حلية الأولياء وطبقات الأصفياءصفحات 259-269

أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَمِنْهُمُ الْحَكِيمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَرَّاقُ الْبَلْخِيُّ لَهُ الْكُتُبُ فِي الْمُعَامَلَاتِ

صفحات 259-269

حِينَئِذٍ؟ وَمَا يُرَادُ بِكَ؟ وَمَاذَا يُرَادُ مِنْكَ وَأَنْتَ حِينَئِذٍ فِي مَحَلٍّ أَمْنُهُ رَوْعٌ، وَأُنْسُهُ وَحْشَةٌ وَضِيَاؤُهُ ظُلْمَةٌ، وَرَفَاهِيَتُهُ شِدَّةٌ، وَشَهَادَتُهُ غِيبَةٌ، وَحَيَاتُهُ مَيْتَةٌ لَا دَرْكَ فِيهِ لِطَالِبٍ، وَلَا مُهِمَّةَ فِيهِ لِسَارِبٍ وَلَا نَجَاةَ فِيهِ لِهَارِبٍ وَأَوَائِلُ مُلَاقَاتِهِ اصْطِلَامٌ وَفَوَاتِحُ بَدَائِعِهِ احْتِكَامٌ وَعَوَاطِفُ مَمَرِّهِ احْتِرَامٌ، فَإِنْ غَمَرَتْكَ غَوَامِرُهُ انْتَسَفَتْكَ بَوَادِرُهُ وَذَهَبَ بِكَ فِي الِارْتِمَاسُ، وَأَغْرَقَتْكَ بِكَثِيفِ الِانْطِمَاسِ فَذَهَبْتَ سِفَالًا فِي الِانْغِمَاسِ إِلَى غَيْرِ دَرْكِ نِهَايَةٍ وَلَا مُسْتَقَرٍ لِغَايَةٍ فَمَنِ الْمُسْتَنْفِذُ لَكَ مِمَّا هُنَالِكَ؟ وَمَنِ الْمُسْتَخْرِجُ لَكَ مِنْ تِلْكِ الْمَهَالِكِ وَأَنْتَ فِي فَرْطِ الْإِيَاسِ مِنْ كُلِّ فَرَجٍ مُشَوَّهٍ بِكَ فِي إِغْرَاقِ لُجَّةِ اللُّجَجِ؟ فَاحْذَرْ ثُمَّ احْذَرْ فَكَمْ مِنْ مُتَعَرِّضٍ اخْتُطِفَ وَمُتَكَلِفٍّ انْتُسِفَ، وَأَتْلَفَ بِالْغِرَّةِ نَفْسَهُ وَأَوْقَعَ بِالسُّرْعَةِ حَتْفَهُ جَعَلْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ النَّاجِينَ وَلَا حَرَمَنَا وَإِيَّاكَ مَا خَصَّ بِهِ الْعَارِفِينَ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي، أَنَّ الَّذِي وَصَفْتُهُ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاوِزِ وَعَرَّضْتُ بِبَعْضِ نَعْتِهِ إِشَارَةً إِلَى عِلْمٍ لَمْ أَصِفْهُ، وَكَشْفُ الْعِلْمِ بِهَا يُبْعِدُ وَالْكَائِنُ بِهَا يَفْقِدُ فَخُذْ فِي نَعْتِ مَا تَعْرِفُهُ مِنَ الْأَحْوَالِ وَمَا يَبْلُغُهُ النَّعْتُ وَالسُّؤَالُ وَيوجَدُ فِي الْمُقَارِبِينَ وَالْأَشْكَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ بِظَفَرِكَ لِظَفَرِكَ وَأَبْعَدُ مِنْ حَظِّكَ لِحَظِّكَ وَاحْذَرْ مِنْ مُصَادَمَاتِ مُلَاقَاةِ الْأَبْطَالِ وَالْهُجُومِ عَلَى حِينِ وَقْتِ النَّزَالِ وَالتَّعَرُّضِ لِأَمَاكِنِ أَهْلِ الْكَمَالِ قَبْلَ أَنْ تُمَاتَ مِنْ حَيَاتِكَ ثُمَّ تِحْيَى مِنْ وَفَاتِكَ وَتُخْلَقَ خَلْقًا جَدِيدًا وَتَكُونَ فَرِيدًا وَحِيدًا، وَكُلُّ مَا وَصَفْتُهُ لَكَ إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ مَا أُرِيدُهُ "

سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ هَارُونَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابٍ كَتَبَ بِهِ إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ: " اعْلَمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَنَّ أَقْرَبَ مَا اسْتُدْعِيَّ بِهِ قُلُوبُ الْمُرِيدِينَ وَنُبِّهَ بِهِ قُلُوبُ الْغَافِلِينَ وَزُجِرَتْ عَنْهُ نُفُوسُ الْمُتَخَلِّفِينَ مَا صَدَقَتْهُ مِنَ الْأَقْوَالِ جَمِيعِ مَا اتَّبَعَ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَهَلْ يَحْسُنُ يَا أَخِي أَنْ يَدْعُوَ دَاعٍ إِلَى الْأَمْرِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شِعَارُهُ وَلَا تَظْهَرُ مِنْهُ زِينَتُهُ وَآثَارُهُ، وَأَلَّا يَكُونَ قَائِلُهُ عَامِلًا فِيهِ بِالتَّحْقِيقِ، وَكُلِّ فِعْلٍ بِذَلِكَ الْقَوْلِ يَلِيقُ، وَأَفِكَ مَنْ دَعَا إِلَى الزُّهْدِ وَعَلَيْهِ شِعَارُ الرَّاغِبِينَ وَأُمِرَ بِالتَّرْكِ وَكَانَ مِنَ

الْآخِذِينَ وَأُمِرَ بِالْجِدِّ فِي الْعَمَلِ وَكَانَ مِنَ الْمُقَصِّرِينَ وَحُثَّ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَّا قَلَّ قَبُولُ الْمُسْتَمِعِينَ لِقِيلِهِ وَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ فِعْلِهِ وَكَانَ حُجَّةً لِمَنْ جَعَلَ التَّأْوِيلَ سَبَبًا إِلَى اتِّبَاعِ هَوَاهُ وَمُسَهِّلًا لِسَبِيلِ مَنْ آثَرَ آخِرَتَهُ عَلَى دُنْيَاهُ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ وَقَدْ وَصَفَ نَبِيَّهُ شُعَيْبًا وَهُوَ شَيْخُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّسُلِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ يَقُولُ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]، وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِمُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ [سبأ: 47] فَهُوَ لَكُمْ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: 72]، وَأَمَرَ اللَّهُ لَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، فَهَذِهِ سِيرَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالَّذِي يَجِبُ يَا أَخِي عَلَى مَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ بِهِ وَالْمَعْرِفَةِ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي اسْتِتْمَامِ وَاجِبَاتِ الْأَحْوَالِ وَأَنْ يُصَدِّقَ الْقَوْلَ مِنْهُ الْفِعْلُ بِذَلِكَ أَوَّلًا عِنْدَ اللَّهِ وَيَحْظَى بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ آخِرًا، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ لِلَّهَ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ أَوْدَعَ قُلُوبِهِمُ الْمَصُونَ مِنْ سِرِّهِ وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ عَظِيمِ أَثَرِهِمْ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ فَهُمْ بِمَا اسْتَوْدَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَافِظُونَ وَبِجَلِيلِ قَدْرِ مَا أَمَّنَهُمْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ عَارِفُونَ، قَدْ فَتْحَ لِمَا اخْتَصَّهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَذْهَانَهُمْ، وَقَرَّبَ مِنْ لَطِيفِ الْفَهْمِ عَنْهُ لِمَا أَرَادَهُ أَفْهَامَهُمْ، وَرَفَعَ إِلَى مَلَكُوتِ عِزِّهِ هُمُومَهُمْ، وَقَرَّبَ مِنَ الْمَحَلِّ الْأَعْلَى بِالْإِدْنَاءِ إِلَى مَكِينِ الْإِيوَاءِ بِحُبِّهِمْ، وَأَفْرَدَ بِخَالِصِ ذِكْرِهِ قُلُوبَهُمْ فَهُمْ فِي أَقْرَبِ أَمَاكِنِ الزُّلْفَى لَدَيْهِ وَفِي أَرْفَعِ مَوَاطِنِ الْمُقْبِلِينَ بِهِ عَلَيْهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ إِذَا نَطَقُوا فَعَنْهُ يَقُولُونَ وَإِذَا سَكَتُوا فَبِوَقَارِ الْعِلْمِ بِهِ يَصْمُتُونَ، وَإِذَا حَكَمُوا فَبِحُكْمِهِ لَهُمْ يَحْكُمُونَ، جَعَلَنَا اللَّهُ يَا أَخِي مِمَّنْ فَضَّلَهُ بِالْعِلْمِ وَمَكَّنَهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَخَصَّهُ بِالرِّفْعَةِ وَاسْتَعْمَلَهُ بِأَكْمَلِ الطَّاعَةِ وَجَمَعَ لَهُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ "

أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسُئِلَ عَمَّا تَنْهَى الْحِكْمَةُ؟ فَقَالَ: " الْحِكْمَةُ تَنْهَى عَنْ كُلِّ مَا يُحْتَاجُ أَنْ يُعْتَذَرَ مِنْهُ وَعَنْ كُلِّ مَا إِذَا غَابَ عِلْمُهُ عَنْ غَيْرِكَ، أَحْشَمَكَ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَبِمَ تَأْمُرُ الْحِكْمَةُ؟

قَالَ: تَأْمُرُ الْحِكْمَةُ بِكُلِّ مَا يُحْمَدُ فِي الْبَاقِي أَثَرُهُ وَيطِيبُ عِنْدَ جُمْلَةِ النَّاسِ خَبَرُهُ وَيُؤْمَنُ فِي الْعَوَاقِبِ ضَرَرُهُ، قَالَ: فَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِالْحِكْمَةِ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَالَ بَلَغَ الْمَدَى وَالْغَايَةَ فِيمَا يَتَعَرَّضُ لِنَعْتِهِ بِقَلِيلِ الْقَوْلِ وَيَسِيرِ الْإِشَارَةِ وَمَنْ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يُرِيدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَاضِرٌ عَتِيدٌ، قَالَ: فَبِمَنْ تَأْنَسُ الْحِكْمَةُ؟ وَإِلَى مَنْ تَسْتَرِيحُ وَتَأْوِي؟ قَالَ: إِلَى مَنِ انْحَسَمَتْ عَنِ الْكُلِّ مَطَامِعُهُ وَانْقَطَعَتْ مِنَ الْفَضْلِ فِي الْحَاجَاتِ مُطَالِبُهُ وَمَنِ اجْتَمَعَتْ هُمُومُهُ وَحَرَكَاتُهُ فِي ذَاتِ رَبِّهِ وَمَنْ عَادَتْ مَنَافِعُهُ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ دَهْرِهِ "

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: " إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانِهِمْ وَفَارَقُوهَا بِعُقُودِ أَيْمَانِهِمْ أَشْرَفَ بِهِمْ عِلْمُ الْيَقِينِ عَلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ وَفِيهِ مُقِيمُونَ وَإِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَهَرَبُوا مِنْ مُطَالَبَةِ نُفُوسِهِمُ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالدَّاعِيَةِ إِلَى الْمَهَالِكِ وَالْمُعِينَةِ لِلْأَعْدَاءِ وَالْمُتَّبِعَةِ لِلْهَوَى وَالْمَغْمُوسَةِ فِي الْبَلَاءِ وَالْمُتَمَكِّنَةِ بِأَكْنَافِ الْأَسْوَاءِ إِلَى قَبُولِ دَاعِي التَّنْزِيلِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِذْ سَمِعُوهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة: الأنفال، آية رقم: 24] فَقَرَعَ أَسْمَاعَ فُهُومِهِمْ حَلَاوَةُ الدَّعْوَةِ لِتَصَفُّحِ التَّمْيِيزِ، وَتَنَسَّمُوا بِرَوْحِ مَا أَدَّتْهُ إِلَيْهِمُ الْفُهُومُ الطَّاهِرَةُ مِنْ أَدْنَاسِ خَفَايَا مَحَبَّةِ الْبَقَاءِ فِي دَارِ الفَنَاءِ فَأَسْرَعُوا إِلَى حَذْفِ الْعَلَائِقِ الْمُشْغِلَةِ قُلُوبَ الْمُرَاقِبِينَ مَعَهَا، وَهَجَمُوا بِالنُّفُوسِ عَلَى مُعَانَقَةِ الْأَعْمَالِ وَتَجَرَّعُوا مَرَارَةَ الْمُكَابَدَةِ وَصَدَقُوا اللَّهَ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَأَحْسَنُوا الْأَدَبَ فِيمَا تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ وَهَانَتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ وَعَرَفُوا قَدْرَ مَا يَطْلُبُونَ، وَاغْتَنَمُوا سَلَامَةَ الْأَوْقَاتِ وَسَلَامَةَ الْجَوَارِحِ وَأَمَاتُوا شَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَسَجَنُوا هُمُومَهُمْ عَنِ التَّلَفُّتِ إِلَى مَذْكُورٍ سِوَى وَلِيِّهِمْ، وَحَرَسُوا قُلُوبِهِمْ عَنِ التَّطَلُّعِ فِي مَرَاقِي الْغَفْلَةِ، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا رَقِيبًا مِنْ عِلْمِ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ وَمَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَحَاطَ بِهِ خُبْرًا فَانْقَادَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ بَعْدَ اعْتِيَاصِهَا، وَاسْتَبَقَتْ مُنَافِسَةً لِأَبْنَاءِ جِنْسِهَا نُفُوسٌ سَاسَهَا وَلِيُّهَا وَحَفِظَهَا بَارِئُهَا وَكَلَأَهَا كَافِيهَا، فَتَوَهَّمْ يَا أَخِي إِنْ كُنْتَ ذَا بَصِيرَةٍ مَاذَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ فِي وَقْتِ

مُنَاجَاتِهِمْ؟ وَمَاذَا يَلْقَوْنَهُ مِنْ نَوَازِلِ حَاجَاتِهِمْ؟ تَرَ أَرْوَاحًا تَتَرَدَّدُ فِي أَجْسَادٍ قَدْ أَذْبَلَتْهَا الْخَشْيَةُ وَذَلَّلَتْهَا الْخِدْمَةُ وَتَسَرْبَلَهَا الْحَيَاءُ وَجَمَعَهَا الْقُرْبُ وَأَسْكَنَهَا الْوَقَارُ وَأَنْطَقَهَا الْحِذَارُ، أَنِيسُهَا الْخَلْوَةُ وَحِدِيثُهَا الْفِكْرَةُ وَشِعَارُهَا الذِّكْرُ، شُغْلُهَا بِاللَّهِ مُتَّصِلٌ وَعَنْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٌ، لَا تَتَلَقَّى قَادِمًا وَلَا تُشَيِّعُ ظَاعِنًا، غِذَاؤُهَا الْجُوعُ وَالظَّمَأُ وَرَاحَتُهَا التَّوَكُّلُ وَكَنْزُهَا الثِّقَةُ بِاللَّهِ وَمِعْوَلُهَا الِاعْتِمَادُ وَدَوَاؤُهَا الصَّبْرُ وَقَرِينُهَا الرِّضَا، نُفُوسٌ قُدِّمَتْ لِتَأْدِيَةِ الْحُقُوقِ وَرُقِّيَتْ لِنَفِيسِ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ وَكُفِيَتْ ثِقَلَ الْمِحَنِ: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة: الأنبياء، آية رقم: 103]، ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [سورة: فصلت، آية رقم: 32] "

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَسْقَطَ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ مِنْ مُسَاكَنَةِ الطَّمَعِ مَعَ الْعِلْمِ فِي قُلُوبِهِمْ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: «فَتْحُ كُلِّ بَابٍ وَكُلِّ عِلْمٍ نَفِيسٍ بَذْلُ الْمَجْهُودِ»

سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: قَالَ الْجُنَيْدُ: «لَوْلَا أَنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ مَا تَكَلَّمْتُ عَلَيْكُمْ»

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: قِيلَ لِلْجُنَيْدِ: مَا الْقَنَاعَةُ؟ قَالَ: «أَلَّا تَتَجَاوَزَ إِرَادَتُكَ مَا هُوَ لَكَ فِي وَقْتِكَ»

سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجَهْضَمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُرَيْضِ، يَقُولُ: لَمَّا قَالَ الْجُنَيْدُ: إِنْ بَدَتْ عَيْنٌ مِنَ الْكَرَمِ أَلْحَقَتِ الْمُسِيءَ بِالْمُحْسِنِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ: مَتَى تَبْدُو؟ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ: " هِيَ بَادِيَةٌ قَالَ اللَّهُ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ عِنْدِي لَفَنِيَ وَلَكِنَّهُ مِنْ حَقٍّ بَدَا وَإِلَى الْحَقِّ يَعُودُ وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّ زَعِيمَ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدَّارِمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْعَطَوِيَّ، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ الْجُنَيْدِ حِينَ مَاتَ فَخَتَمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنَ الْبَقَرَةِ فَقَرَأَ سَبْعِينَ آيَةً ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ "

حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ: مَا تَقُولُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فِي الذِّكْرِ الْخَفِيِّ؟ مَا هُوَ الَّذِي لَا تَعْلَمُهُ الْحَفَظَةُ؟ وَمِنْ أَيْنَ زَادَ عَمَلُ السِّرِّ عَلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا؟ فَأَجَابَهُ فَقَالَ: " وَفَقَّنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِأَرْشَدِ الْأُمُورِ وَأَقْرَبِهَا إِلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَرْضَى الْأُمُورِ وَأَحَبِّهَا إِلَيْهِ وَخَتَمَ لَنَا وَلَكُمْ بِخَيْرٍ، فَأَمَّا الذِّكْرُ الَّذِي يَسْتَأْثِرُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ مَا اعْتَقَدَتْهُ الْقُلُوبُ وَطُوِيَتْ عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ مِمَّا لَا تُحَرَّكُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَالْجَوَارِحُ وَهُوَ مِثْلُ الْهَيْبَةِ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ وَالْإِجْلَالِ لِلَّهِ وَاعْتِقَادِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَهَذِهِ أَشْيَاءُ امْتِدِحَ اللَّهُ بِهَا فَهِيَ لَهُ وَحْدَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَأَمَّا مَا تَعْلَمُهُ الْحَفَظَةُ فَمَا وُكِّلَتْ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَقَوْلُهُ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ فَهَذَا الَّذِي وُكِّلَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ الْحَافِظُونَ مَا لَفِظَ بِهِ وَبَدَا مِنْ لِسَانِهِ، وَمَا يُعْلِنُونَ وَيَفْعَلُونَ هُوَ مَا ظَهَرَ بِهِ السَّعْيُ، وَمَا أَضْمَرَتْهُ الْقُلُوبُ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الْجَوَارِحِ وَمَا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ فَذَلِكَ يَعْلَمُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَكُلُّ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ مَا عُقِدَ لَا يُجَاوِزُ الضَّمِيرَ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ مِنْ فَضْلِ عَمَلِ السِّرِّ عَلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ وَأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ يَزِيدُ عَلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا فَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَمَلًا فَأَسَرَّهُ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يَنْفَرِدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ أَنْ يسْتَغْنَى بِعِلْمِ اللَّهِ فِي عَمَلِهِ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَإِذَا اسْتَغْنَى الْقَلْبُ بِعِلْمِ اللَّهِ أَخْلَصَ الْعَمَلَ فِيهِ، وَلَمْ يَعْرُجْ عَلَى مَنْ دُونَهُ فَإِذَا عَلِمَ جَلَّ ذِكْرُهُ بِصِدْقِ قَصْدِ الْعَبْدِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ عَنْ ذِكْرِهِ مَنْ دُونَهُ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْعَمَلَ فِي أَعْمَالِ الْخَالِصِينَ الصَّالِحِينَ الْمُؤْثِرِينَ لِلَّهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ وَجَازَاهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ مِنَ الثَّوَابِ

سَبْعِينَ ضِعْفًا عَلَى مَا عَمِلَ مَنْ لَا يَحِلُّ مَحَلَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ "

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الدَّيْنَوَرِيِّ: «مَنِ اسْتَخْلَصَهُ الْحَقُّ بِمُفْرَدِ ذِكْرِهِ وَصَافَاهُ يَكُونُ لَهُ وَلِيًّا مُنْتَخِبًا مُكْرِمًا مُوَاصِلًا يُوَرِّثُهُ غَرَائِبَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَزِيدُهُ فِي التَّقْرِيبِ زُلْفًى وَيُثْبِتُهُ فِي مُحَاضِرِ النَّجْوَى وَيَصْطَنِعُهُ لِلْخُلَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ وَيَرْفَعُهُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى وَيُبَلِّغُهُ فِي الرِّفْعَةِ إِلَى الْمُنْتَهَى وَيُشْرِفُ بِهِ مِنْ ذِرْوَةِ الذُّرَى عَلَى مَوَاطِنِ الرُّشْدِ وَالْهُدَى وَعَلَى دَرَجَاتِ الْبَرَرَةِ الْأَتْقِيَاءِ وَعَلَى مَنَازِلِ الصَّفْوَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَيَكُونُ كُلُّهُ مُنْتَظِمًا وَعَلَيْهِ بِالتَّمْكِينِ مُحْتَوِيًا وَبِأَنْبَائِهِ خَبِيرًا عَالِمًا وَعَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ وَالِاسْتِظْهَارِ حَاكِمًا وَبِإِرْشَادِ الطَّالِبِينَ لَهُ إِلَيْهِ قَائِمًا وَعَلَيْهِمْ بِالْفَوَائِدِ وَالْعَوَائِدِ وَالْمَنَافِعِ دَائِمًا، وَلِمَا نَصَبَ لَهُ الْأَئِمَّةَ مِنَ الرِّعَايَةِ لَدَيْهِ بِهِ لَازِمًا، وَذَلِكَ إِمَامُ الْهُدَاةِ السُّفَرَاءِ الْعُظَمَاءِ الْأَجِلَّةِ الْكُبَرَاءِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُمْ لِلدِّينِ عُمُدًا وَلِلْأَرْضِ أَوْتَادًا جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ أَرْفَعِهِمْ لَدَيْهِ قَدْرًا وَأَعْظَمِهِمْ فِي مَحَلِّ عِزِّهِ أَمْرًا إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ سُمَيْعٌ»

سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ هَانِئٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]، قَالَ: «لَا أُحِبُّ مَنْ يَغِيبُ عَنْ عِيَانِي، وَعَنْ قَلْبِي، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ أَنِّي إِنَّمَا أُحِبُّ مَنْ يَدُومُ لِي النَّظَرُ إِلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مَوْجُودًا غَيْرَ مَفْقُودٍ، وَكَذَلِكَ رَأَيْنَا أَنَّ أَشَدَّ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْمُحِبِّينَ أَنْ يَغِيبَ عَنْهُمْ مَنْ أَحَبُّوهُ، وَأَنْ يَفْقِدُوا شَاهِدَهُمْ»

سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْإِيمَانِ، مَا هُوَ؟ فَقَالَ: «الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِيقَانُ وَحَقِيقَةُ الْعِلْمِ بِمَا غَابَ عَنِ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ لِي بِمَا غَابَ عَنِّي إِنْ كَانَ عِنْدِي صَادِقًا لَا يُعَارِضُنِي فِي صِدْقِهِ رَيْبٌ وَلَا شَكٌّ أَوْجَبَ عَلَيَّ تَصْدِيقِي إِيَّاهُ إِنْ ثَبَتَ لِي الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ وَمِنْ تَأْكِيدِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَصْدِيقُ الصَّادِقِ عِنْدِي يُوجِبُ عَلَيَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ كَأَنِّي لَهُ مُعَايِنٌ وَذَلِكَ صِفَةُ قُوَّةُ الصِّدْقِ فِي التَّصْدِيقِ وَقُوَّةِ الْإِيقَانِ الْمُوجِبِ لِاسْمِ الْإِيمَانِ»

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ صلّى

الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فَأَمْرُهُ بِحَالَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَقْوَى مِنَ الْأُخْرَى؛ لِأَنِّي كَأَنِّي أَرَى الشَّيْءَ بِقُوَّةِ الْعِلْمِ بِهِ، وَحَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ لَهُ أَقْوَى مِنْ أَنْ أَكُونَ أَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَرَانِي، وَإِنْ كَانَ عِلْمِي بِأَنَّهُ يَرَانِي حَقِيقَةُ عِلْمِ مُوجِبَةٌ لِلتَّصْدِيقِ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَقْوَى وَالْفَضْلُ يَجْمَعُهَا عَلَى تَقْدِيمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، قَالَ أَحْمَدُ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ عَلَامَةِ الْإِيمَانِ قَالَ: الْإِيمَانُ عَلَامَتُهُ طَاعَةُ مَنْ آمَنْتَ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَتَرْكِ التَّشَاغُلِ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَنْقَضِي عِنْدَهُ حَتَّى أَكُونَ عَلَيْهِ مُقْبِلًا وَلِمُوَافَقَتِهِ مُؤْثِرًا وَلِمَرْضَاتِهِ مُتَحَرِّيًا؛ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ حَقِيقَةِ عَلَامَةِ الْإِيمَانِ أَلَّا أُوثِرَ عَلَيْهِ شَيْئًا دُونَهُ وَلَا أَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِسَبَبٍ سِوَاهُ حَتَّى يَكُونَ الْمَالِكَ لِسِرِّي وَالْحَاثَّ لِجَوَارِحِي بِمَا أَمَرَنِي مَنْ آمَنْتُ بِهِ وَلَهُ عَرَفْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقَعُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ وَمُخَالَفَةِ كُلِّ الْأَهْوَاءِ وَالْمُجَانَبَةِ لِمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْأَعْدَاءُ وَالْمُتَارَكَةِ لِمَا انْتَسَبَ إِلَى الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى وَهَذِهِ بَعْضُ الشَّوَاهِدِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا سَأَلْتَ عَنْهُ وَصِفَةُ الْكَلِّ يَطُولُ شَرْحُهُ، قَالَ وَسَأَلْتُهُ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَقَالَ: هَذَا سُؤَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا مَعْنَىً يُنْبِئُ عَنْ مَزِيدٍ مِنْ عِلْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُجَرَّدًا، وَحَقِيقَتُهُ فِي الْقُلُوبِ مُفْرَدًا وَإِنَّمَا هُوَ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ، وَبِمَا أَخْبَرَ مِنْ أُمُورِهِ فِي سَائِرِ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ مِمَّا ثَبَتَ فِي الْإِيقَانِ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ بِالْعِيَانِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلصِّدْقِ صِدْقٌ وَلِلْإِيقَانِ إِيقَانٌ؟ وَإِنَّمَا الصِّدْقُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ وَالْإِيقَانُ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ الْعِلْمِ عِنْدِي فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلِي وَإِنَّمَا أَنَا الْفَاعِلُ؟، أَوْ يَعْلَمَ عِلْمِي وَإِنَّمَا أَنَا الْعَالِمُ؟ وَالسُّؤَالُ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِيمَانِ إِيمَانٌ وَلِلتَّصْدِيقِ تَصْدِيقٌ جَازَ أَنْ يُوَالَى ذَلِكَ وَيُكَرَّرَ إِلَى غَايَةٍ تَكْثُرُ فِي الْعَدَدِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ كَمَا عَادَ عَلَيَّ ثَوَابُ إِيمَانِي وَثَوَابُ تَصْدِيقِي أَنْ يَعُودَ عَلَى إِيمَانِ إِيمَانِي ثَوَابٌ وَعَلَى تَصْدِيقِ تَصْدِيقِي جَزَاءٌ، وَلَوْ أَرَدْتُ اسْتِقْصَاءَ الْقَوْلِ فِي وَاجِبِ ذَلِكَ لَاتَّسَعَ بِهِ الْكِتَابُ وَطَالَ بِهِ الْخَطَّابُ وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْجَوَابِ

أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْآفَاتِ أَكْثَرُهُمْ بَلَاءً وَآفَةً»

أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ، عُثْمَانُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ الْجُنَيْدِ فَلَقِيَهُ الشِّبْلِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِيمَنِ الْحَقُّ حَسْبُهُ نَعْتًا وَعِلْمًا وَوُجُودًا؟ فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا بَكْرٍ جَلَّتِ الْأُلُوهِيَّةُ وَتَعَاظَمَتِ الرُّبُوبِيَّةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَكَابِرِ الطَّبَقَةِ أَلْفُ طَبَقَةٍ فِي أَوَّلِ طَبَقَةٍ مِنْهَا ذَهَبَ الِاسْمُ»

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَصِلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فَمُتَعَنٍّ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَصِلُ بِغَيْرِ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فَمُتَمَنٍّ، وَمُتَعَلِّمٌ يَتَعَلَّمُ الْحَقِيقَةَ يُوَصِّلُهُ اللَّهُ إِلَى الْهِدَايَةِ»

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ فِي شَيْءٍ: «لَا تَيَأَسْ مِنْ نَفْسِكِ وَأَنْتَ تُشْفِقُ مِنْ ذَنْبِكَ وَتَنْدَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ فِعْلِكَ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَحَلِّيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «كَانَ التَّوَكُّلُ حَقِيقَةً وَالْيَوْمَ هُوَ عِلْمٌ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً مَا نَاصَيْتُ أَحَدًا إِلَى حَقٍّ فَعَادَ إِلَيَّ»

وَقَالَ الْجُنَيْدُ: " إِذَا أَصَبْتَ مَنْ يَصْبِرُ عَلَى الْحَقِّ فَتَمَسَّكْ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: وَأَنِّي بِهِ؟ هَاتِ مَنْ يَصْبِرُ لِي عَلَى سَمَاعِ الْحَقِّ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِ "

أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي كِتَابِهِ , وَحَدَّثَنِي عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مِقْسَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: «لَوْ بَدَتْ عَيْنٌ مِنَ الْكَرَمِ لَأَلْحَقَتِ الْمُسِيئِينَ بِالْمُحْسِنِينَ وَبَقِيَتْ أَعْمَالُ الْعَامِلِينَ فَضْلًا لَهُمْ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْمُرْتَعِشَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: " كَتَبَ إِلَيَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ عُقَلَاءِ أَهْلِ خُرَاسَانَ: اعْلَمْ يَا أَخِي، يَا أَبَا

الْقَاسِمِ، أَنَّ عُقُولَ الْعُقَلَاءِ إِذَا تَنَاهَتْ تَنَاهَتْ إِلَى حَيْرَةٍ "

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «أَضَرُّ مَا عَلَى أَهْلِ الدِّيَانَاتِ الدَّعَاوَى»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِحِفْظِ الْهِمَّةِ فَإِنَّ حِفْظَ الْهِمَّةِ مُقَدِّمَةُ الْأَشْيَاءِ»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: «الْمُرُوءَةُ امْتِحَانُ زَلَلِ الْإِخْوَانِ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَبَا الْقَاسِمِ، يَقُولُ: وَرَأَى رُوَيْمًا وَقَدْ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ خَبَّأَ فِي سِرِّهِ حُبَّ الدُّنْيَا عِشْرِينَ سَنَةً فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ قَالَ: " إِنَّهُ وَقَفَ عَلَيَّ سَائِلٌ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: حَرَّكَنِي فِعْلٌ لِي، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَا وَلَكِنَّ فِعْلَ اللَّهِ فِيكَ يَقْتَضِي مِنْكَ شُكْرَ مَا جَعَلَهُ فِيكَ "

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمُفِيدَ يَقُولُ: حَضَرْتُ الْجُنَيْدَ يَوْمًا فَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا أَسْتَاذُ، مَتَى يَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلًا عَلَى عَبْدِهِ؟ فَلَهَى عَنْهُمْ وَلَمْ يُجِبْهُمْ فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ وَكَانَ ظَرِيفًا لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَبَشَّعَ جَوَابُهُ عَلَى أَحَدٍ فَالْتَفَتْ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «وَاعَجَبَاهُ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ بِلَا حُضُورٍ وَيَقْتَضِي بِهَذِهِ الْوَقْفَةِ إِقْبَالًا»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: وَسُئِلَ عَنْ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ، فَقَالَ: «أَلَّا يُسْتَعَانَ بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ»

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا بَكْرٍ

جارٍ التحميل