النَّهْرَجُورِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّهْرَجُورِيُّ، كَانَ ذَا نُورٍ زَاهِرٍ وَحُضُورٍ شَاهِرٍ
سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيَّ، يَقُولُ: " الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي حَقَائِقِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيْرُ مَفْقُودٍ فَيُطْلِبُ وَلَا لَهُ غَايَةٌ فَيُدْرَكُ وَمَنْ أَدْرَكَ مَوْجُودًا فَهُوَ بِالْمَوْجُودِ مَغْرُورٌ وَالْمَوْجُودُ عِنْدَنَا مَعْرِفَةُ حَالٍ وَكَشْفُ عِلْمٍ بِلَا حَالٍ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ لَمْ يَغْتَرَّ بِاللَّهِ، وَقَالَ لِرَجُلٍ: يَا دَنِيءَ الْهِمَّةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لِمَ تَقُولْ هَذَا أَيُّهَا الشَّيْخُ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77]، وَنَصِيبُكَ مِنْ هَذَا الْقَلِيلِ حَقِيرٌ وَمَا فِي يَدَيْكَ مِنْهُ يَسِيرٌ وَأَنْتَ بِهَا بِخَيْلٌ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ بِإِمْسَاكِهَا نَبِيلًا فَإِنْ بَذَلْتَ بَذَلْتَ قَلِيلًا وَإِنْ مَنَعْتَ مَنَعْتَ قَلِيلًا فَلَا أَنْتَ بِالْمَنْعِ مَلُومٌ وَلَا بِالْبَذْلِ مَحْمُودٌ، وَكَانَ يَقُولُ: مُشَاهَدَةُ الْأَرْوَاحِ تَحْقِيقٌ، وَمُشَاهَدَةُ الْقُلُوبِ تَعْرِيفٌ فَإِذَا اقْتَضَانِي رَبِّي بَعْضَ حَقِّهِ قِبَلِي فَذَاكَ أَوَانُ حُزْنِي وَإِذَا أَذِنَ فِي اقْتِضَاءِ سَرِّهِ فَذَاكَ أَوَانُ سُرُورِي وَنِعْمَتِي إِذْ هُوَ بِالْجَوْدِ وَالْوَفَاءِ مَعْرُوفٌ وَالْعَبْدُ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ مَوْصُوفٌ "
أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ لَهُ اللِّسَانُ الْفَصِيحُ وَالْبَيَانُ النَّجِيحُ، بَغْدَادِيٌّ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ وَتُوُفِّيَ بِهَا
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ الْهَرَوِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ الرُّوذْبَارِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ عَمَّنْ يَسْمَعُ الْمَلَاهِي وَيَقُولُ: أُبِيحَ لَيَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِي اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ: «نَعَمْ، قَدْ وَصَلَ وَلَكِنَّ وُصُولَهُ إِلَى سَقَرَ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيَّ وَسُئِلَ عَنِ الْإِشَارَةِ قَالَ: «الْإِشَارَةُ الْإِبَانَةُ عَمَّا تُضَمَّنَهُ الْوَجْدُ مِنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لَا غَيْرَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَصْحَبُهَا الْعِلَلُ، وَالْعِلَلُ بَعِيدَةٌ مِنْ عَيْنِ الْحَقَائِقِ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيَّ، يَقُولُ: «وَالَاهُمْ قَبْلَ أَفْعَالِهِمْ، وَعَادَاهُمْ قَبْلَ أَفْعَالِهِمْ ثُمَّ جَازَاهُمْ بِأَفْعَالِهِمْ»
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ، يَقُولُ: " مِنَ الِاعْتِدَالِ أَنْ تُسِيءَ فَيُحْسِنَ إِلَيْكَ فَتُتْرَكَ الْإِنَابَةَ وَالتَّوْبَةَ تَوَهُّمًا أَنَّكَ تُسَامَحُ فِي الْهَفَوَاتِ وَتَرَى أَنَّ ذَلِكَ فِي بَسْطِ الْحَقِّ لَكَ وَقَالَ: تَشَوَّقَتِ الْقُلُوبُ إِلَى مُشَاهَدَةِ ذَاتِ الْحَقِّ فَأُلْقِيَتْ إِلَيْهَا الْأَسَامِي فَرَكَنَتْ إِلَيْهَا مَشْغُوفِينَ بِهَا عَنِ الذَّاتِ إِلَى أَوَانِ التَّجَلِّي فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، فَوَقَفُوا مَعَهَا عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، فَأَظْهَرَ الْأَسَامِي وَأَبْدَاهَا لِلْخَلْقِ لِتَسْكِينِ شَوْقِ الْمُحِبِّينَ لَهُ، وَتَأْنِيسِ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِهِ وَقَالَ: الْمُشَاهَدَاتُ لِلْقُلُوبِ، وَالْمُكَاشَفَاتُ لِلْأَسْرَارِ وَالْمُعَايَنَاتِ لِلْبَصَائِرِ "
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الطُّوسِيُّ نَصْرُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْكَازَرُونِيَّ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ: «لَا رِضَا لِمَنْ لَا يَصْبِرُ وَلَا كَمَالَ لِمَنْ لَا يَشْكُرُ، بِاللَّهِ وَصَلَ الْعَارِفُونَ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَشَكَرُوهُ عَلَى نِعْمَتِهِ»
سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ بَكْرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَمَّامَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّ الْمُشْتَاقِينَ إِلَى اللَّهِ يَجِدُونَ حَلَاوَةَ الْوَقْتِ عِنْدَ وُرُودِهِ لِمَا كُشِفَ لَهُمْ مِنْ رَوْحِ الْوُصُولِ إِلَى قُرْبِهِ أَحْلَى مِنَ الشُّهْدِ»
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: " مَنْ رُزِقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَقَدْ سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ: بَطْنٌ جَائِعٌ مَعَهُ قَلْبٌ خَاشِعٌ، وَفَقْرٌ دَائِمٌ مَعَهُ زُهْدٌ حَاضِرٌ، وَصَبْرٌ كَامِلٌ مَعَهُ قَنَاعَةٌ دَائِمَةٌ "
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: «فِي اكْتِسَابِ الدُّنْيَا مَذَلَّةُ النُّفُوسِ وَفِي اكْتِسَابِ الْآخِرَةِ عِزُّهَا فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَخْتَارُ الْمَذَلَّةَ فِي طَلَبِ مَا يَفْنَى عَلَى الْعِزِّ فِي طَلَبِ مَا يَبْقَى»
أَبُو بَكْرٍالْكَتَّانِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْكَتَّانِيُّ، بَغْدَادِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ
يُعْرَفُ بِسِرَاجِ الْحَرَمِ، صَحِبَ الْجُنَيْدَ وَالْخَزَّازَ وَالنُّورِيَّ
سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْخَيَّاطَ الْأَصْبَهَانِيَّ، يَقُولُ: " صَحِبْتُهُ سِنِينَ فَكَانَ يَزْدَادُ عَلَى الْأَيَّامِ ارْتِفَاعًا وَفِي نَفْسِهِ اتِّضَاعًا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَوْعَةٌ عِنْدَ انْتِبَاهٍ مِنْ غَفْلَةٍ، وَانْقِطَاعٌ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ، وَارْتِعَادٌ مِنْ خَوْفِ الْقَطِيعَةِ أَعْوَدُ عَلَى الْمُرِيدِ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا سَأَلْتَ اللَّهَ التَّوْفِيقَ فَابْتَدِئْ بِالْعَمَلِ وَكَانَ يَقُولُ: وُجُودُ الْعَطَاءِ مِنَ الْحَقِّ شُهُودُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقَّ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ دُونَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ "
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ، يَقُولُ: «إِذَا صَحَّ الِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ صَحَّتِ الْعِنَايَةُ، لِأَنَّهُمَا حَالَانِ لَا يَتِمُّ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ»
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْكَتَّانِيَّ، يَقُولُ: " الشَّهْوَةُ زِمَامُ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ أَخَذَ بِزِمَامِهِ كَانَ عَبْدَهُ، وَسُئِلَ عَنِ الْمُتَّقِي فَقَالَ: مَنِ اتَّقَى مَا لَهَجَ بِهِ الْعَوَّامُ مِنْ مُتَابَعَةِ الشَّهَوَاتِ وَرُكُوبِ الْمُخَالَفَاتِ وَلُزُومِ بَابِ الْمُوَافَقَةِ، وَأَنِسَ بِرَاحَةِ الْيَقِينِ وَاسْتَنَدَ إِلَى رُكْنِ التَّوَكُّلِ أَتَتْهُ الْفَوَائِدُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهَا "
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَحْمَدَ الصَّائِغَ الْأَصْبَهَانِيَّ، بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْكَتَّانِيَّ، يَقُولُ: " عَيْشُ الْغَافِلِينَ فِي حِلْمِ اللَّهِ عَنْهُمْ وَعَيْشُ الذَّاكِرِينَ فِي رَحْمَتِهِ وَعَيْشُ الْعَارِفِينَ فِي أَلْطَافِهِ وَعَيْشَ الصَّادِقِينَ فِي قُرْبِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: حَقَائِقُ الْحَقِّ إِذَا تَجَلَّتْ لِسِرٍّ أَزَالَتِ الظُّنُونَ، وَالْأَمَانِيَّ لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى سِرٍّ قَهَرَهُ وَلَا يَبْقَى لِلْغَيْرِ مَعَهُ أَثَرٌ وَكَانَ يَقُولُ: الْعِلْمُ بِاللَّهِ أَعْلَى وَأَوْلَى مِنَ الْعِبَادَةِ لَهُ "
ابْنُ فَاتِكٍ وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَاتِكٍ، مِنَ الْمُرَاقِبِينَ، لَزِمَ الثُّغُورَ مُلْتَزِمًا لِلشُّهُودِ وَالْحُضُورِ سُئِلَ عَنِ الْمُرَاقَبَةِ، فَقَالَ: إِذَا كُنْتَ فَاعِلًا فَانْظُرْ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِذَا كُنْتَ قَائِلًا فَانْظُرْ سَمْعَ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِذَا كُنْتَ سَاكِتًا فَانْظُرْ عِلْمَ اللَّهِ فِيكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[طه: 46] وَقَالَ
: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235]، وَكَانَ يَقُولُ: الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ شُغِلَ بِمَعَاشِهِ عَنْ مَعَادِهِ، فَهَذَا هَالِكٌ، وَرَجُلٌ شُغِلَ بِمَعَادِهِ عَنْ مَعَاشِهِ، فَهَذَا فَائِزٌ، وَرَجُلٌ اشْتَغَلَ بِهِمَا فَهَذَا مُخَاطِرٌ، مَرَّةٌ لَهُ وَمَرَّةٌ عَلَيْهِ