حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، ثنا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، ثنا سُلَيْمُ بْنُ نُفَيْعٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ خَلَفٍ أَبِي الْفَضْلِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِحَقٍّ فِي رَدِّ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِهِمْ بِأَقْدَارِهِ النَّافِذَةِ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ مَخْرَجٌ، وَطَعْنِهِمْ فِي دِينِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْقَائِمَةِ فِي أُمَّتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَيَّ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتُرُونَ مِنْهُ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي رَدِّ عِلْمِ اللهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَسَيُقْبَضُ الْعِلْمُ قَبْضًا سَرِيعًا، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ: إِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ بِضَلَالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلَا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلَالَةً، قَدْ تَبَيَّنْتِ الْأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَنْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ تَقَطَّعَتْ مِنْ يَدَيْهِ أَسْبَابُ الْهُدَى، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ عِصْمَةً يَنْجُو بِهَا مِنَ الرَّدَى، وَإِنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ بَلَغَكُمْ أَنِّي أَقُولُ: إِنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ، وَإِلَى مَا هُمْ صَائِرُونَ، فَأَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ عَلَيَّ وَقُلْتُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ اللهِ فِي عِلْمٍ حَتَّى يَكُونَ ذَاكَ مِنَ الْخَلْقِ عَمَلًا، فَكَيْفَ ذَلِكَ كَمَا قُلْتُمْ؟ وَاللهِ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، يَعْنِي: عَائِدِينَ فِي الْكُفْرِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] فَزَعَمْتُمْ بِجَهْلِكُمْ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي أَيِّ ذَلِكَ أَحْبَبْتُمْ فَعَلْتُمْ مِنْ ضَلَالَةٍ أَوْ هُدًى، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فَبِمَشِيئَةِ اللهِ لَهُمْ شَاءُوا وَلَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَنَالُوا بِمَشِيئَتِهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ شَيْئًا قَوْلًا وَلَا عَمَلًا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ
يُمَلِّكِ الْعِبَادَ مَا بِيدِهِ، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِمْ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ رُسُلِهِ، فَقَدْ حَرَصَتِ الرُّسُلُ عَلَى هُدَى النَّاسِ جَمِيعًا، فَمَا اهْتَدَى مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللهُ، وَلَقَدْ حَرَصَ إِبْلِيسُ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ جَمِيعًا، فَمَا ضَلَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ ضَالًّا، وَزَعَمْتُمْ بِجَهْلِكُمْ أَنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى لَيْسَ بِالَّذِي يَضْطَرُّ الْعِبَادَ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ مَعْصِيتِهِ، وَلَا بِالَّذِي صَدَّهُمْ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ بِزَعْمِكُمْ كَمَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُمْ سَيَعْمَلُونَ بِمَعْصِيَتِهِ، كَذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَسْتَطِيعُونَ تَرْكَهَا، فَجَعَلْتُمْ عِلْمَ اللهِ لَغْوًا، تَقُولُونَ لَوْ شَاءَ الْعَبْدُ لَعَمِلِ بِطَاعَةِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَامِلٍ بِهَا، وَلَوْ شَاءَ تَرَكَ مَعْصِيتَهُ وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لَهَا، فَأَنْتُمْ إِذَا شِئْتُمْ أَصَبْتُمُوهُ وَكَانَ عِلْمًا، وَإِذَا شِئْتُمْ رَدَدْتُمُوهُ وَكَانَ جَهْلًا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَحْدَثْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عِلْمًا لَيْسَ فِي عِلْمِ اللهِ وَقَطَعْتُمْ بِهِ عِلْمَ اللهِ عَنْكُمْ، وَهَذَا مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْدُهُ لِلتَّوْحِيدِ نَقْضًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ فَضْلَهُ وَرَحْمَتَهُ هَمَلًا بِغَيْرِ قَسْمٍ مِنْهُ وَلَا اخْتِيَارٍ، وَلَمْ يَبْعَثْ رُسُلَهُ بِإِبْطَالِ مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، فَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ فِي الْعِلْمِ بِأَمْرٍ وَتَنْقُضُونَهُ فِي آخَرَ، وَاللهِ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]، فَالْخَلْقُ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِ اللهِ تَعَالَى، وَنَازِلُونَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ شَيْءٌ هُوَ كَائِنٌ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ عَنْهُ، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ، إِنَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَقُلْتُمْ: لَوْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَفْرِضْ بِعَمَلٍ بِغَيْرِ مَا أَخْبَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ قَوْمٍ، وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، وَأَنَّهُ قَالَ: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مُعَذِّبُهُمْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَتَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُمْ لَوْ شَاءُوا خَرَجُوا مِنْ عِلْمِ اللهِ فِي عَذَابِهِ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ، وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ عَادَى كِتَابَ اللهِ بِرَدٍّ، وَلَقَدْ سَمَّى اللهُ تَعَالَى رِجَالًا مِنَ الرُّسُلِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، فَمَا اسْتَطَاعَ آبَاؤُهُمْ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ تَغْيِيرًا، وَمَا اسْتَطَاعَ إِبْلِيسُ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ مِنَ الْفَضْلِ تَبْدِيلًا فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾، فَاللهُ أَعَزُّ فِي قُدْرَتِهِ، وَأَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُمَلِّكَ أَحَدًا إِبْطَالَ عِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مُسَمًّى لَهُمْ بِوَحْيهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهُ الْبَاطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ أَوْ أَنْ يُشْرِكَ فِي خَلْقِهِ أَحَدًا، أَوْ يُدْخِلَ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، أَوْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا مَنْ قَدْ أَدْخَلَهُ فِيهَا، وَلَقَدْ أَعْظَمَ بِاللهِ الْجَهْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلْمَ كَانَ بَعْدَ الْخَلْقِ، بَلْ لَمْ يَزَلِ اللهُ وَحْدَهُ بِكَلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، وَبَعْدَمَا خَلَقَ لَمْ يَنْقُصْ عِلْمُهُ فِي بَدْئِهِمْ، وَلَمْ يَزِدْ بَعْدَ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا بِحَوَائِجِهِ الَّتِي قَطَعَ بِهَا دَابِرَ ظُلْمِهِمْ، وَلَا يَمْلِكُ إِبْلِيسُ هُدَى نَفْسِهِ، وَلَا ضَلَالَةَ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَرَدْتُمْ بِقَذْفِ مَقَالَتِكُمْ إِبْطَالَ عِلْمِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَإِهْمَالَ عِبَادَتِهِ، وَكِتَابُ اللهِ قَائِمٌ بِنَقْضِ بِدْعَتِكُمْ، وَإِفْرَاطِ قَذْفِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولَهُ وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ شِرْكٍ، فَمَنْ أَرَادَ اللهُ لَهُ الْهُدَى لَمْ تَحِلَّ ضَلَالَتَهُ الَّتِي كَانَ فِيهَا دُونَ إِرَادَةِ اللهِ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُرِدِ اللهُ لَهُ الْهُدَى تَرَكَهُ فِي الْكُفْرِ ضَالًّا، فَكَانَتْ ضَلَالَتُهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ هُدَاهُ، فَزَعَمْتُمْ أَنَّ اللهَ أَثْبَتَ فِي قُلُوبِكُمُ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ، فَعَمِلْتُمْ بِقُدْرَتِكُمْ بِطَاعَتِهِ، وَتَرَكْتُمْ بِقُدْرَتِكُمْ مَعْصِيتَهُ، وَإِنَّ اللهَ خِلْوٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَخْتَصُّ أَحَدًا بِرَحْمَتِهِ، أَوْ يَحْجُزَ أَحَدًا عَنْ مَعْصِيتِهِ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي بِقَدَرٍ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَكُمُ الْيُسْرُ وَالرَّخَاءُ وَالنِّعْمَةُ، وَأَخْرَجْتُمْ مِنْهُ الْأَعْمَالَ، وَأَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لِأَحَدٍ مِنَ اللهِ ضَلَالَةٌ أَوْ هُدًى، وَأَنَّكُمُ الَّذِينَ هَدَيْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأَنَّكُمُ الَّذِينَ حَجَزْتُمُوهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِغَيْرِ قُوَّةٍ مِنَ اللهِ، وَلَا إِذْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ غَلَا فِي الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَمْ يَسْبِقْ فِي عِلْمِ اللهِ وَقَدَرِهِ لَكَانَ للَّهِ فِي مُلْكِهِ شَرِيكٌ يَنْفُذُ مَشِيئَتَهُ فِي الْخَلْقِ مِنْ دُونِ اللهِ وَاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7]، وَهُمْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَارِهُونَ، ﴿وَكَرَّهُ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]، وَهُمْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مُحِبُّونَ، وَمَا كَانُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَادِرِينَ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا سَبَقَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، فَلَوْلَا عِلْمُهُ مَا غَفَرَهَا اللهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهَا، وَفَضْلًا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَرِضْوَانًا عَنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنُوا، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا هُمْ عَامِلُونَ آمِنُونَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا وَقَالَ: ﴿تُرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29].
فَتَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا مَلَكُوا رَدَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَامِلُونَ، وَأَنَّ إِلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى كُفْرِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ، فَيَكُونُ الَّذِي أَرَادُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ مَفْعُولًا، وَلَا يَكُونُ لَوْحَيِ اللهِ فِيمَا اخْتَارَ تَصْدِيقًا، بَلْ لِلَّهِ الْحِجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68].
فَسَبَقَ لَهُمُ الْعَفْوُ مِنَ اللهِ فِيمَا أَخَذُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ، وَقُلْتُمْ: لَوْ شَاءُوا خَرَجُوا مِنْ عِلْمِ اللهِ فِي عَفْوِهِ عَنْهُمْ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ تَرْكِهِمْ لِمَا أَخَذُوا، فَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ غَلَا وَكَذَّبَ، وَلَقَدْ ذَكَرَ اللهُ بَشَرًا كَثِيرًا وَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ فَقَالَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3]، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فَسَبَقَتْ لَهُمُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِالْإِيمَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْعُوا لَهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمَ الْعَالِمُونَ بِاللهِ أَنَّ اللهَ لَا يَشَاءُ أَمْرًا فَتَحُولُ مَشِيئَةُ غَيْرِهِ دُونَ بَلَاغِ مَا شَاءَ، وَلَقَدْ شَاءَ لِقَوْمٍ الْهُدَى فَلَمْ يُضِلَّهُمْ أَحَدٌ، وَشَاءَ إِبْلِيسُ لِقَوْمٍ الضَّلَالَةَ فَاهْتَدَوْا، وَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، وَمُوسَى فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِفِرْعَوْنَ عَدُوًّا وَحَزَنًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 6]، فَتَقُولُونَ أَنْتُمْ: لَوْ شَاءَ فِرْعَوْنُ كَانَ لِمُوسَى وَلِيًّا وَنَاصِرًا، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]، وَقُلْتُمْ: لَوْ شَاءَ فِرْعَوْنُ لَامْتَنَعَ مِنَ الْغَرَقِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24]، مُثْبَتٌ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي وَحْيِهِ فِي ذِكْرِ الْأَوَّلِينَ، كَمَا قَالَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ لِآدَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، فَصَارَ إِلَى ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا، وَكَمَا كَانَ إِبْلِيسُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيكُونُ مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَصَارَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ فَأَبَى، فَتَلَقَّى آدَمُ التَّوْبَةَ فَرُحِمَ، وَتَلْقَى إِبْلِيسُ اللَّعْنَةَ فَغَوَى، ثُمَّ أُهْبِطَ آدَمُ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَرْحُومًا مَتُوبًا عَلَيْهِ، وَأُهْبِطَ إِبْلِيسُ بِنَظْرَتِهِ مَدْحُورًا مَذْمُومًا مَسْخُوطًا
عَلَيْهِ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: إِنَّ إِبْلِيسَ وَأَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْجِنِّ قَدْ كَانُوا مَلَكُوا رَدَّ عِلْمِ اللهِ وَالْخُرُوجَ مِنْ قَسَمِهِ الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ إِذْ قَالَ: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 84]، حَتَّى لَا يَنْفُذَ لَهُ عِلْمٌ إِلَّا بَعْدَ مَشِيئَتِهِمْ، فَمَاذَا تُرِيدُونَ بِهَلَكَةِ أَنْفُسِكُمْ فِي رَدِّ عِلْمِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُشْهِدْكُمْ خَلْقَ أَنْفُسِكُمْ، فَكَيْفَ يُحِيطُ جَهْلُكُمْ بِعِلْمِهِ وَعِلْمُ اللهِ لَيْسَ بِمُقْصِرٍ عَنْ شىءٍ، هُوَ كَائِنٌ وَلَا يَسْبِقُ عِلْمُهُ فِي شَيْءٍ فَيَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَدِّهِ، فَلَوْ كُنْتُمْ تَنْتَقِلُونَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ لَكَانَتْ مَوَاقِعُكُمْ عِنْدَهُ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْعِبَادِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ فِيهَا، وَمَا كَانَ لَهُمْ فِي الْغَيْبِ مِنْ عِلْمٍ فَكَانَ فِي عِلْمِ اللهِ الْفَسَادُ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ، وَمَا قَالُوا تَخَرُّصًا إِلَّا بِتَعْلِيمِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ لَهُمْ، فَظَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَقَدْ أَنْطَقَهُمْ بِهِ، فَأَنْكَرْتُمْ أَنَّ اللهَ أَزَاغَ قَوْمًا قَبْلَ أَنْ يَزِيغُوا، وَأَضَلَّ قَوْمًا قَبْلَ أَنْ يَضِلُّوا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ عَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْعِبَادَ مُؤْمِنَهُمْ مِنْ كَافِرِهِمْ، وَبَرَّهُمْ مِنْ فَاجِرِهِمْ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ عَبْدٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ مُؤْمِنٌ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، أَوْ هُوَ عِنْدَ اللهِ كَافِرٌ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، وَاللهِ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، فَهُوَ فِي الضَّلَالَةِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ آخَرُونَ اتَّخَذُوا مِنْ بَعْدِ الْهُدَى عِجْلًا جَسَدًا فَضَلُّوا بِهِ فَعَفَى عَنْهُمْ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ، فَصَارُوا مِنْ أُمَّةِ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَصَارُوا إِلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ، ثُمَّ ضَلَّتْ ثَمُودُ بَعْدَ الْهُدَى، فَلَمْ يَعْفُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُرْحَمُوا، فَصَارُوا فِي عِلْمِهِ إِلَى صَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ، فَنَفَذُوا إِلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ أَنَّ صَالِحًا رَسُولَهُمْ، وَأَنَّ النَّاقَةَ فِتْنَةٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ مُمِيتُهُمْ كُفَّارًا فَعَقَرُوهَا، وَكَانَ إِبْلِيسُ فِيمَا كَانَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْعِبَادَةِ ابْتُلِيَ فَعَصَى فَلَمْ يُرْحَمْ، وَابْتُلِيَ آدَمُ فَعَصَى فَرُحِمَ، وَهَمَّ آدَمُ بِالْخَطِيئَةِ فَنَسِيَ، وَهَمَّ يُوسُفُ بِالْخَطِيئَةِ فَعُصِمَ، فَأَيْنَ كَانَتِ الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ هَلْ كَانَتْ تُغْنِي شَيْئًا فِيمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ، أَوْ تُغْنِي فِيمَا لَمْ يَكُنْ حَتَّى يَكُونَ، فَتُعْرَفُ لَكُمْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ، بَلِ اللهُ أَعَزُّ مِمَّا تَصِفُونَ وَأَقْدَرُ
، وَأَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لِأَحَدٍ مِنَ اللهِ ضَلَالَةٌ أَوْ هُدًى، وَإِنَّمَا عِلْمُهُ بِزَعْمِكُمْ حَافِظٌ، وَأَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَعْمَالِ إِلَيْكُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَحْبَبْتُمُ الْإِيمَانَ فَكُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ جَعَلْتُمْ بِجَهْلِكُمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَهُوَ مُصَدِّقٌ لِلْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ أَنَّهُ مِنْ ذَنْبٍ مَضَاهُ ذَنْبًا خَبِيثًا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ: أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ أَشَيْءَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ شَيْءٌ نَأْتَنِفُهُ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» فَطَعَنْتُمْ بِالتَّكْذِيبِ لَهُ، وَتَعْلِيمٌ مِنَ اللهِ فِي عِلْمِهِ إِذْ قُلْتُمْ: إِنْ كُنَّا لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ فَهُوَ الْجَبْرُ وَالْجَبْرُ عِنْدَكُمُ الْحَيْفُ، فَسَمَّيْتُمْ نَفَاذَ عِلْمِ اللهِ فِي الْخَلْقِ حَيْفًا، وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ فَنَثَرَ ذُرِّيَّتَهُ فِي يَدِهِ فَكَتَبَ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ، وَكَتَبَ أَهْلَ النَّارِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا آرَاءَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ رَدَّ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْنَاهُ، وَاللهِ مَا وَضَعْنَا سُيوفَنَا عَلَى عَوَاتِقَنَا إِلَّا أَسْهَلَ بِنَا عَلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ أَمْرِكُمْ هَذَا، ثُمَّ أَنْتُمْ بِجَهْلِكُمْ قَدْ أَظْهَرْتُمْ دَعْوَةَ حَقٍّ عَلَى تَأْوِيلِ بَاطِلٍ، تَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى رَدِّ عِلْمِ اللهِ فَقُلْتُمُ: الْحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، وَالسَّيِّئَةُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَقَالَ أَئِمَّتُكُمْ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْحَسَنَةُ مِنَ اللهِ فِي عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ، وَالسَّيِّئَةُ مِنْ أَنْفُسِنَا فِي عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ، فَقُلْتُمْ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ بَدْؤُهَا مِنْ أَنْفُسِنَا، كَمَا بَدْءُ السَّيِّئَاتِ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَهَذَا رَدٌّ لِلْكِتَابِ مِنْكُمْ، وَنَقْضٌ لِلدِّينِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ نَجَمَ الْقَوْلَ بِالْقَدَرِ: هَذَا أَوَّلُ شِرْكٍ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللهِ مَا يَنْتَهِي بِهِمْ سُوءُ رَأْيِهِمْ حَتَّى يُخْرِجُوا اللهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ خَيْرًا، كَمَا أَخْرَجُوهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ شَرًّا، فَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ بِجَهْلِكُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ ضَالًّا فَاهْتَدَى فَهُوَ بِمَا مَلَكَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ فِي هُدَاهُ مَا لَمْ يَكُنِ اللهُ عَلِمَهُ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَا فَوَّضَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَحَهُ اللهُ لَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَكَفَرَ فَهُوَ مِمَّا شَاءَ لِنَفْسِهِ، وَمَلَكَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا، وَكَانَتْ مَشِيئَتُهُ فِي كُفْرِهِ أُنْفَذُ مِنْ مَشِيئَةِ اللهِ فِي إِيمَانِهِ، بَلْ أَشْهَدُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَبِغَيْرِ مَعُونَةٍ كَانَتْ مِنْ نَفْسِهِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَبِغَيْرِ حُجَّةٍ كَانَتْ لَهُ فِيهَا
، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنْ لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَهْدِي النَّاسَ جَمِيعًا لَنَفَذَ أَمْرُهُ فِيمَنْ ضَلَّ حَتَّى يَكُونَ مُهْتَدِيًا فَقُلْتُمْ: بِمَشِيئَتِهِ شَاءَ لَكُمْ تَفْوِيضَ الْحَسَنَاتِ إِلَيْكُمْ، وَتَفْوِيضَ السَّيِّئَاتِ، أَلْقَى عَنْكُمْ سَابِقَ عِلْمِهِ فِي أَعْمَالِكُمْ، وَجَعَلَ مَشِيئَتَهُ تَبَعًا لِمَشِيئَتِكُمْ، وَيْحَكُمْ فَوَاللهِ مَا أَمْضَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَشِيئَتَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمْ بِقُوَّةٍ حَتَّى نَتَقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، فَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ أَمْضَى مَشِيئَتَهُ لِمَنْ كَانَ فِي ضَلَالَتِهِ حِينَ أَرَادَ هُدَاهُ حَتَّى صَارَ إِلَى أَنْ أَدْخَلَهُ بِالسَّيْفِ إِلَى الْإِسْلَامِ كُرْهًا بِمَوْضِعِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فِيهِ، أَمْ هَلْ أَمْضَى لِقَوْمِ يُونُسَ مَشِيئَتَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يُؤْمِنُوا حَتَّى أَظَلَّهُمُ الْعَذَابُ فَآمَنُوا وَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَرَدَّ عَلَى غَيْرِهِمُ الْإِيمَانَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
أَيْ عِلْمُ اللهِ الَّذِي قَدْ خَلَا فِي خَلْقِهِ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 85].
وَذَلِكَ كَانَ مَوْقِعَهُمْ عِنْدَهُ أَنْ يُهْلَكُوا بِغَيْرِ قَبُولٍ مِنْهُمْ بَلِ الْهُدَى وَالضَّلَالَةُ وَالْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ بِيدِ اللهِ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيذَرُ مَنْ يَشَاءُ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
كَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مَسْلَمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128]. أَيْ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ بِيدِكَ، وَإِنَّ عِبَادَةَ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ بِيدِكَ، فَأَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ وَجَعَلْتُمُوهُ مِلْكًا بِأَيْدِيكُمْ دُونَ مَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقُلْتُمْ فِي الْقَتْلِ أَنَّهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ لَكُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ لِيَحْيَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيوْمَ يَمُوتُ وَيوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15].
فَلَمْ يَمُتْ يَحْيَى إِلَّا بِالْقَتْلِ وَهُوَ مَوْتٌ كَمَا مَاتَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهِيدًا، أَوْ قُتِلَ عَمْدًا، أَوْ قُتِلَ خَطَأً، كَمَنْ مَاتَ بِمَرَضٍ، أَوْ فَجْأَةً، كُلُّ ذَلِكَ مَوْتٌ بِأَجَلٍ تَوَفَّاهُ، وَرِزْقٍ اسْتَكْمَلَهُ، وَأَثَرٍ بَلَغَهُ، وَمَضْجَعٍ بَرَزَ إِلَيْهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]. وَلَا تَمُوتُ نَفْسٌ وَلَهَا فِي الدُّنْيَا عُمْرُ سَاعَةٍ إِلَّا بَلَغَتْهُ، وَلَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَطِئَتْهُ، وَلَا مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ رِزْقٍ إِلَّا اسْتَكْمَلَتْهُ، وَلَا مَضْجَعٌ بِحَيْثُ كَانَ إِلَّا بَرَزَتْ إِلَيْهِ، يُصَدِّقُ ذَلِكَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: 12].
فَأَخْبَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِعَذَابِهِمْ بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالنَّارِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ بِمَكَّةَ، وَتَقُولُونَ أَنْتُمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا مَلَكُوا رَدَّ عِلْمِ اللهِ فِي الْعَذَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُمَا نَازِلَانِ بِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: 9].
يَعْنِي الْقَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 9].
فَانْظُرُوا إِلَى مَا أَرْدَاكُمْ فِيهِ رَأْيَكُمْ وَكِتَابًا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ بِشَقَائِكُمْ إِنْ لَمْ يَرْحَمْكُمْ، ثُمَّ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ: الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ يَوْمِ بَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ إِلَى الْقِيَامَةِ، فِيهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ مَنْ عَدَلَ، وَالثَّانِيَةُ: أَهْلُ التَّوْحِيدِ لَا تُكَفِّرُوهُمْ وَلَا تَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِشِرْكٍ، وَالثَّالِثَةُ: الْمَقَادِيرُ كُلُّهَا خَيْرُهَا وَشَرُّهَا مِنْ قَدَرِ اللهِ «فَنَقَضْتُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ جِهَادَهُ، وَنَقَضْتُمْ شَهَادَتَكُمْ عَلَى أُمَّتِكُمْ بِالْكُفْرِ وَبَرِئْتُمْ مِنْهُمْ بِبِدْعَتِكُمْ، وَكَذَّبْتُمْ بِالْمَقَادِيرِ كُلِّهَا وَالْآجَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَرْزَاقِ، فَمَا بَقِيتْ فِي أَيْدِيكُمْ خَصْلَةٌ يَنْبَنِي الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا إِلَّا نَقَضْتُمُوهَا وَخَرَجْتُمْ مِنْهَا»
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ: وَمِنْهُمُ الْحَذِرُ الْحَرِكُ، سَلِيلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ لِلْحَقِّ نَافِذًا، وَلِلْبَاطِلِ وَاقِذًا.
وَقِيلَ: إِنَّ التَّصَوُّفَ الْحَذَرُ مِنَ الْأَهَاوِيلِ وَالنَّفَرُ مِنَ الْأَبَاطِيلِ
حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُونُسَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ ابْنٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ - وَكَانَ يَفْضُلُ عَلَى عُمَرَ: «يَا أَبَتِ، أَقِمِ الْحَقَّ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، ثنا بَعْضُ مَشْيخَةِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ
: «كُنَّا نَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي الْعِبَادَةِ مَا رَأَى مِنِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ: وَأَصَابَهُ الطَّاعُونُ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ فَمَاتَ - قَالَ: «وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَعَزَّ عَلِيَّ مِنْ عُمَرَ، وَلَأَنْ أَكُونَ سَمِعْتُ بِمَوْتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ كَمَا رَأَيْتُهُ»
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثنا ضَمْرَةُ، ثنا ابْنُ شَوْذَبٍ قَالَ: " جَاءَتِ امْرَأَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ إِلَيْهِ وَقَدْ تَرَجَّلَتْ وَلَبِسَتْ إِزَارًا وَرِدَاءً وَنَعْلَيْنِ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: «اعْتَدَى اعْتَدَى»
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ، ثنا فُرَاتُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ، فَوَاللهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّمَا أَنَا أَرُوضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، إِنِّي لَأُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ، فَأُؤَخِّرُ ذَلِكَ حَتَّى أَخْرُجَ مَعَهُ طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ: كَمْ تَرَانَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَدْرِي مَا عِيَالُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللهُ لَهُمْ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيتُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «وَمَا قَالَ؟» قُلْتُ: قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «فَمَا قُلْتَ لَهُ؟»: قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا عِيَالُكَ؟ قَالَ: نِعْمَ اللهُ لَهُمْ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: «بِئْسَ الْوَزِيرُ أَنْتَ يَا مُزَاحِمٍ» ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى أَبِيهِ فَقَالَ لِلْآذِنِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْآذِنُ: إِنَّمَا لِأَبِيكَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هَذِهِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا بُدٌّ مِنْ لِقَائِهِ» فَسَمِعَ عُمَرُ مَقَالَتَهُمَا قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ الْآذِنُ: عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ
السَّاعَةَ؟ قَالَ: «شَيْءٌ ذَكَرَهُ لِي مُزَاحِمٌ» قَالَ: نَعَمْ فَمَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: «رَأْيِي أَنْ تُمْضِيَهُ» قَالَ: فَإِنِّي أَرْوَحُ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَأَرُدُّهُ عَلَى رءُوسِ النَّاسِ، قَالَ: «وَمَنْ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الصَّلَاةِ؟» قَالَ: فَمَهْ قَالَ: السَّاعَةَ، قَالَ: فَخَرَجَ فَنُودِي فِي النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَرَدَّهُ عَلَى رءُوسِ النَّاسِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، ثنا أَحْمَدُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا نَادَى مُنَادِيهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، قَالَ: فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعْطُونَا عَطَايَا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَأْخُذَهَا، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْطُونَهَا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ لَيْسَ عَلِيَّ فِيهِ دُونَ اللهِ مُحَاسِبٌ، وَإِنِّي قَدْ بَدَأْتُ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي، اقْرَأْ يَا مُزَاحِمُ، فَجَعَلَ مُزَاحِمٌ يَقْرَأُ كِتَابًا كِتَابًا، ثُمَّ يَأْخُذُهُ عُمَرُ وَبِيدِهِ الْجَلَمُ فَيقْطَعُهُ حَتَّى نُودِي بِالظُّهْرِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ جَعْوَنَةَ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى أَبِيهِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا أَتَيْتَهُ وَقَدْ تَرَكْتَ حَقًّا لَمْ تُحْيِهِ، وَبَاطِلًا لَمْ تُمِتْهُ؟ قَالَ: «اقْعُدْ يَا بُنَيَّ، إِنَّ أَبَاكَ وَأَجْدَادَكَ خَدَعُوا النَّاسَ عَنِ الْحَقِّ، فَانْتَهَتِ الْأُمُورُ إِلَيَّ وَقَدْ أَقْبَلَ شَرُّهَا وَأَدْبَرَ خَيْرُهَا، وَلَكِنْ أَلَيْسَ حَسْبِي جَمِيلًا أَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَيَّ فِي يَوْمٍ إِلَّا أَحْيَيْتُ فِيهِ حَقًّا وَأَمَتُّ فِيهِ بَاطِلًا، حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْتُ وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ؟»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا أَبُو عَرُوبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا أَبُو الْمَلِيحِ، عَنْ مَيْمُونٍ - يَعْنِي ابْنَ مِهْرَانَ - قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِلَى مَكْحُولٍ وَإِلَى أَبِي قِلَابَةَ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا؟ فَقَالَ مَكْحُولٌ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا ضَعِيفًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَأْنِفَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ عُمَرُ كَالْمُسْتَغِيثِ بِي، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ابْعَثْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَحْضِرْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ مَنْ رَأَيْتَ قَالَ: يَا حَارِثُ ادْعُ لِي عَبْدَ الْمَلِكِ
، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، مَا تَرَى فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي قَدْ أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا، قَدْ حَضَرُوا يَطْلُبُونَهَا، وَقَدْ عَرَفْنَا مَوَاضِعَهَا؟ قَالَ: «أَرَى أَنْ تَرُدَّهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ كُنْتَ شَرِيكًا لِمَنْ أَخَذَهَا»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، - وَكَانَ كَاتِبَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ بِالشَّامِ - قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى أَبِيهِ عُمَرَ فَقَالَ: «أَيْنَ وَقَعَ لَكَ رَأْيُكَ فِيمَا ذَكَرَ لَكَ مُزَاحِمٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ؟» قَالَ: عَلِيَّ إِنْفَاذُهُ.
فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى أَمْرِ دِينِي، نَعَمْ يَا بُنَيَّ، أُصَلِّي الظُّهْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَأَرُدُّهَا عَلَى رءُوسِ النَّاسِ» فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ لَكَ بِالظُّهْرِ، وَمَنْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ بَقِيتَ أَنْ تَسْلَمَ لَكَ نِيَّتُكَ لِلظُّهْرِ؟ قَالَ عُمَرُ: " فَقَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ لِلْقَائِلَةِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تَأْمُرُ مُنَادِيَكَ فَيُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَقَدْ جِيءَ بِسَفَطٍ أَوْ جَوْنَةٍ فِيهَا تِلْكَ الْكُتُبُ، وَفِي يَدِ عُمَرَ جَلَمٌ يَقُصُّهُ حَتَّى نُودِيَ بِالظُّهْرِ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ، ثنا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ ثَلَاثَةً فِي بَيْتٍ أَخْيَرَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثنا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ: أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَيْثُ دُفِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لَمَّا دَفَنَهُ وَسَوَّى عَلَيْهِ قَبْرَهُ بِالْأَرْضِ وَضَعُوا عِنْدَهُ خَشَبَتَيْنِ مِنْ زَيْتُونٍ، إِحْدَاهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَالْأُخْرَى عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ قَبْرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَاسْتَوَى قَائِمًا وَأَحَاطَ بِهِ النَّاسُ فَقَالَ: «رَحِمَكَ اللهُ يَا بُنَيَّ، لَقَدْ كُنْتَ بَارًّا بِأَبِيكَ، وَاللهِ مَازِلْتُ مُنْذُ وَهَبَكَ اللهُ لِي مَسْرُورًا بِكَ، وَلَا وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بِكَ سُرُورًا وَلَا أَرْجَى بِحَظِّي مِنَ اللهِ فِيكَ مُنْذُ وَضَعْتُكَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ الَّذِي صَيَّرَكَ اللهُ إِلَيْهِ، فَرَحِمَكَ اللهُ وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، وَجَزَاكَ بِأَحْسَنِ عَمَلِكَ، وَرَحِمَ اللهُ كُلَّ شَافِعٍ يَشْفَعُ لَكَ بِخَيْرٍ مِنْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، رَضِينَا بِقَضَاءِ اللهِ، وَسَلَّمْنَا لِأَمْرِ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ثُمَّ انْصَرَفَ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا عَفَّانُ، ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ، مَاتَ أَخٌ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ مُزَاحِمٌ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى النِّسَاءِ فِي الْخِرَقِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى فِيهِ السُّرُورَ وَقُرَّةَ الْعَيْنِ إِلَى يَوْمِي هَذَا، فَمَا رَأَيْتُهُ فِي أَمْرٍ قَطُّ أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ أَمْرٍ رَأَيْتُهُ فِيهِ الْيَوْمَ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعَطَّارُ، ثنا حَزْمٌ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي شَأْنِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ تُوُفِّيَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى ذِكْرُهُ كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ خَلَقَهُمُ الْمَوْتَ، وَجَعَلَ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ الصَّادِقِ الَّذِي حِفِظَهُ بِعِلْمِهِ، وَأَشْهَدَ مَلَائِكَتَهُ عَلَى حَقِّهِ، أَنَّهُ يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدُ أَفَإِنْ مُتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].
ثُمَّ قَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55].
فَالْمَوْتُ سَبِيلُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَكْتُبِ اللهُ لِمُحْسِنٍ وَلَا لِمُسِيءٍ فِيهَا خُلْدًا، وَلَمْ يَرْضَ مَا أَعْجَبَ أَهْلَهَا ثَوَابًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِبَلَائِهَا نِقْمَةً لِأَهْلِ مَعْصِيتِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا أَعْجَبَ أَهْلَهَا أَوْ كَرِهُوا مِنْهُ شَيْئًا مَتْرُوكٌ، لِذَلِكَ خُلِقَتْ حِينَ خُلِقَتْ، وَلِذَلِكَ سُكِنَتْ مُنْذُ سُكِنَتْ، لِيَبْلُوَ اللهُ فِيهَا عِبَادَهُ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَمَنْ قَدِمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ وَرِضْوَانِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى الَّذِينَ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهُدَاهُمْ خَالِدٌ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّهُ فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّهُ فِيهَا لُغُوبٌ، وَمَنْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ الدُّنْيَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَغَيْرِ مَنَازِلِهِمْ فَقَدْ قَابَلَ الشَّرَّ الطَّوِيلَ، وَأَقَامَ عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ، أَسْأَلُ اللهَ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُبْقِيَنَا مَا أَبْقَانَا فِي الدُّنْيَا مُطِيعِينَ لَأَمْرِهِ، مُتَّبِعِينَ لِكِتَابِهِ، وَجَعَلَنَا إِذَا خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى نَبِيِّنَا وَمَنْ أَمَرَنَا
أَنْ نَقْتَدِيَ بِهُدَاهُ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَأَسْأَلُهُ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يَقِيَنَا أَعْمَالَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا، وَالسَّيِّئَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ، أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَبِيهِ فِيهِ، أَعَاشَهُ اللهُ مَا أَحَبَّ أَنْ يُعِيشَهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ حِينَ أَحَبَّ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَهُوَ فِيمَا عَلِمْتُ بِالْمَوْتِ مُغْتَبِطٌ، يَرْجُو فِيهِ مِنَ اللهِ رَجَاءً حَسَنًا، فَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تَكُونَ لِي مَحَبَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ تُخَالِفُ مَحَبَّةَ اللهِ، فَإِنَّ خِلَافَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ فِي بَلَائِهِ عِنْدِي وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيَّ، وَقَدْ قُلْتُ فِيمَا كَانَ مِنْ سَبِيلِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَا رَجَوْتُ بِهِ ثَوَابَ اللهِ، وَمَوْعِدَهُ الصَّادِقَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَعْدَهُ فِي نَفْسِي إِلَّا خَيْرًا مِنْ رِضًي بِقَضَاءِ اللهِ، وَاحْتِسَابٍ لِمَا كَانَ مِنَ الْمُصِيبَةِ، فَحَمْدًا لِلَّهِ عَلَى مَا مَضَى، وَعَلَى مَا بَقِيَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِذَلِكَ وَأُعْلِمَكَهُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ، فَلَا أَعْلَمُ مَا نِيحَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ قَبْلِكَ، وَلَا اجْتَمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَا رَخَّصْتُ فِيهِ لِقَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا لِبَعِيدٍ، وَاكْفِنِي ذَلِكَ بِكِفَايَةِ اللهِ، وَلَا أَلُومَنَّكَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: غَضِبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاضِرٌ، فَلَمَّا سَكَنَ غَضَبُهُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ فِي قَدْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَمَوْضِعِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللهُ بِهِ، وَمَا وَلَّاكَ مِنْ أَمْرِ عِبَادِهِ يَبْلُغُ بِكَ الْغَضَبُ مَا أَرَى؟ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ، فَقَالَ: أَمَا تَغْضَبُ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ؟ فَقَالَ: «مَا تُغْنِي سَعَةُ جَوْفِي إِنْ لَمُ أَرْدُدْ فِيهَا الْغَضَبَ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ؟» قَالَ: وَكَانَ لَهُ بَطِينٌ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، ثنا أَحْمَدُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنِي مَرْوَانُ أَبُو عَمْرٍو الْجَزَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ: " جَلَسَ عُمَرُ يَوْمًا لِلنَّاسِ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ ضَجِرَ وَكُلَّ وَمَلَّ فَقَالَ لِلنَّاسِ: مَكَانَكُمْ حَتَّى
أَنْصَرِفَ إِلَيْكُمْ، فَدَخَلَ لِيَسْتَرِيحَ سَاعَةً، فَجَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: دَخَلَ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَدْخَلَكَ؟» قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَرِيحَ سَاعَةً، قَالَ: «أَوَأَمِنْتَ الْمَوْتَ أَنْ يَأْتِيَكَ وَرَعِيَّتُكَ عَلَى بَابِكَ يَنْتَظِرُونَكَ، وَأَنْتَ مُحْتَجِبٌ عَنْهُمْ؟» فَقَامَ عُمَرُ مِنْ سَاعَتِهِ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ "
حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: " لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ عَزَّاهُ النَّاسُ عَنْهُ فَعَزَّاهُ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ فَقَالَ: تَعَزَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ لِمَا قَدْ تَرَى يُغْذَى الصَّغِيرُ وَيُولَدُ
[البحر الطويل]
هَلِ ابْنُكَ إِلَّا مِنْ سُلَالَةِ آدَمٍ ... لِكُلٍّ عَلَى حَوْضِ الْمَنِيَّةِ مَوْرِدُ "
قَالَ: فَمَا وَقَعَتْ مِنْهُ تَعْزِيَةُ أَحَدٍ مَا وَقَعَتْ مِنْهُ تَعْزِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ.
أَسْنَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ، رِضَيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، وَيُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيَّةُ.
وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِظٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
جَمَعْنَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ مَسَانِيدِهِ وَرِوَايَاتِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، ثنا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي فَتِيلَةَ، ثنا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ
، ثنا رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِكَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي فَتِيلَةَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلَّامٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْجَعْدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الشَّابَّ الَّذِي يُفْنِي شَبَابَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ سَالِمٍ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَزَّانُ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: عَلَّمَتْنِي أُمِّي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ شَيْئًا أَمَرَهَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَقُولَهُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «اللهُ اللهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُهُ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَاهُ عَنْهُ رَوَاهُ وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَمَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، فِي آخَرِينَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غِيَاثٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو، ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي هَمَّامٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ " غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، تَفَرَّدَ بِهِ الْحَسَنُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْخَطَّابِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، عَنِ الْجُعَيْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: يَا سَائِبُ هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتَزِرُ الرِّدَاءَ - أَوْ يَرْتَدِي الرِّدَاءَ - ثُمَّ يَخْرُجُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لَوْ صَنَعَ ذَلِكَ أَحَدٌ الْيَوْمَ لَقِيلَ مَجْنُونٌ " غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الْهِجْرَةِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ، مَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ