِي.
فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي بِرِّهِ وَتَعَاهُدِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَمَّا انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَادَ وَمَكَثَ قَلِيلًا قَالَ لِي: يَا صَالِحُ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَدَعَ هَذَا الرِّزْقَ فَلَا تَأْخُذُهُ وَلَا تُوَكِّلْ فِيهِ أَحَدًا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ إِنَّمَا تَأْخُذُونَهُ بِسَبَبِي فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: أَكْرَهُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا بِلِسَانِي وَأُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فَأَكُونَ قَدْ كَذَبْتُكَ وَنَافَقْتُكَ وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَكْثَرُ عِيَالًا مِنِّي وَلَا أَعْذَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَشْكُو إِلَيْكَ فَتَقُولُ أَمْرُكَ مُنْعَقِدٌ بِأَمْرِي وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُحِلَّ عَنِّي هَذِهِ الْعُقْدَةَ.
ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: وَقَدْ كُنْتَ تَدْعُو لِي فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لَكَ.
قَالَ: وَلَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: لَا قَالَ: قُمْ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِسَدِّ الْبَابِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَتَلَقَّانِي عَبْدُ اللَّهِ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَا أَقُولُ؟ قُلْتُ: ذَاكَ إِلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِي، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ.
فَكَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ نَحْوَ مَا كَانَ
مِنْهُ إِلَيَّ، فَلَقِيَنَا عَمُّهُ فَقَالَ: لَوْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقُولُوا لَهُ وَمَا عِلْمُهُ إِذَا أَخَذْتُمْ شَيْئًا؟ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَسْتُ آخُذُ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهَجَرَنَا وَسَدَّ الْأَبْوَابَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَتَحَامَى مَنْزِلَنَا أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ إِلَى مَنْزِلِهِ شَيْءٌ، وَقَدْ كَانَ
حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: اسْتُعْمِلَ يَحْيَى بْنُ أَبِي وَائِلٍ عَلَى قَضَاءِ الْكُنَاسَةِ.
فَقَالَ أَبُو وَائِلٍ لِجَارِيَتِهِ: يَا بَرَكَةُ لَا تُطْعِمِينِي شَيْئًا إِلَّا مَا يَجِيءُ بِهِ يَحْيَى مِنَ الْكُنَاسَةِ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: " فَلَمَّا مَضَى نَحْوُ مِنْ شَهْرَيْنِ كَتَبَ لَنَا بِشَيْءٍ فَجِيءَ بِهِ إِلَيْنَا فَأَوَّلُ مَنْ جَاءَ عَمُّهُ فَأَخَذَ، فَأُخْبِرَ فَجَاءَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي كَانَ سَدَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَقَدْ كَانَ فَتَحَ الصِّبْيَانُ كُوَّةً، فَقَالَ: ادْعُوا لِي صَالِحًا فَجَاءَ الرَّسُولُ وَقُلْتُ لَهُ: قُلْ لَهُ لَسْتُ أَجِيءُ , فَوَجَّهَ إِلَيَّ لِمَ لَا تَجِيءُ؟ فَقُلْتُ: قُلْ لَهُ هَذَا الرِّزْقُ يَرْتَزِقُهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا أَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَعْذَرُ مِنِّي وَإِذَا كَانَ تَوْبِيخٌ خُصِصْتُ بِهِ أَنَا.
فَلَمَّا نَادَى عَمُّهُ بِالْأَذَانِ خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لِي إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ حَتَّى صِرْتُ فِي مَوْضِعٍ أَسْمَعُ فِيهِ كَلَامَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ الْتَفَتَ إِلَى عَمِّهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَافَقْتَنِي وَكَذَبْتَنِي وَكَانَ غَيْرُكَ أَعْذَرُ مِنْكَ، زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تَأْخُذُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ثُمَّ أَخَذْتَهُ، وَأَنْتَ تَسْتَغِلُّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعَمَدْتَ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ تَسْتَغِلُّهُ، إِنَّمَا أُشْفِقُ عَلَيْكَ أَنْ تُطَوَّقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِ أَرَضِينَ، أَخَذْتَ هَذَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ حَقِّهِ، فَقَالَ: قَدْ تَصَدَّقْتُ.
قَالَ تَصَدَّقْتَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ هَجَرَهُ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ إِلَى مَسْجِدٍ خَارِجٍ يُصَلِّي فِيهِ "
قَالَ صَالِحٌ: وَحَدَّثَنِي أَبِي، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا يُحَدِّثُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْبَصْرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ عَلَى الشُّرْطَةِ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ فَقِيلَ لِلْأَمِيرِ مُحَمَّدٌ بِالْبَابِ.
فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ظُنُّوا بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَاءَ يَشْكُرُ لِلْأَمِيرِ اسْتَعْمَلَ ابْنَهُ.
فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ جَاءَ يَطْلُبُ لِابْنِهِ الْإِعْفَاءَ - أَوْ قَالَ الْعَافِيَةَ - قَالَ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ بَلَغَنِي أَنَّكَ اسْتَعْمَلْتَ ابْنِي وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَسْتُرَنَا يَسْتُرُكَ اللَّهُ.
قَالَ: قَدْ أَعْفَيْنَاهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِحٌ: «ثُمَّ كَتَبَ لَنَا بِشَيْءٍ فَبَلَغَهُ فَجَاءَ إِلَى الْكُوَّةِ الَّتِي فِي الْبَابِ» فَقَالَ: يَا صَالِحُ انْظُرْ مَا كَانَ لِلْحَسَنِ عَلَيَّ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى بُورَانَ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ
مِنْهُ.
فَقُلْتُ: وَمَا عِلْمُ بُورَانَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَخَذَ هَذَا، فَقَالَ: افْعَلْ مَا أَقُولُ لَكَ، فَوَجَّهْتُ بِمَا كَانَ أَصَابَهُمَا إِلَى بُورَانَ وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّا قَبَضْنَا شَيْئًا طُوَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمْ يُفْطِرْ، ثُمَّ مَكَثَ أَشْهُرًا لَا أَدْخُلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحَ الصِّبْيَانُ الْبَابَ وَدَخَلُوا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ مِنْ مَنْزِلِي شَيْءٌ، ثُمَّ وَجَّهْتُ إِلَيْهِ يَا أَبَتِ قَدْ طَالَ هَذَا الْأَمْرُ وَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ فَسَكَتَ.
فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ تُدْخِلُ عَلَى نَفْسِكَ هَذَا الْغَمَّ.
فَقَالَ، يَا بُنَيَّ يَأْتِينِي مَا لَا أَمْلِكُهُ، ثُمَّ مَكَثْنَا مُدَّةً لَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا، ثُمَّ كُتِبَ لَنَا بِشَيْءٍ فَقَبَضْنَا فَلَمَّا بَلَغَهُ هَجَرَنَا أَشْهُرًا فَكَلَّمَهُ بُورَانَ وَوَجَّهَ إِلَى بُورَانَ فَدَخَلْتُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: صَالِحٌ يُرْضِيكَ اللَّهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَعَزَّ الْخَلْقِ عَلَيَّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَرَدْتُ لَهُ مَا أَرَدْتُ لَهُ إِلَّا مَا أَرَدْتُ لِنَفْسِي.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ وَمَنْ رَأَيْتَ أَنْتَ أَوْ مَنْ لَقِيتَ قَوِيَ عَلَى مَا قَوِيتَ أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَتَحْتَجُّ عَلَيَّ؟ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ كَتَبَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ يَسْأَلُهُ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعِينُنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَرْزَاقِنَا وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَبَلَغَنِي فَوَجَّهْتُ إِلَى الْقَيِّمِ لَنَا وَهُوُ ابْنُ غَالِبِ بْنِ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ يَكْبُرُ عَلَيْكَ وَقَدْ عَزَمْتُ إِذَا حَدَثَ أَمْرٌ أَخْبَرْتُكَ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُهُ بِالْكِتَابِ إِلَى يَحْيَى أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِ الْخَبَرِ قَالَ: فَأَخَذْتُ نُسْخَتَهُ وَوَصَلْتُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَمْ مِنْ شَهْرٍ لِوَلَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: عَشْرَةُ أَشْهُرٍ، قَالَ تَحْمِلُ السَّاعَةَ إِلَيْهِمْ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صِحَاحًا وَلَا يَعْلَمُ بِهَا، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَيِّمِ: أَنَا أَكْتُبُ إِلَى صَالِحٍ وَأُعْلِمُهُ، فَوَرَدَ عَلَيَّ كِتَابَهُ فَوَجَّهْتُ إِلَى أَبِي أُعْلِمُهُ فَقَالَ الَّذِي أَخْبَرَهُ إِنَّهُ سَكَتَ قَلِيلًا وَضَرَبَ بِذَقَنِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا حِيلَتِي إِذَا أَرَدْتُ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَجَاءَ رَسُولُ الْمُتَوَكِّلِ إِلَى أَبِي يَقُولُ: لَوْ سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ سَلِمْتَ، رَفَعَ رَجُلٌ إِلَيَّ وَقْتَ كَذَا أَنَّ عَلَوِيًّا قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَأَنَّكَ وَجَّهْتَ إِلَيْهِ بِمَنْ يَلْقَاهُ وَقَدْ حَبَسْتُ الرَّجُلَ وَأَرَدْتُ ضَرْبَهُ وَكَرِهْتُ أَنْ تَغْتَمَّ فَمُرْ فِيهِ.
فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ تُخَلِّي سَبِيلَهُ.
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الْمُتَوَكِّلِ يَأْتِي أَبِي يُبْلِغُهُ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ فَنُسَرُّ نَحْنُ بِذَلِكَ فَتَأْخُذُهُ نَفْضَةٌ حَتَّى نُدِثِّرَهُ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ نَفْسِي فِي يَدِي لَأَرْسَلْتُهَا وَيَضُمُّ أَصَابِعَهُ وَيَفْتَحُهَا
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالُوا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: كَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى إِلَى أَبِي يُخْبِرُهُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ كِتَابًا أَسْأَلُكَ مِنْ أَمْرِ الْقُرْآنِ لَا مَسْأَلَةَ امْتِحَانٍ وَلَكِنْ مَسْأَلَةَ مَعْرِفَةٍ وَبَصِيرَةٍ.
فَأَمْلَى عَلَيَّ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى - وَحْدِي مَا مَعَنَا أَحَدٌ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَحْسَنَ اللَّهُ عَاقِبَتَكَ أَبَا الْحَسَنِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَدَفَعَ عَنْكَ مَكَارِهَ الدُّنْيَا بِرَحْمَتِهِ، قَدْ كَتَبْتَ إِلَيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكَ بِالَّذِي سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَمْرِ الْقُرْآنِ بِمَا حَضَرَنِي، وَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ تَوْفِيقَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كَانَ النَّاسُ فِي خَوْضٍ مِنَ الْبَاطِلِ وَاخْتِلَافٍ شَدِيدٍ يَغْتَمِسُونَ فِيهِ حَتَّى أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَنَفَى اللَّهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّ بِدْعَةٍ وَانْجَلَى عَنِ النَّاسِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَضِيقِ الْمَجَالِسِ فَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَذَهَبَ بِهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَوْقِعًا عَظِيمًا، وَدَعَوُا اللَّهَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَسْتَجِيبَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَالِحَ الدُّعَاءِ، وَأَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَزِيدَ فِي بَيْتِهِ وَيُعِينُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ فِي قُلُوبِكُمْ»
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ فُقَرَاءَ كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا، قَالَ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، إِنَّمَا ضَلَّتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ وَانْظُرُوا الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا عَنْهُ»
وَرُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِرَاءٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ»
وَرُوِي عَنْ أَبِي جَهْمٍ - رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ»
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ فَجَعَلَ عُمَرُ يَسْأَلُ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، " فَقُلْتُ
: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَتَسَارَعُوا يَوْمَهُمْ هَذَا فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْمُسَارَعَةِ " قَالَ: فَنَهَرَنِي عُمَرُ وَقَالَ: مَهْ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى مَنْزِلِي مُكْتَئِبًا حَزِينًا، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَخَرَجْتُ، فَإِذَا هُوَ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُنِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَخَلَا بِي، وَقَالَ: مَا الَّذِي كَرِهْتَ مِمَّا قَالَ الرَّجُلُ آنِفًا.
فَقُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى مَا يَتَسَارَعُوا هَذِهِ الْمُسَارَعَةَ يَخْتَلِفُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَلِفُوا يَخْتَصِمُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَصِمُوا يَخْتَلِفُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَلِفُوا يَقْتَتِلُوا»، قَالَ: لِلَّهِ أَبُوكَ، وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَكْتُمُهَا النَّاسَ حَتَّى جِئْتَ بِهَا
وَرُوِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟»
وَرُوِي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَرْجِعُوا بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ» يَعْنِي الْقُرْآنَ
وَرُوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: «جَرِّدُوا الْقُرْآنَ لَا تَكْتُبُوا فِيهِ شَيْئًا إِلَّا كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
وَرُوِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ فَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ»
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنِّي إِذَا قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَتَدَبَّرْتُهُ كِدْتُ أَنْ أَيْأَسَ وَيَنْقَطِعَ رَجَائِي، قَالَ: فَقَالَ الْحَسَنُ: «إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَعْمَالُ ابْنِ آدَمَ إِلَى الضَّعْفِ وَالتَّقْصِيرِ، فَاعْمَلْ وَأَبْشِرْ»
وَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ: كُنْتُ جَارًا لِخَبَّابٍ - وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجْتُ مَعَهُ يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي فَقَالَ: «يَا هَذَا تَقَرَّبْ لِلَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ»
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ: مَا حَمَلَ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «الْخُصُومَاتُ»
وَقَالَ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ - وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْخُصُومَاتِ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ»
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ أَوْ قَالَ: أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ أَوْ يُلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ "
وَدَخَلَ
رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ؟ فَقَالَ: «لَا».
قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَتَقُومَانِ عَنِّي أَوْ لَأَقُومُ عَنْكُمَا».
قَالَ: فَقَامَ الرَّجُلَانِ فَخَرَجَا: فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا أَبَا بَكْرٍ وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يَقْرأَ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيَّ آيَةً فَيُحَرِّفَانِهَا فَيقِرُّ ذَلِكَ فِي قَلْبِي».
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَكُونُ مُبْتَلًى السَّاعَةَ لَتَرَكْتُهَا»
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لِأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ: «وَلَا نِصْفِ كَلِمَةٍ»
وَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ لِابْنٍ لَهُ يُكَلِّمُهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: «يَا بُنَيَّ أَدْخِلْ إِصْبِعَيْكَ فِي أُذُنَيْكَ لَا تَسْمَعْ مَا يَقُولُ».
ثُمَّ قَالَ: «اشْدُدْ»
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ»
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: «إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَدْخُلْ عَنْهُمْ شَيْءٌ خَيْرٌ لَكُمْ لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ»
وَكَانَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: «شَرُّ دَاءٍ خَالَطَ قَلْبًا».
يَعْنِي الْأَهْوَاءَ
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا اللَّهَ مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - أَوْ قَالَ مُبِينًا -».
قَالَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِنَّمَا تَرَكْتُ ذِكْرَ الْأَسَانِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفْتُ بِهَا مِمَّا قَدْ عَلِمَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَوْلَا ذَلِكَ لَذَكَرْتُهَا بِأَسَانِيدِهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، وَقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54] فَأَخْبَرَ بِالْخَلْقِ، ثُمَّ قَالَ وَالْأَمْرُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 2] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِلْمِهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120] وَقَالَ: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145] وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: 37] فَالْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُرْآنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 120] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَهُوَ الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ وَلَا أَدْرِي الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ غَيْرُ مَحْمُودٍ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَقَدِمَ الْمُتَوَكِّلُ فَنَزَلَ الشَّمَّاسِيَّةَ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، فَقَالَ لِي أَبِي: يَا صَالِحُ أُحِبُّ أَنْ لَا تَذْهَبَ الْيَوْمَ وَلَا تُنَبِّهْ عَلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمٍ وَأَنَا قَاعِدٌ خَارِجًا، وَكَانَ يَوْمَ مَطَرٍ إِذَا يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ قَدْ جَاءَ وَالْمَطَرُ عَلَيْهِ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَمْ تَصِلْ إِلَيْنَا حَتَّى نُبَلِّغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ عَنْ شَيْخِكَ حَتَّى وَجَّهَ بِي، ثُمَّ نَزَلَ خَارِجَ الزِّقَاقِ فَجَهَدْتُ بِهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ فَجَعَلَ يَخُوضُ الْمَطَرَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْبَابِ نَزَعَ جُرْمُوقَهُ وَكَانَ عَلَى خُفِّهِ وَدَخَلَ وَأَبِي فِي الزَّاوِيَةِ قَاعِدٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ وَعِمَامَةٌ وَالسِّتْرُ الَّذِي عَلَى الْبَابِ قِطْعَةُ خَيْشٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، وَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: كَيْفَ أَنْتَ فِي نَفْسِكَ وَكَيْفَ حَالُكَ، وَقَدْ آنَسْتُ بِقُرْبِكَ وَيَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لَهُ.
فَقَالَ: مَا يَأْتِي عَلَيَّ يَوْمٌ إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو اللَّهَ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ: قَدْ وَجَّهَ مَعِي أَلْفَ دِينَارٍ تُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا أَنَا فِي الْبَيْتِ مُنْقَطِعٌ عَنِ النَّاسِ وَقَدْ أَعْفَانِي مِنْ كُلِّ مَا أَكْرَهُهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الْخُلَفَاءُ لَا يَحْتَمِلُونَ هَذَا.
فَقَالَ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا تَلَطَّفْ فِي ذَلِكَ فَدَعَا لَهُ ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الدَّارِ رَجَعَ، وَقَالَ: أَهَكَذَا كُنْتَ لَوْ وَجَّهَ إِلَيْكَ بَعْضَ إِخْوَانِكَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى الدِّهْلِيزِ قَالَ: قَدْ أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكَ تُفَرِّقُهَا، فَقُلْتُ: تَكُونُ عِنْدَكَ إِلَى أَنْ تَمْضِيَ هَذِهِ الْأَيَّامُ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَقَدْ كَانَ وَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ إِلَى أَبِي فِي وَقْتِ قُدُومِهِ بِالْعَسْكَرِ: أُحِبُّ
أَنْ تَصِيرَ إِلَيَّ وَتُعْلِمَنِي الَّذِي تَعْزِمُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ عِنْدِي أَحَدٌ.
فَوَجَّهَ إِلَيْهِ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ أُخَالِطِ السُّلْطَانَ وَقَدْ أَعْفَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا أَكْرَهُ وَهَذَا مِمَّا أَكْرَهُ.
فَجَهَدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ فَأَبَى، وَكَانَ قَدْ أَدْمَنَ الصَّوْمَ لَمَّا قَدِمَ وَجَعَلَ لَا يَأْكُلُ الدَّسَمَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُشْتَرَى لَهُ شَحْمٌ بِدِرْهَمٍ فَيَأْكُلُ مِنْهُ شَهْرًا فَتَرَكَ أَكْلَ الشَّحْمِ وَأَدَامَ الصَّوْمَ وَالْعَمَلَ وَتَوَهَّمْتُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِنْ سَلِمَ، وَكَانَ حُمِلَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ مَكَثَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ يَمْضِي إِلَّا وَرَسُولُ الْمُتَوَكِّلِ يَأْتِيهِ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حم لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ وَكَانَ فِي خَرِيقَتِهِ قُطَيْعَاتٌ فَإِذَا أَرَادَ الشَّيْءَ أَعْطَيْنَا مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، وَقَالَ لِي يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَأَنَا عِنْدَهُ انْظُرْ فِي خَرِيقَتِي شَيْءٌ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا دِرْهَمٌ، فَقَالَ: وَجِّهِ , اقْتَضِ بَعْدَ السُّكَّانِ فَوَجَّهْتُ فَأَعْطَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَ وَجِّهْ فَاشْتَرِ لِي تَمْرًا وَكَفِّرْ عَنِّي كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
فَاشْتَرَيْتُ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَقِيَ مِنْ ثَمَنِ التَّمْرِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَكُنْتُ أَنَامُ بِاللَّيْلِ إِلَى جَنْبِهِ فَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً حَرَّكَنِي فَأُنَاوِلُهُ وَجَعَلَ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَلَمْ يَئِنَّ إِلَّا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي قَائِمًا أَمْسَكَهُ فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَأَرْفَعُهُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ أَوْجَاعُ الْخَصْرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ عَقْلُهُ ثَابِتًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِسَاعَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ تُوُفِّيَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَيْجِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ النَّحْوِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: «فِيمَ تَنْظُرُ؟» فَقُلْتُ: فِي النَّحْوِ وَالْعَرِبِيَّةِ وَالشِّعْرِ فَأَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: « [البحر الطويل] إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ مَا مَضَى ... وَأَنَّ الَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ لَهَوْنَا عَنِ الْأَيَّامِ حَتَّى تَتَابَعَتْ ... ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوبُ فَيَالَيْتَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ مَا مَضَى ... وَيَأْذَنَ لِي فِي تَوْبَةٍ فَأَتُوبُ»
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، قَالَ
: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا حَالُكَ يَا أَبَا زُرْعَةَ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، إِنِّي أُحْضِرْتُ فَأُوقِفْتُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لِي: يَا عُبَيْدَ اللَّهِ لِمْ لَا تَوَرَّعْتَ مِنَ الْقَوْلِ فِي عِبَادِي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ إِنَّهُمْ حَاوَلُوا دِينَكَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ.
ثُمَّ أُتِيَ بِطَاهِرٍ الْحَلْقَانِيِّ فَاسْتَعْدَيْتُ عَلَيْهِ إِلَى رَبِّي فَضُرِبَ الْحَدَّ مِائَةً، ثُمَّ أُمَرَ بِهِ إِلَى الْحَبْسِ، ثُمَّ قَالَ: أَلْحِقُوا عُبَيْدَ اللَّهِ بِأَصْحَابِهِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَوْضِعَهُ مِنَ الْإِمَامَةِ مَوْضِعَ الدِّعَامَةِ لِقُدْوَتِهِ بِالْآثَارِ وَمُلَازَمَتِهِ لِلْأَخْيَارِ، لَا يُرَى لَهُ عَنِ الْآثَارِ مَعْدِلًا وَلَا يُرَى لِلْرَأْيِ مَعْقِلًا، كَانَ فِي حَفْظِ الْآثَارِ الْجَبَلَ الْعَظِيمَ، وَفِي الْعِلَلِ وَالتَّعْلِيلِ الْبَحْرَ الْعَمِيمَ، ذَكَرْنَا لَهُ مِنْ روايَاتهِ الْيَسِيرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْبَحْرُ الْغَزِيرُ.
أَدْرَكَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً
فَمِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، فِي آخَرِينَ قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبٍل، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَهُ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوافِقُهَا عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَسُلَيْمَانُ، قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
وَحَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ.
وَحَدِيثُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، تَفَرَّدَ بِهِ حَجَّاجٌ وَلَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا عَنْ أَحْمَدَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَسُلَيْمَانُ، قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، ثنا زِيَادُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَدَلَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْدِلَ ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ