أَبُو عَبْدِ اللَّهِ خَاقَانُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْبَى بِسِرِّهِ الْفِتْيَانُ وَيُجْذَبُ بِدَعْوَتِهِ مِنَ الْخُسْرَانِ إِلَى الرُّجْحَانِ وَكَانَ ذَا بَيَانٍ وَبُرْهَانٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ خَاقَانُ
سَمِعْتُ وَالِدِي قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا الْحَذَّاءَ الشِّيرَازِيَّ، يَقُولُ وَذَكَرَ خَاقَانَ فَقَالَ: «إِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ آيَاتٍ وَكَرَامَاتٍ»
وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ فَضْلَانَ الرَّازِيَّ قَالَ: " كَانَ أَبِي أَحَدَ الْبَاعَةِ بِبَغْدَادَ وَكُنْتُ عَلَى سَرِيرِ حَانُوتِهِ جَالِسًا فَمَرَّ إِنْسَانٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَأَنَا حِينَئِذٍ لَمْ أَبْلَغِ الْحُلُمَ فَجَذَبَ قَلْبِي وَقُمْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَعِي دِينَارٌ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَتَنَاوَلَهُ وَمَضَى وَلَمْ يُقْبِلْ عَلَيَّ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: ضَيَّعْتُ الدِّينَارَ فَإِنَّهُ مُهْوَسٌ فَتَبِعْتُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ الشُّونِيزِيَّةِ فَرَأَى فِيهِ ثَلَاثَةً مِنَ الْفُقَرَاءِ فَدَفَعَ الدِّينَارَ إِلَى أَحَدِهِمْ وَاسْتَقْبَلَ هُوَ الْقِبْلَةَ يُصَلِّي فَخَرَجَ الَّذِي أَخَذَ الدِّينَارَ وَأَنَا أَتْبَعُهُ وَرَاءَهُ أُرَاقِبُهُ فَاشْتَرَى طَعَامًا وَحَمَلَهُ فَأَكَلَهُ الثَّلَاثَةُ وَالشَّيْخُ مُقْبِلٌ عَلَى صَلَاتِهِ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغُوا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ؟ قَالُوا: لَا يَا أَسْتَاذُ، قَالَ: شَابٌّ نَاوَلَنِي الدِّينَارَ فَكُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ رَقِّ الدُّنْيَا وَقَدْ فَعَلَ، فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقُلْتُ: صَدَقْتَ يَا أَسْتَاذُ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَى وَالِدِي إِلَّا بَعْدَ حَجَّتَيْنِ وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ خَاقَانَ "
إِبْرَاهِيمُ الْمَارِسْتَانِيُّ وَمِنْهُمُ الْمُعَلِّمُ الْمُفْهِمُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَارِسْتَانِيُّ
كَانَ الْجُنَيْدُ لَهُ مُؤَاخِيًا وَعَلَيْهِ حَامِيًا وَحَانِيًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُنَيْدَ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَوِّلِينَ زَيَّنَ لَهُ تَأْوِيلًا فَمَالَ إِلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ رِسَالَةً
أَخْبَرَنَا بِهَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُفِيدِ، وَحَدَّثَنَا بِهَا عَنْهُ أَبُو عَمْرٍو الْعُثْمَانِيُّ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَبَلِيُّ قَالَ: كَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَارِسْتَانِيِّ رِسَالَةً فِيهَا: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لَا ضَيَّعَ اللَّهُ مَيْلِي إِلَيْكَ وَلَا إِقْبَالِي عَلَيْكَ أَنَا عَلَيْكُ عَاتِبٌ وَاجِدٌ وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِكَ غَيْرُ حَامِدٍ أَرَضِيتَ أَنْ تَكُونَ لِبَعْضِ عُبَيْدِ الدُّنْيَا عَبْدًا؟ أَوْ يَكُونَ بِطَاعَتِكَ لَهُ عَلَيْكَ مُهَيْمِنًا وَرَبَّا يَتَخَوَّلُكَ بِبَعْضِ مَا يُعْطِيكَ وَيَمْتَهِنُكَ بِيَسِيرِ مَا يُزْرِيكَ مُبْتَذِلًا لَكَ ثُمَّ يُدَنِّسُكَ بِأَوْسَاخِ وَضَرِهِ وَيَجْتَذِبُكَ بِمَأْثُورِ ضَرَرِهِ فَسُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ إِلَيْكَ بِهِ رَحْمَتَهُ وَرَأْفَتَهُ فَاسْتَنْقَذَكَ بِذَلِكَ مِنْ وَبَالِ مَا اخْتَرْتَهُ لِنَفْسِكَ وَمِلْتَ إِلَيْهِ لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تَغْرَقَ فِي خِلْجَانِ بِحْرِهَا أَوْ تُهْلِكَ فِي بَعْضِ مَفَاوِزِهَا، وَلَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيَّ مِنَ الشُّكْرِ لِمَا جَدَّدَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ وَوَهَبَ لِي مِنَ السَّلَامَةِ فِيكَ مَا لَا أَقُومُ بِهِ عَجْزًا عَنْ وَاجِبِ حَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ بِهِ لِي عَنِّي وَأَنَا أَسْأَلُ الْمَنَّانَ الْمُتَطَوِّلَ بِفَضْلِهِ الْمُبْتَدِي بِكَرَمِهِ وَامْتِنَانِهِ أَنْ يَقُومَ لِي عَنِّي بِمَا قَصُرَ لَهُ بِي شُكْرِي بَادِئًا فِي ذَلِكَ بِالْحَمْدِ وَالْجُودِ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ بَلْ مَا لَا أُحْصِيهِ مِنْ نِعَمِهِ فَلَيْتَ شِعْرِي أَبَا إِسْحَاقَ، كَيْفَ مَعْرِفَتُكَ بِمَا جَدَّدَ لَكَ مِنْ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَزَوَى عَنْكَ مِنْ عَطَبِ فَرْطِ بَلَائِكَ وَكَيْفَ عِلْمُكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ فِيمَا أَلْزَمَكَ الْمُنْعِمُ عَلَيْكَ وَالْمَنَّانُ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ فِيمَا أَسْدَى إِلَيْكَ، أَلَكَ لَيْلٌ تَرْقُدُهُ أَمْ نَهَارٌ تَمْهَدُهُ أَمْ مُسْتَرَاحٌ عَنِ الْجَدِّ تَجِدُهُ أَمْ طَعَامٌ تَعْهَدُهُ أَمْ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ دُونَ ذَلِكَ تَقْصِدُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نَائِبٍ عَنْكَ فِي وُجُوبِ حَقِّ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيمَا جَدَّدَ بِهِ مِنْ عَتِيدِ الْبِرِّ لَدَيْكَ لَكِنَّهُ الْغَايَةُ الْمُمْكِنَةُ مِنْ فِعْلِكَ، وَالِاجْتِهَادُ فِي بُلُوغِ الْأَجْرِ مِنْ عَمَلِكَ فَكُنْ لَهُ بِأَفْضَلِ مَا هَيَّأَ لَكَ عَامِلًا، وَعَلَيْهِ بِهِ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِكَ مُقْبِلًا، ثُمَّ كُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَاضِعًا مُذْعِنًا ضَارِعًا مُعْتَرِفًا، فَإِنَّ ذَاكَ يَسِيرٌ مِنْ كَثِيرٍ وَجَبَ لَهُ عَلَيْكَ، وَبَعْدُ يَا أَخِي، فَاحْذَرْ مَيْلَ التَّأْوِيلِ عَنِ الْحَقَائِقِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ بِأَحْكَمِ الْوَثَائِقِ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ كَالصَّفَّاءِ الزَّلَّالِ الَّذِي لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْأَقْدَامُ وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ بِالْمَيْلِ إِلَى خَطَأِ التَّأْوِيلِ وَاسْتِيلَاءِ ذَلِكَ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى وَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ لَكَ وَأُعِيذُكَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْكَ جُنَّةً مِنْ جُنَّتِهِ وَوَاقِيَةً مِنْ وَاقِيَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَبَعْدُ يَا أَخِي كَيْفَ أَنْتَ فِي تَرْكِ مُوَاصَلَةِ مَنْ عَرَّضَكَ لِلتَّقْصِيرِ وَدَعَاكَ إِلَى النَّقْصِ وَالْفُتُورِ؟ وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُبَايِنَتُكَ لَهُ وَهُجْرَانُكَ؟ وَكَيْفَ إِعْرَاضَ سِرِّكَ وَنُبُوِّ قَلْبِكَ وَعُزُوفِ ضَمِيرِكَ عَنْهُ؟ وَحَقِيقٌ عَلَيْكَ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَخَصَّكَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ الْجَلِيلِ وَالْمَنْزِلِ الشَّرِيفِ أَنْ تَكُونَ عَنِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الدُّنْيَا مُعْرِضًا وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ فِي بِلَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ شَافِعًا فَذَاكَ بَعْضُ حَقِّكَ وَحَرِيٌّ بِكَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُذْنِبِينَ ذَائِدًا وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ بِفَهْمِ الْخِطَابِ إِلَى اللَّهِ رَائِدًا وَفِي اسْتِنْقَاذِهِمْ وَافِدًا فَتِلْكَ حَقَائِقُ الْعُلَمَاءِ وَأَمَاكِنُ الْحُكَمَاءِ، وَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِبَادِهِ وَأَعَمُّهُمْ نَفْعًا لِجُمْلَةِ خَلْقِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ أَخَصِّ مَنْ أَخْلَصَهُ بِالْإِخْلَاصِ إِلَيْهِ وَأَقْرَبِهِمْ فِي مَحَلِّ الزُّلْفَى لَدَيْهِ»
سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَحْكِي عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَارِسْتَانِيَّ، يَقُولُ: «رَأَيْتُ الْخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَّمَنِي عَشْرَ كَلِمَاتٍ وَأَحْصَاهَا بِيَدِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْإِقْبَالَ عَلَيْكَ وَالْإِصْغَاءَ إِلَيْكَ وَالْفَهْمَ عَنْكَ وَالْبَصِيرَةَ فِي أَمْرِكَ وَالنَّفَاذَ فِي طَاعَتِكَ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَى إِرَادَتِكَ وَالْمُبَادَرَةَ فِي خِدْمَتِكَ وَحُسْنَ الْأَدَبِ فِي مُعَامَلَتِكَ وَالتَّسْلِيمَ لَكَ وَالتَّفْوِيضَ إِلَيْكَ»
أَبُو جَعْفَرٍ الْمَجْذُومُ وَمَنَ الْأَتْقِيَاءِ الْأَبْرِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ الْأَقْوِيَاءِ الْأَخْفِيَاءِ الْأَوْلِيَاءِ الْمَجْذُومُ أَبُو جَعْفَرٍ، كَانَ مِسْكِينًا خَاضِعًا فَكَانَ الْحَقُّ لَهُ مُعِينًا صَانِعًا
سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ أَحْمَدَ بْنَ عِمْرَانَ الْهَرَوِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الدَّرَّاجَ، يَقُولُ: " كَانَ يَصْحَبُنِي كُلَّ سَنَةٍ حَجَجْتُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُشَاةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِمَعْرِفَتِي بِالطُّرُقِ وَالْمِيَاهِ فَكُنْتُ أَتَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِهِمْ فَعَزَمْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ أَنْ أَحُجَّ مُنْفَرِدًا لَا يَصْحَبُنِي أَحَدٌ وَلَا أَصْحَبُ أَحَدًا فَخَرَجْتُ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الْقَادِسِيَّةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مَجْذُومًا مُبْتَلًى فِي الْمِحْرَابِ فَسَلَّمَ
عَلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ عَزَمْتَ الْحَجَّ؟ فَأَجَبْتُهُ مُغْتَاظًا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِي: فَالصُحْبَةَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَرَبْتُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ الْأَقْوِيَاءِ ابْتَلَى بِمَجْذُومٍ مُبْتَلًى فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ لِي: افْعَلْ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ، فَقَالَ لِي: يَصْنَعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ، فَقُلْتُ: نَعَمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِ فَتَرَكْتُهُ فَصَلَّيْتُ الْعَصْرَ وَمَشَيْتُ نَحْوَ الْمُغِيثَةِ فَبَلَغْتُهَا مِنَ الْغَدِ ضَحْوَةً فَدَخَلْتُ مَسْجِدَهَا فَإِذَا الشَّيْخُ جَالِسٌ فِي الْمِحْرَابِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ، يَصْنَعُ اللَّهُ بِالضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ، فَاعْتَرَضَنِي الْوَسْوَاسُ فِي أَمْرِهِ وَلَمْ أَجْلِسْ وَغَدَوْتُ مَاشِيًا حَتَّى بَلَغْتُ الْقَرْعَاءَ مَعَ الصُّبْحِ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِالشَّيْخِ قَاعِدٌ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ يَصْنَعُ اللَّهُ بِالضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ، قَالَ: فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ وَوَقَعْتُ عَلَى وَجْهِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَقُلْتُ: الْمَعْذِرَةَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ، فَقَالَ لِي: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: أَخْطَأْتُ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: الصُّحْبَةُ قَالَ: قَدْ حَلَفْتَ وَأَكْرَهُ أَنْ أُحْنِثَكَ، قُلْتُ: فَأَرَاكَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ قَالَ: هَذَا نَعَمْ، قَالَ: فَطَارَ عَنِّي مَا كَانَ مِنَ التَّعَجُّبِ وَالْجَزَعِ وَمَا كَانَ بِي إِلَّا أَنْ يَجْمَعَني وَإِيَّاهُ الْمَنَازِلُ فَكُنْتُ أَلْقَاهُ فِي الْمَنَازِلِ إِلَى أَنْ بَلَغْتُ الْمَدِينَةَ فَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَشَايِخِنَا أَبِي بَكْرٍ الْكَتَّانِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْمُزَيِّنِ وَغَيْرِهِمَا فَاسْتَحْمَقُونِي وَقَالُوا: ذَاكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَجْذُومُ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَيَسْأَلُ اللَّهَ رُؤْيَتَهُ وَلِقَاءَهُ مُنْذُ كَذَا، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، فَقَالُوا: إِنْ لَقِيتَهُ فَتَلَطَّفْ لَهُ وَأَعْلِمْنَا لَعَلَّنَا نَرَاهُ، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَطَلَبْتُهُ بِمِنًى وَعَرَفَاتٍ فَلَمْ أَرَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَنَا أَرْمِي الْجَمْرَةَ جَذَبَنِي إِنْسَانٌ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا الْحُسَيْنِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ فَلَحِقَنِي مِنْ رُؤْيَتِهِ أَنْ صِحْتُ وَغُشِيَ عَلَيَّ وَسَقَطْتُ فَذَهَبَ فَقَصَدْتُ مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَأُخْبِرْتُ أَصْحَابِي فَعَاتَبُونِي، فَكُنْتُ أُصَلَّى يَوْمَ الْوَدَاعِ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ رَافِعًا يَدَيَّ فَجَذَبَنِي إِنْسَانٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ عَزَّمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَصِيحَ فَقُلْتُ: نَعَمْ لَكِنْ أَسْأَلُكَ الدُّعَاءَ لِي، فَقَالَ: سَلْ مَا شِئْتَ، فَسَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِي وَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ، قَالَ مَنْصُورٌ: فَسَأَلْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الدَّرَّاجَ عَنْ سُؤَالَاتِهِ، قَالَ: أَحَدُهَا قُلْتُ: رَبِّ حَبِّبْ إِلَيَّ الْفَقْرَ، فَلَيْسَ
شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَالثَّانِي قُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي أُبَيِّتُ عِنْدِي مَا أَدَّخِرُهُ لِغَدٍ فَأَنَا مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ أَبِيتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ أَدَّخِرُهُ، وَالثَّالِثَةُ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِذَا أَذِنْتَ لِأَوْلِيَائِكَ فِي النَّظَرِ إِلَيْكَ فَارْزُقْنِي ذَلِكَ وَاجْعَلْنِي مِنْهُمْ، فَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ بِالثَّالِثَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُعَمَّرَينَ، صَحِبَ عَلِيَّ بْنَ رَزِينٍ قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقَبْرُهُ بِجَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ عِنْدَ قَبْرِ أُسْتَاذِهِ عَلِيِّ بْنِ رَزِينٍ، كَانَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لَهُ النُّكَتُ الْوَثِيقَةُ وَالِاسْتِغَاثَةُ عَلَى الطَّرِيقَةِ
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ دِينَارٍ الدَّيْنَوَرِيَّ بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَيْبَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ، يَقُولُ: " أَهْلُ الْخُصُوصِ مَعَ اللَّهِ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ: قَوْمٌ ضَنَّ بِهِمْ عَنِ الْبَلَاءِ لِكَيْلَا يَسْتَغْرِقَ الْبَلَاءُ صَبْرَهُمْ فَيَكْرَهُونَ حُكْمَهُ وَيَكُونُ فِي صُدُورِهِمْ حَرَجٌ مِنْ قَضَائِهِ، وَقَوْمٌ ضَنَّ بِهِمْ عَنْ مُجَاوَرَةِ الْعُصَاةِ لِتَسْلَمَ صُدُورُهُمْ لِلْعَالَمِ فَيَسْتَرْبِحُونَ وَلَا يَغْتَمُّونَ، وَقَوْمٌ صَبَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ صَبًّا فَصَبَّرَهُمْ وَرَضَّاهُمْ فَازْدَادُوا بِذَلِكَ لَهُ حُبًّا وَرِضًا بِحُكْمِهِ، وَلَهُ عِبَادٌ مَنَحَهُمْ نِعَمًا تُجَدَّدُ عَلَيْهِمْ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ بَاطِنَ الْعِلْمِ وَظَاهِرَهُ وَأَحْمَلَ ذِكْرَهُمْ، وَكَانَ يَقُولُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِمَارَةُ الْأَوْقَاتِ فِي الْمُوَافَقَاتِ، وَكَانَ يَقُولُ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَرْجِعُ إِلَى مُسْتَنَدٍ فِي الْكَوْنِ غَيْرِ الِالْتِجَاءِ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ فَقْرُهُ لِيُغْنِيَهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ كَمَا عَزَّزَهُ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَعْظَمُ النَّاسِ ذُلًّا فَقِيرٌ دَاهَنَ غَنِيًّا أَوْ تَوَاضَعَ لَهُ، وَأَعْظَمُ الْخَلْقِ عِزًّا غَنِيٌّ تَذَلَّلَ لِفَقِيرٍ أَوْ حَفِظَ حُرْمَتَهُ، وَقَالَ: الرَّاضُونَ بِالْفَقْرِ هُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَحُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهِمْ يُدْفَعُ الْبَلَاءُ عَنِ الْخَلْقِ "
وَأَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْوَرْثَانِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ: [البحر البسيط] يَا مَنْ يَعُدُّ الْوِصَالَ ذَنْبًا ... كَيْفَ اعْتِذَارِي مِنَ الذُّنُوبِ إِنْ كَانَ ذَنْبِي إِلَيْكَ حُبِّي ... فَإِنِّي مِنْهُ لَا أَتُوبُ